من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال شبيب بن البرصاء
وإني لتراك الضغينة قد بداثراها من المولى فما أستثيرها
مخافة أن تجنى علي وإنمايهيج كبيرات الأمور صغيرها
يقول: إني أصابر موالي وأحتمل أذاهم، وأعفى على فرطاتهم ما وجدت سبيلاً إلى الصبر، فأترك ضغائهم تبدو أوائلها، وتظهر مخابلها، ولا أكشف عنها ولا أطلب ثورانها، مخافة أن يستفحل الشر ويرجع الصغير منه كبيراً، وسهله عسيراً؛ فإن أوائل الأمور كلها ضعيفة ضيقة، فإذا اتفق لها من يهيجها ويزيد في موادها قويت واتسعت. والتراك: بناء المبالغة، وهو الكثير الترك للشيء، وليس هو باسم الفاعل من ترك. والضغينة والضغن والضغن واحد، وهي الحقد والعداوة. ويقال: ضغن على واضغن. وقال الخليل: الضغن في الدابة: عسره والتواؤه. ودابة ضغنة، إذا نزعت إلى وطنها. والثرى: الندى، والفعل منه ثرى. والمراد به هاهنا ما يستدل به على كامن الحقد. ويقال: ثار الأرنب من موضعها، واستثرتها أنا. وقوله (مخافة) انتصب على أنه مفعول له، و (أن تجنى) في موضع المفعول منها، وقد أضافها إليه، وقوله (صغيرها) يراد به الكثرة، أي صغائرها.
لعمري لقد أشرفت يوم عنيزةعلى رغبة لو شد نفسي مريرها
تبين أعقاب الأمور إذا مضتوتقبل أشباها عليك صدورها
قوله (على رغبة) أي على مرغوب فيه، كأنه كان ظهر له من الفرص في صاحبه مالو انتهزها ولم يغفل عنها لكان فيها الاشتفاء منه، ودرك المطلوب في بابه، فلما لم يفعل وأصر صاحبه على مساءته أخذ يتحسر. وقوله (لو شد نفسي مريرها) يريد: لو قوى نفسي عزيمها، وحصيف رأيها. والمرير: الممر المحكم. ووصف
الحبل به لذلك. ويقال: استمر مرير فلان، إذا استحكم رأيه واستحصف. وعنيزة: موضع.
وقوله (تبين أعقاب الأمور إذا مضت) مثله قول القطامي:
ولا يعلم الغيب امرؤ قبل ما يرىولا الأمر حتى تستبين دوابره
وأكشف منه قول حميد بن ثور:
أشبه غب الأمر ما دام مقبلاًولكنما تبيانه في التدبر
وأعقاب الأمور: أواخرها. ويروي: (تبين أدبار الأمور إذا انقضت) يراد به تتبين. وانتصب (أشباها) على الحال.
إذا افتخرت سعد بن ذبيان لم تجدسوى ما ابتنينا ما يعد فخورها
ألم تر أنا نور قو وإنمايبين في الظلماء للناس نورها
يقول: مفاخر سعد ومباني مكارمها على ما أسسه قديمنا، وعمره حديثنا، فمتى استعرضت المساعي في منافرة الخصوم لم تجد بنو سعد ما يعتمده فخورها، ويكاثر به خصيمها، إلا ما شيدناه على مر الأيام، وتعاقب الأحوال. فقوله (سوى ما ابتنينا) استثناء مقدم. و (ما) يعد في موضوع مفعول لم تجد.
وقوله (ألم تر) تقرير لمن تصوره مخاطباً فيقول: أما علمت أنا لأهل قو بمنزلة النور للأبصار، فهم بنا يهتدون، وبمعالنا يقتدون، ولمراسمنا يقتفرون، وبسنا رأينا يستضيئون، ولولا ذلك لكانوا يتوقفون في مراشدهم فلا يقضون، ويتحيرون في آرائهم فلا يمضون، كما أن الناس لولا ما يمد به النور أبصارهم في رواكد الظلم حتى يتبينوا المرئيات، ويتميزوا أشباح المدركات على حقائقها، لوقفوا حيارى لا يتقدمون ولا يتأخرون.
ومفعول (يبين) محذوف، والضمير من نورها يعود إلى الظلماء لما كان يتعقبها. وهم يضيفون الشيء إلى الشيء لأدنى تناسب بينهما.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع