تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال سالم بن وابصة (٢)

أحب الفتى ينفي الفواحش سمعهكأن به عن كل فاحشة وقرا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا أرى للمرء أن يأمن الدهرا»
سليم دواعي الصدر لا باسط أذىولا مانع خيراً ولا قائل هجرا
للشاعر سالم بن وابصة الأسدي، من قصيدة «أُحِبُّ الْفتَى ينْفِي الْفَوَاحِشَ سَمْعُهُ»

يقول: أحب من أخلاق الفتى أن يكون متكرماً إذا طرق أذنه ذكر الفواحش، فلا بعيها ولا يجعلها من نفسه ببال، حتى كأن به صمماً عن أنواع الفواحش كلها.

وقوله (سليم دواعي الصدر)، ارتفع سليم لأنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هو سليم، ويكون ما بعده صفات له. ويريد بالدواعي ما يتعلق بالأغيار منه لاما يخصه في نفسه. ألا ترى أنه فسره بقوله (لا باسط أذى ولا مانع خيرأ ولا قائل هجراً) وكل ذلك للغير لا للنفس. ويكشف هذا أنه إذا بسط أسباب الأذى عاد الضرر منها لا عليه. وإذا منع خيره كذلك عاد الضرر على المنتفع به وعلى هذا إذا قال هجراً. والهجر: الفحش. ويقال: أهجر الرجل، إذا أنى به. وقد

كان من فلان هاجرة. على ذلك قوله:

إذا ما شبت نالك هاجراتي

ولك أن تنصب (سليم) بما بعده، فيكون في موضع الحال، وما يتبعه صفات له، وهو لا باسطاً أذى ولا مانعاً خيراً ولا قائلاً هجراً.

إذا ما أتت من صاحب لك زلةفكن أنت محتالاً لزلته عذرا
للشاعر سالم بن وابصة الأسدي، من قصيدة «أُحِبُّ الْفتَى ينْفِي الْفَوَاحِشَ سَمْعُهُ»
غنى النفس مايكفيك من سد حاجةفإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقراً

يقول واعظاً ومهدئاً: إذا اتفقت من صديق لك زلة، أو وقوف موقف تهمة، فحسن أمره في ذلك واحمله على ضروب مما يبسط عذره فيه، بل كن أنت المحتال لعذره، فلا تحوجه إلى تكلف الأعتذار.

وقوله (غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة) يقول: خذ من دنياك ما تسد به فقرك، فإن غنى النفس ما يضمن الكفاية، فإن زاد قليلا عاد ذلك بزيادتك فيه الفقر، وذاك أن الدواعي إنما تكثر وتتوسع الأسباب وكثرتها، وما يفضل عن الكفاية يمت كل جزء منه بماتة صاحبه فلا يكاد يكتفي ببعضه إلا وما عداه يمت بمثل ماتته. وإذا صار الأمر على ذلك فكل منزلة ينتهي إليها طلب الفضل تدعوه إلى مافوقها، فيبقى أبداً متعباً فقيراً. وقوله (فإن زاد، شيئاً) انتصب شيئاً على المصدر، لأنه واقع موقع زيادة. وزاد هاهنا بمعنى ازداد، فلا يتعدى. وانتصب فقراً على الحال.

وقال آخر:

وكم من لشيم ود أنى شتمتهوإن كان شتمي فيه صاب وعلقم
وللكف عن شتم اللئيم تكرماأضر له من شتمه حين يشتم
للشاعر المؤمل بن أميل المحاربي، اقرأ القصيدة

اللئيم: الذي اجتمع فيه خصال مذمومة في نفسه وأبويه. فيقول: كم من رجل دنى النفس والأصل، يتمنى أن أتخذه نظيراً لي أكابله وزناً بوزن، وأكافيه لفظاً بلفظ، وإن كان في هجوى له وشتمي إياه ما يجري مجرى الصاب والعلقم في المرارة. والصاب: شجرة لها لبن فإذا أصاب العين حلبها. والعلقم: الحنظل. وقال الخليل: يقال: علقم الحنظل، إذا اشتدت مرارته. ثم قال: لإمساكي عن مشاتمة اللئام آخذاً بالكرم، أصون لعرضي، وأعود عليهم بالضرر من كل ذم وهجو. وانتصب (تكرما) على أنه مصدر في موضع الحال، أي متكرما، ويجوز أن يكون مفعولاُ له، أي للتكرم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.