من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال منظور بن سحيم
ولست بهاج في القرى أهل منزلعلى زادهم أبكى وأبكى البواكيا
فإما كرام موسرون أتيتهمفحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
وإما كرام معسرون عذرتهموإما لئام فادكرت حيائيا
يصف نفسه بالتعفف عن المطامع الدنية، والمطامع الذميمة، فيقول: لاأهجو بسبب القرى، وهو ما يقدم إلى الضيف، ولا أشكو أهل دار فأبكي على ما يفوتني من زادهم وأبكي غيري معي. وقوله (أبكي وأبكي البواكيا) لا بكاء ثم، وإنما أراد
تفظيع التأسف. فيريد: لا آسف لما أرى من الحرمان أسف من يبكي ويبكي غيره تهالكاً على مال غيره، وتوجعاً لشدة نهمته.
وقوله (فإما كرام) فصل بين حرف الجزاء والفعل بقوله كرام، فارتفع بفعل مضمر دل عليه الفعل الذي بعده. كأنه قال: فإما يقصد كرام موسرون أتيتهم. وقوله (فحسبي) في موضع الابتداء، و (ما كفاني) في موضع الخبر، والفاء ما بعده جواب الشرط. وقوله (من ذي عندهم) أراد من عندهم. والعرب تقول: هذا ذو زيد، يريدون: هذا زيد. وهذا من إضافة المسمى إلى الاسم. قال الكميت:
إليكم ذوي آل النبي تطلعت
يريد أصحاب ذا الاسم. وقال الأ عشى:
فكذبوها بما قالت فصبحهمذو آل حسان يزجى الموت والشرعا
أي العسكر الذي يقال له آل حسان.
ويروى: (من ذو عندهم) ويكون ذو بمعنى الذي، وعندهم في صلته، وذو هذه طائية. والمعنى: لايخلو من أقصده وأنزل به من وجوه: إما أن يكونوا قوماً يرجعون إلى كرم ويسار، فيتوفرون على حسب ما يقتضيه كرمهم وأكتفى من الذي عندهم لي بما يكفيني، وإما أن يكونوا كراسسماً مضيقين أثر الدهر فيهم، فأعذرهم لإضاقتهم، وعلمي بحالهم. فقوله (وإما كرام معسرون) بيانه: وإما قصد كرام مضيقون عذرتهم في تقصيرهم، وإما أن يكونوا قوماً لئاماً في أخلاقهم دناءة، وفي أعراقهم نذالة، فتذكرت حيائي وصيانتي لنفسي، فلم أبذل لهم وجهي، ولم أبتذل بتقاضيهم ومطالبتهم جاهي.
وعرضي أبقى ما ادخرت ذخيرةًوبطني أطويه كطي ردائيا
قوله (أبقى ما ادخرت) ما في موضع الجر، كأنه قال: عرضي أبقى شيء أدخره ذخيرة، أي اكتسبه ذخيرة. فعلى هذا ينتصب (ذخيرة) على الحال المؤكدة لما
قبله. وادخر: افتعل من الذخر لكنه ابدل من التاء دالاً فأدغم الدال فيه، فلك أن تقول ادخر ولك أن تقول اذخر.
وهذا الكلام بيان ما يأخذ به نفسه من الصيانة والقناعة، وسلوك طرائق الانقباض عما يشين ولايزين من الانبساط إلى اللئام. فكأنه قال: أبقي على عرضي، لأنه أعز الذخائر لي، وأطوي بطني عن المآكل المردية كما أطوي ردائي، إذ كان التزهد قيما يخزي أولي عندي.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع