من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال رجل من بني قريع
متى ماير الناس الغنى وجارهفقير يقولوا عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتىولكن أحاظ قسمت وجدود
أخرج هذا الكلام مخرج الإنكار لما تعوده الناس في الحكمعلى الأغنياء والفقراء. فيقول: مما يقضى به الناس على الغنى وإلأى جنبه فقير، ان يقولوا: هذا من عجزه أتى، وهذا لجلادته أغنى. وهذا خطأ، لأن الغنى والفقر مما قدر الله تعالى وأجرى به قسمه في خلقه، وليس المعتم فيه على احتيالهم، وسعيهم واجتهادهم، لكنها جدود وحظوظ درجوا عليها، وخلقوا لها، على ماعرف الله تعالى من صالح خلقه.
وجواب (متى ما ير) قوله (يقولوا). وارتفع عاجز على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه: هذان عاجز وجليد.
إذا المرء أعيته المرورءة ناشئاًفمطلبها كهلاً عليه شديد
وكأن رأينا من غنى مذمموصعلوك قوم مات وهو حميد
قوله (إذا المرء أعيته) بعث وتحضيض على النهوض في طلب المعالي في ابتداء النشء، وحين كان في القوة فضلة، وفي العمر مهلة، حتى تتلاقى أوائل عمره وأواخرهفي طلب الرياسة، وإقامة المروءة، وأنه إن دافع بما عليهفي ذلك وماطل انتظاراً لأحوال تجتمع له، فاكتهل ولما تساعده تلك الأحوال فإنه يتعذر عليه طلبها، ويشتد عليه إدراكها. وانتصب (ناشئاً) على الحال، والعامل فيته أعيته. ويقال: فتى ناشىء، أي شاب. قال الخليل: ولا يوصف به الجارية. والناشئة: أول الوقت، من هذا. وينتصب (كهلاً) على الحال أيضاً، والعامل فيه مطلبها، لأن المعنى مطلبه لها وهو كهل، فالمصدر مضاف إلى المفعول، أو مطلبه لها إذا كان كهلاً، ومثله: هذا تمراً أطيب منه بسراً.
وقوله (وكائن رأينا) كائن بمعنى كم. وكأنه أخذ يفضل الفر إذا جرى صاحبه في محمود الطرائق من التجمل، والإكتفاء والتعفف، على الغنى وصاحبه يبطر، ويطفى ويأشر، ثم لا يؤدي حق النعمة عليه، فقال: كم من غنى ساعدته الدنيا والأقدار، ثم أصبح مذمماً حين لم يلتزم شروط محمود الغنى، وكم من فقير قوم لما جرى في ميدان العفاف والتجمل، والرضا بماله والتشكر، مات وهو حميد الطريقة، رضى السريرة. والصعلوك: الفقير. ويقال: صعلكته، أي ذهبت بماله كله.
وقال بعضهم:
وأضحت أمور الناس بغشين عالماًبما يتقى منها وما يعتمد
جدير بإلا أستكين ولا أرىإذا الأمر ولى مدبراً أتبلد
قوله (يغشين عالماً) أي يغشين منى عالماً، لأن العالم هو هو، فحذف منى. والمعنى: إني باشرت الأمور العظيمة، ولا بست الخطوب الجليلة، فصرت بطول تجربتي، واتصال ممارستي، عالماً من أمور الناس إذا وردت أخبارها على بما يتحامى منها ويحذر، وما يتمنى منها فيطلب. فلا جرم أني خليق بألا أضرع عند نوائب الدهر
ولا أخضع، ولا أرى إذا فاتني أمر أتحسر في إثره وقد ولى، وأضرب بلدة إحدى كفى بالأخرى، ثوجعاً وتلهفاً، إذا كنت واثقاً بأن الأمور يملكها التغير، وأن الفائت يتلافى، فلا يدوم شيء على حال إلا ريث ما يتسلط عليه انتقال.
وقال الدريدي: تبلد الرجل، إذا تحير في أمره فأقبل يضرب بلدة نحره بيده. وبلدة النحر: الثغرة وما حواليها. وقال الخليل: التبلد: نقيض التجلد وهو استكانة وخضوع. وبلد الرجل، إذا انكسر في العمل وضعف.
وقال آخر:
وإنك لا تدري إذا جاء سائلأأنت بما تعطيه أم هو أسعد
عسى سائل ذو حاجة إن منعتهمن اليوم سولاً أن يكون له غد
وفي كثرة الأيدي لذي الجهل زاجروللحلم أبقى للرجال وأعود
هذه الأبيات تشبه قول الآخر:
وأكرم كريماً إن أتاك لحاجةلعاقبة إن العضاه تروح
وقوله الأخر:
لا تهين الفقر علك أنتركع يوماً والدهر قد رفعه
وقوله (أأنت بما تعطيه أم هو أسعد) تقديره أأنت أسعد بما تعطيه أم هو. وأم هذه هي المتصلة المعادلة لألف الاستفهام، فانعطف هو به على أنت. وقد يجيء الخبر في مثله مكرراً، كقول الشاعر:
بات يقاسي أمره أمبرمهأعصمه أم السحيل أعصمه
فيكون التكرار فيه على طريق التأكيد. ويجري (بين) هذا المجرى في نحو قولهم: بين زيد وبين عمرو خلاف، ولو لم يكرر بين لكان الوجه. والشاعر يقول:
اذا زارك سائل فتوفر عليه، ولين قولك وجانبك له، فإنك لاتعلم أأنت أسعد بما يناله منك أم هو، واعلم أن المحتاج إليك إن منعته سؤله وطلبته فهو حقيق بأن ينال ما منعته في غده. وقوله (أن يكون له غد) في موضع خبر عسى، والضمير من له يعود إلى السائل، والمعنى: عساه إن منعته سؤله من يوم كان عليه، أن يكون غد ذلك اليوم له، ولهذا قال الله ﷿: وتلك الأيام نداولها بين الناس، فغد يرتفع بيكون، وله في موضع الخبر.
وقوله (وفي كثرة الأيدي لذي الجهل زاجر) يريد استبق إخوانك وذويك، واعلم أن في التكاثر بهم مزجرةً للجاهل، ولتعاون أيديهم مدفعة لأذى المغلب الخامل. ومع ذلك فالحلم أبقى شأناً وأمراً للرجال، وأرد عليهم وأنفع لهم. وهذه الوصاة اشتملت على أمرين: أحدهما اكتساب مودات الإخوان لكي يكونوا إذا احتيج إليهم عوناً. والثاني استعمال الحلم مع الأعداء، والجري معهم على حد لايخرجهم إلى المكاشفة، ولا يحوجهم إلى خرق الهيبة. وقوله (من اليوم سولا) يقال: أعطى فلان سوله، فيهمز ولا يهمز.
وقال آخر:
إياك والأمر الذي إن توسعتمداخله ضاقت عليك المصادر
فما حسن أن يعذر المرء نفسهوليس له من سائر الناس عاذر
انتصب (والأمر) بفعل مضمر. وإياك ناب عن أحذرك، فكأنه قال: أحذرك أن تلابس الأمر الذي إن توسعت موالجه ضاقت عليك مخارجه. والمعنى: تأكل كل ما تلابسه، واعرف أواخره وإن اشتبهت، كما تعرف أوائله وإن تبينت، لأنه يقبح بالمرء أن يكون فيما يقتحمه عند نفسه معذوراً، وعند الناس ملوماً.
وقوله (فما حسن أن يعذر المرء نفسه) في إعراب (أن يعذر) وجوه: أحدها أن يرتفع بالابتداء وخبره متقدم عليه، وهو حسن، لأن ما النافية إذا قدم خبره على اسمه يبطل عمله. ويجوز أن يكون موضعه رفعاً بفعله وفعله حسن، ويرتفع حسن بالابتداء، ويستغنى بفاعله عن خبره، وجاز الابتداء بحسن وإن كان نكرةً لاعتماده على حرف النفي. والمعنى: ما يحسن عذر المرء نفسه فيما يتولاه
وليس له من الناس عاذر. ويجوز أن يرتفع (أن يعذر) بأنه خبر المبتدأ الذي هو حسن، وهذا أضعف الوجوه. ويروى: (إن توسعت موارده ضاقت عليك المصادر) وقوله (من سائر الناس) أي من باقي الناس، وهو من السؤر. ومن موضع الجميع فقد أخطأ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع