تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال العباس بن مرداس (٣)

ترى الرجل النحيف فتزدربهوفي أثوابه أسد مزير
ويعجبك الطرير فتبتليهفيخلف ظنك الرجل الطرير
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»

ينبه بهذا الكلام على أن الرجال ليسوا بجزر يطلب عظمها وسمنها، لأن المرء بأصغريه: قلبه ولسانه. فيقول: ترى الرجل النحيف المهزول الدقيق، فتستحقره لضؤولته، واذا فتشت عنه واستشفقت ما وراء ظاهره وجدته أسداً مزيراً. والمزير هو الجلد الخفيف النافذ في الأمور. ويروى: (يزير) وليس بجيد من طريق المعنى، فكأنه أصله يزئر فنقلت الحركة إلى الزاء وأبدل من الهمزة ياءً، كما يقال المراة والكماة، في المرأة والكمأة. وإنما ضعف من طريق المعنى لأن تشبيهه إياه بالأسد لا فائدة لذكر الزئير معه، إذ لاتدوم حاله على ذلك. ووجهه على ضعفه أن يكون مورد (يزئر) تأكيداً للتشبيه، كما يستعار صفة المشبه به للمشبه وإن كان حصوله لو حصل ذماً فيه، تأكيداً للتشبيه. على ذلك قوله:

أزل إن قيد وإن قاد نصب

والزلل من صفة الذئب. ومثله قول الآخر:

صكاء ذعبلة إذا استدبرتها

والصكك من صفة النعام.

وقوله (فيعجبك الطرير) فالطرير: الشاب الناعم ذو الكدنة. فيقول: ويتفق في الرجال من يعجبك خلقته، فإذا بلوته وامتحنت أخلاقه وجدته لايصدق ظنك فيه، بل يخلف ويخالف في كل ما تعتمد عليه، أو تكله إليه.

فما عظم الرجال لهم بفخرولكن فخرهم كرم وخير
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»
ضعاف الطير أطولها جسوماًولم تطل البزاة ولا الصقور
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»
بغاث الطير أكثرها فراخاًوأم الصقر مقلات نزور
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»

صرح عن الغرض المقصود فيما تقدم فقال: إنما يحمد من المرء كرمه وفضله وكثرة محاسنه وخيره، وكل ذلك يرجع إلى الأخلاق لا إلى الخلق، فلا اعتبار بالعظم، ولا فخر في البسطة إذا حصلت في الجسم خاصةً من دون العلم. ثم أخذ يمثل فقال: ترى الطير ضعافها كالكراكي وطيور الماء أطولهاجسوماً، وأمدها أعناقاً وسوقاً، ثم كرائمها كالبزاة والصقور، وهي تصيد ما وزنه يتضاعف على وزنها. وما طوله وعرضه يتزايد على طولها وعرضها، ثم بغائها وهي صغارها ومصطادها أكثر فراخاً وأوسع نسلاً، وأم الصقر قليلة الفراخ مقلات لايبقى لها أيضاً ما تفرخه. وانتصب (جسوماً) و (فراخاً) على التمييز. والمقلات: مفعال من القلت، وهو الهلاك. والنزور: القليلة الأولاد، من النزر، وهو القليل.

لقد عظم البعير بغير لبفلم يستغن بالعظم البعير
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»
يصرفه الصبي لكل وجهويحبسه على الخسف الجرير
وتضربه الوليدة بالهراويفلا غير لديه ولا نكير
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»

لما ضرب المثل بذوات الأجنحة والماشية على رجلين، عاد يذكر من ذوات الربع مثل ذلك فقال: ترى البعير مع عظمه وقوته، وصبره على النهوض بالأعباء الثقيلة، والأحمال العظيمة، لما لم يصحب عظمه اللب، وقوته التمييز، لم يستغن بما أعطي من ذلك، بل تراه مسخراً لأن يديره الصبي على وجه من وجوه التذ ليل، ةيحبسه زمامه على كل خسف وهضم، حتى أن الوليدة تضربه أوجع الضرب، فلا إنكار منه ولا ذهاب عنه، ولاتغيير إليه ولا نكير لديه.

وقوله (الهراوي) جمع هراوة، ووزنه فعائل هرائي، لأن فعيلة وفعالة يشتركان في هذا البناء من التكسير، تقول: صحيفة وصحائف، ورسالة ورسائل، إلا أنهم فروا من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة، فصار هراءا، فاجتمع همزة وألفان فكأنه قد اجتمع ثلاث ألفات أو ثلاث همزات، فأبدلوا من الهمزة واواً فصار هراوى. فإن قيل: هلا أبدلت منه الياء، كما فعلته في مطايا وما أشبهها؟ قلت: أرادوا أن يظهر في الواو كما ظهر في الواحد ليتميز بنات الياء عن بنات الواو.

فإن أك في شراركم قليلاًفإني في خياركم كثير
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»

يقول: إن كثرني شراركم وأراذلكم، لوفور عددهم وكوني واحداً فيهم، فإني أكثر خياركم وأغلبهم لقلتهم وكثرتي، وذلك أني أنوب عن جماعة إذا عد الأخابر. ويجوز أن يريد أنه لاخيار لكم، فأنا وإن كنت واحداً من حيث العدد، كثير إذا طلب الخيار منكم، إذ لم يكن لكم خيار. وقد مضى القول في غير موضع في حذف النون من لم أك وإن أك.

وقال بعضهم:

أعاذل ماعمري وهل لي وقد أتتلداتي على خمس وستين من عمري
رأيت أخا الدنيا وإن كان خافضاًأخاً سفر يسرى به وهو لايدري
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
مقيمين في دار نروح ونغتديبلا أهبة الثاوي المقيم ولا السفر

وقوله (ما عمري) استفهام على طريق التحقير والاستقلال، فكأنه العاذلة كانت عتبت عليه في تبذير وإنفاق، وخوفته العواقب وما تؤدى إليه باتفاق، فأخذ يجيبها ويقول: يا عاذلة، أي شيء عمري، وكيف يدوم بقائي حتى أخوف بالفقر، وهل لي عمر وأقراني يعدون خمساً وستين سنة. ثم أخذ يذم الحريص على الدنيا وأعراضها، ويقص ما تستوي فيه أقدام الخلائق من إرصاد الفناء لها فقال: رأيت صاحب الدنيا وإن كان متودعاً مقيماً، كامسافر يسار به وهو لا يعلم؛ وذلك لأن له أجلاً يساق إليه، ومنتهى من العمر يحال عليه، فالأيام تأخذ منه، وتنقص من عمره، فهو كالمسافر وقد انتوى نيةً فما يقطعه من المسافة يقربه من مقصده، ويعجل وصوله إلى أمده.

وقوله (مقيمين في دار) انتصب على الحال من قوله (أخا الدنيا)، لأنه أراد به الكثرة، فهو كأسماء الأجناس. وقال: (نروح ونغتدي) لأنه من إخوان الدنيا، فادخل

نفسه فيهم. وقوله (بلا أهبة الثاوي المقيم ولاالسفر) يريد: لانأمل البقاء في هذه الدنيا، ولا نأمن الفناء، فلسنا كالثاوي فنتأهب أهبته، ولا كالمسافر فنعد عدته. واراد بالثاوي المقيم الكثرة لا الواحد. وقد تقدم القول في حقيقة العمر.

وقال بعضهم:

لاتعترض في الأمر تكفى شؤونهولاتنصحن إلا لمن هو قابله
ولاتخذل المولى إذا ما ملمهألمت ونازل في الوغى من ينازله

يوصى مخاطبه بأن يعرض عن الأمر الذي لايعنيه، ويترك الاعتراض فيه، والا يتنصح إلا لمن يرجو قبول النصح منه، وبألا يخذل ابن عمه إذا نزلت به نازلة، بل من ينازله، ويناوىء من يناوئه. وهذا على طريقتهم في قولهم: (انص أخاك ظالماً أو مظلوماً). وأصل الوغى هو الجلبة والصوت. وقوله (في الأمر تكفى شؤونه) يريد تكفى أسبابه وجوانبه. والضمير من (قابله) لما دل عليه قوله لاتنصحن، وهو النصح.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.