تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال معن بن أوس

لعمرك ما أدرى وإني لأوجلعلى أينا تعدو المنية أول
للشاعر محمد عثمان جلال، اقرأ القصيدة

لعمرك مبتدأ، وخبره مضمر، وفيه معنى القسم، وقد تقصى القول فيه. وقوله (إني لأوجل) مما جاء فيه أفعل ولا فعلاء له، كأنهم استغنوا عن وجلاء بوجلة. ويقال: وجلت أوجل وآجل وجلاً، وهو وجل وأوجل. وقلبي من كذا أوجل وأوجر، بمعنى. ويروى: (تعدو المنية) و (تغدو) ومعناهما ظاهر. وأول، بني على الضم، كما فعل ذلك بقبل وبعد، وذاك انه لما كان أصله أفعل الذي يتم بمن، وأضيف من بعد، وجعل الإضافة فيه بدلاً من من، والمضاف إليه من تمامه ثم حذف المضاف إليه ليعلم المخاطب به، وجعل في نفسه غاية، وكان معرفة كما كان قبل وبعد كذلك وجب أن يبنى كما بنيا. وموضعه نصب على الظرف. ومعنى البيت: وبقائك ما أعلم أينا يكون المقدم في عدو الموت عليه، وانتهاء الأجل إليه، وإني لخائف مترقب. فموضع (على أينا) نصب لأنه مفعول ما أدرى، والذي لا يدريه هو مقتضى هذا السؤال. وقوله (إني لأوجل) اعتراض.

وأني أخوك الدائم العهد لم أحلإن ابزاك خصم أو نبا بك منزل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
أحارب من حاربت من ذي عدواةوأحبس مالي إن غرمت فأعقل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

يقول: إني وديدك الذي يدوم عهده، ويتصل على تقلب الأحوال وتبدل الأبدال، ولا يحول إن تطاول عليك الخصم، أو بطش بك عدو، أو ضاق عنك منزل، فاحتجت إلى التحول عنه والاستبدال به. وقال الخليل: يقال أبزيت بفلان، إذا بطش به وقهرته. وحكى الدريدي: بزاه يبزوه بزواً، إذا قهره. وأنشد:

جارى ومولاي لا يبزي حريمهماوصاحبي من دواء السر مصطحب

ويبزى يكون مستقبل بزى وأبزى جميعاً. والله أعلم. ويجوز أن يكون أبزى منقولاً بالألف عن بزى يبزى بزى فهو أبزى، وامرأة بزواء؛ وهو دخول الظهر

وخروج البطن. ويكون المعنى: إن خفض منك خصم، أو طأطأ من إشرافك عدو، وحملك من الثقل ما يبزى له ظهرك، فلا تطيق الثبات تحته، والنهوض به.

وقوله (أحارب من حاربت) هو تفسير دوام عهده وثبات وده. والمعنى تجدني ذاباً نك واقعاً معك، أرصد الشر لأعدائك، وأدافعهم دونك، وإن أصابك غرم حبست مالي عليك، واحتملت فيه الثقل عنك. وكان الواجب أن يقول: فأعقل عنك، لأنه يقال عقلته إذا أعطيت دبته، وعقلت عنه إذا غرمت ما لزمه في ديته. وقال الخليل: الغرم لزوم نائبة في مال من غير جناية. والمال إذا أطلق يراد به الأبل. ويجوز أن يكون معنى فأعقل: أشدها بعقلها بفنائك، لندفعا في غرامتك.

كأنك تشفى منك داء مساءتيوسخطى وما في ريثي ما تعجل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

قوله (مساءتي) يريد مساءتك إلى، وكذلك (سخطى) يريد سخطك علي، فأضافهما إلى المفعول. ويقال: مساءة ومسائية. والسخط والسخط لغتان، ومثله السقم والسقم، والعدم العدم، وهو نقيض الرضا. ويقال: سخطته وتسخطته، إذا لم ترض به، وإن كان في التفعل فضل تكلف. ومعنى البيت أنك تستمر في إساءتك إلى وسخطك علي، حتى كأن بك داء ذاك شفاؤه، وما تطلبه من عجلتي لا تجده في بطئي، أي ما تقدره يتعجل لك من المكاشفة بيني وبينك، واستثارة الحقد الكامن فيك، لا يحصل لك مني متباطئاً أيضاً. والمعنى أني أصابرك وأتركك على مداجاتك.

وإن سؤنني يوماً صفحت إلى غدليعقب يوماً منك آخر مقبل
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتنييمينك فانظر أي كف تبدل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

قوله (وإن سؤنني يوماً) يقال: سوؤت فلاناً، وسؤت له وجهه مساءة ومسائية. والمعنى: أني لا أؤاخذك بما يظهر من مساءتك، بل أقابله بصفح جميل عنك، انتظاراً لفيئة تظهر منك في مقتبل أمرك، ومراجعة تعفى على قبيحك، فإن لم يتفق منك عقبى حسنة تنسى زلاتك، بل تتابع بين مسببات القطيعة وموجباتها بما تظهره من الجفاء والعقوق فيما يجمعني وإياك، فإنك تقطع أخاً هو في مظاهرتك، وانطواؤ

على مساعدتك، والدخول تحت طاعتك في كل ما يعن ويعرض لك، بمنزلة يدك اليمنى، فانظر من بعد من تعتاض منه، وعلى من تعول إذا صارمته. وانتصب (أي كف) ب (تبدل). وقوله (ليعقب يوماً منك آخر) يجوز أن يكون من قولهم أعقب هذا ذاك، أي صار مكانه، ويكون المعنى: ليصير مكان يوم من أيامك مذموم يوم آخر منها مقبل محمود. وهذا حسن. ويجوز أن يكون أعقب غير متعد، بيعقب، ويكون قوله يوماً منك ظرفاً. والمعنى: ليصير ما يقبل من أمرك يوماً ذا عاقبة محمودة. ويجوز أن يكون من أعقب فلان عزا، أي أبدل، ويكون المعنى: ليعقبنا يوماً منك محموداً أمر آخر مؤتنف. ورأيت من يرويه: (ليعقب يوماً منك آخر) بفتح الياء، ويكون من قولهم عقب فلان فلاناً إذا خلفه، وهما عقيبان، وقد اعتقبا ةتعاقبا. ويكون المعنى: ليخلف يوماً منك يوم آخر مقبل.

وفي الناس إن رئت حبالك واصلوفي الأرض عد دار القلى متحول
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدتهعلى شرف الهجران إن كان يعقل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
ويركب حد السيف من أن تضيمهإذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

قوله (وفي الناس إن رثت حبالك واصل) إظهار للزهد في وداده إذالم يستقم معه. ويقال: رث الثوب يرث رثوثاً ورثاثة. وقال أبو زيد وأبو عبيدة: رث المتاع وأرث جميعاً. وأنشد لعدي:

أرث جديد الوصل من أم معبد

وفي طريقة ما قاله لبيد:

واحب المجامل بالجزيل وصرمهباق إذا ضلعت وزاغ قوامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

وقول أوس:

وإن قال لي ماذا ترى يستشيرنييجدنب ابن عم مخلط الأمر مزيلا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «صحا قلبه عن سُكره فتأملا»

فيقول: إذا رغبت عن مواصلتي، وتقطعت حبال الود بيني وبينك ففي الناس واصل غيرك، وإذا نبا بي جوارك، وضاق عني أرضك وديارك ففي جوانب الأرض سعة ومزحل عنك، سيما والتحول عن دار البغض والنبو لى عادة أعتادها، وسنة أسيرها ولا أعدل عنها، وأعلم أنك إذا لم تعط أخاك النصفة ولم توفر حقوقه متوخياً المعدلة، ولم يوجب به عليك مثل ما توجبه لنفسك عليه، ألفيته هاجراً لك، مشارفاً قطيعتك، مستبدلاً بك وبمؤاخاتك إن كانت به مسكة، أو يمتلكه عقل ومعرفة، ثم لا يبالي أن يركب من الأمور ما يقطعه تقطيع حد السيف ويؤثر تأثيره فيه، مخافة أن يدخل عليه ضيم، أو يلحقه عار واهتضام، متى لم يجد عن ركوبه مبعداً ومعدلاً. وكما قال هذا (دار القلى) قال غيره:

دار الهوان لمن رآها داره

وقوله (من أن تضيمه) معناه بدلاً من أن تضيمه. ويجوز أن يريد بركوب السيف على الحرب والموت. وشفرة السيف: حده. والشفير: حرف كل شيء، منه.

وكنت إذا ما صاحب رام ظنتيوبدل سوءا بالذي كنت أفعل
قلبت له ظهر المجن فلم أدمعلى ذاك إلا ريث ما أمحول
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكدإليه بوجه آخر الدهر تقبل
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

يقول واذا رأيت صاحبي يتجنى علي ويتجرم، ويتطلب على ما ينتج ظنه ويولد تهممة، وطفق يفبح آثاري، ويبدل حسناتي، اتخذته عدواً، وقلبت له ظهر الترس متقياً منه، ومدفعاً له، ولم أدم على تلك الحال المتقدمة معه إلا قدر ما أتحول، وبطء ما أتثقل. فقوله (رام ظنتي) أي رام ارتفاع التهنة علي. وقوله (بالذي كنت أفعل) أي أفعله، فحذف الضمير استطالةً لصلة الذي.

وقوله (إذا انصرفت نفسي) يريد أني أمد نفسي التصبر ما أمكن، فاذا أعجزتني الحال العارضة عن الاحتمال انصرفت مالكاً عناني، ثم لايثنيني على ما أعرضت (عنه) شيء أبد الدهر. (وقوله بوجه) الباء تعلق بقوله تقبل أي لم تكد تقبل إليه بوجه من الوجوه، وعلى لون من الالوان.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.