من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال سالم بن وابصة (٣)
ونيرب من موالي السوء ذي حسديقتات لحمي وما يشفيه من قرم
داويت صدراً طويلاً غمره حقداًمنه وقلمت أظفاراً بلا جلم
النيرب: النميمة والعداوة وقوله (ونيرب) أراد وذي نيرب، والمصدر وما يجري مجراه إذا وصف به إما أن يكون على حذف المضاف، وإما أن يجعل الموصوف نفس الحدث لكثرة وقوعه منه. فيقول رب ذي نيرب حسود من موالي السوء، يغتابني بظهر الغيب، ويأكل لحمي ولا يشفيه ذلك من قرم. والقرم: شهوة اللحم. والمعنى أنه لايكفيه ما يتناول مني وإن كان لا يألو جهداً في ثلبي. وجواب رب قوله (داويت) من البيت الثاني. ويقتات: يفتعل من القوت، وهو فعل المطاوعة. ويقال: قاته كذا فاقتاته.
ومعنى (داويت صدراً طويلاً غمره) أي صابرته على مداجاته وانطوائه على حقدي، فدفعت شره عن نفسي بطول مداواتي، وفللت حده بترك مكاشفته حتى لم يجد إلى إثارة كامن غمره طريقاً، فاحتاج إلى الإمساك عن أذاتي، لدوام تمسكي بمجاملته شاء أو أبى. وقوله حقداً هو اسم الفاعل من حقد، وهولغة في حقد. يقال حقد يحقد فهو حقود، وحقد يحقد فهو حقد.
بالحزم والخير أسديه وألحمهتقوى الإله وما لم يرع من رحمي
فأصبحت قوسه دوني موترةًيرمي عدوى جهاراً غير مكتم
الباء من قوله (بالحزم) تعلق بقلمت او داويت من البيت المتقدم. والخير: الكرم، وقيل: هو الهيئة والطبيعة، يقال: هو كريم الخيم والخير جميعاً وقوله
(أسديه وألحمه) خبران لف أحدهما بالآخر. فقوله (تقوى الإله) يرجع إلى أسديه، و (ما لم يرع من رحمي) رجع إلى ألحمه. والمعنى: داويت صدره أي مكنون صدره، وقلمت ظفره باستعمال الحزم والخير معه، ثم جعلت تقوى الله تعالى سدى ما بيني وبينه، وألحمته رعاية ما ضيعه من الرحم، فلا جرم أنه كف من شأو شره وغرب عداوته، وأقبل في الظاهر يعادي من يعاديني، فقوسه الآن موترة دوني يرمي منها أعدائي بأسهم النصرة. مجاهرةً لا مكاتمةً.
إن من الحلم ذلاً أنت عارفهوالحلم عن قدرة فضل من الكرم
نبه بهذا الكلام على أن تحلمه عن أدانيه كان عن قدرة لا عن عجز ونقيصة، ولو شاء لانتقم منهم. وأنه لم يكسبه إمساكه عن مجاذبتهم ذلاً، ولو كان يفضي به الحال إلى ذلك لما فعل، فتحلمه كرم، وإبقاؤه على ما يجمعه وإياهم من قربي وقرابة تقي وتفضل. وقوله (فضل من الكرم) يريد أنه نوع من الفضل يعد في خصال الكرم. ومثل هذا قول الآخر:
جهول إذا أزرى التحلم بالفتىحليم إذا أزرى بذي الحسب الجهل
وقال بعضهم:
وأعرض عن مطاعم قد أراهافأتركها وفي بطني انطواء
فلا وأبيك ما في العيش خيرولا الدنيا إذا ذهب الحياء
يماثل هذا قول الآخر:
ولقد أبيت على الطوى وأظلهحتى أنال به كريم المطعم
قوله (وأظلله) يريد أظل عليه، فحذف حرف الجر، كما قال:
لولا الأسى لقضاني
أي لقضى علي.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع