من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال يزيد بن الحكم (٢)
يا بدر والأمثال يضربها لذي اللب الحكيم
دم للخليل بودهما خير ود لا يدوم
قوله (والأمثال يضربها) اعتراض دخل بين قوله (يا بدر) وبين دم للخليل من البيت الثاني، ونبه بهذا الاعتراض على أن وصيته وصية حكيم، وأن اللبيب العاقل يأخذ بها ويتأدب.
ومعنى قوله (دم للخليل بوده) أي بودك له، فأضافه إلى المفعول، والمصدر كما يضاف إلى الفاعل يضاف إلى المفعول. وقوله (ما خير ود) استفهام على طريق الاستثباب والقصد إلى النفي والمعنى: أن الوداد إذا لم يصف ولم يدم فلا خير فيه. وقوله (لايدوم) صفة لود. تلخيصه: أي شيء خير ود غير دائم.
واعرف لجارك حقهوالحق يعرفه الكريم
واعلم بأن الضيف يوماً سوف يحمد أو يلوم
والناس مبتنيان محمود البناية أو ذميم
يقول: ارعف حق الجوار لمجاورك، فإن الكريم هو الذي يعرف حق مثله. وقوله (والحق يعرفه) الواو واو الحال، وهو واو الابتداء. فإذا رويته بالواو يكون حالاً لقوله حقه، كأنه قال: اعرف حقه معروفاً للكرام، وهو معروف للكرام.
وقوله (واعلم بأن الضيف) يقال علمت كذا، وبكذا. وهذه الوصاة بالضيف قد عللها بقوله (سوف يحمد أو يلوم). والمعنى: أحسن إليه وتفقده، عالماً بأن نزوله بك يجلب حمداً إن أحسنت إليه، أو لوماً إن أسأت إليه أو قصرت في حقه.
وقوله (محمود البناية) أتى بالبناية غير مبنى على مذكر حصل من قبل، ثم ادخل تاء التانيث عليه، فهو كالثناية اسم الحبل، والشقاوة والرعاية والغباوة. ولو كان مبنياً على مذكر لكان (البناءة) لأن الواو والياء إذا كانا حرفي إعراب بعد ألف زائدة تبدل منهما الهمزة. على ذلك: الرعاء والكساء والرداء والباب كله.
ومعنى البيت: ان افعال عقلاء الناس لاتخلو من أن تكون مما يستحق به حمد او ذم، فهم يبنون مبانيهم، ويؤسسون مكاسبهم على أحد هذين الركنين، وذلك لأن الأفعال تابعة للأغراض، وغرض العاقل إليهما ينقسم، فانظر ماذا تجلب على نفسك بما من فعلك، وتدخره من كسبك.
وارتفع (محمود) على أنه بدل من (مبتنيان)، أو خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هما محمود البنية أو ذميم.
واعلم بني فإنهبالعلم ينتفع العليم
أءن الأمور دقيقهامما يهيج له العظيم
والتبل مثل الدين تقضاه وقد يلوى الغريم
والبغي يصرع أهلهوالظلم مرتعه وخيم
قوله (بني) إن ضممته فهو منادى مفرد، وإن كسرته فهو منادى مضاف وقد حذف ياء الإضافة. وإذا كان ياء الإضافة في المنادى يحذف في نحو يا غلام لأن الكسرة تدل عليه، وهو واقع موقع ما يحذف في هذا الباب وهو التنوين وباب النداء باب حذف، لكثرة الاستعمال، فهو في بني أولى بالحذف، لاجتماع الياءات
والكسرات. في آخرهاوقوله (فإنه بالعلم يتنفع العليم) الهاء ضمير الأمر والشأن، والجملة اعتراض بين اعلم ومفعوليه. والمراد باستعمال العلم، وذاك أن من علم طرق الرشاد ثم لم يسلكها كان معرفته بها وبالاً عليه.
وقوله (إن الأمور) مفعول واعلم، ودقيقها مبتدأ وما بعده خبره، والجملة خبر إن. ولك أن تكسره فتقول (إن) عل الاستئناف، ويكون واعلم معلقاً والمعنى: أن الشر يبدؤه أصغره، كما أن السيل أوله مطر ضعيف. وهذا الكلام بعث على النظر في ابتداءات الأمور وتصور عواقبها.
وقوله (والتبل مثل الدين)، التبل: الذخل، ومعنى يلوي يمطل، ومصدره اللي والليان. وفي الحديث: (لي الواجد يحل عقوبته). وقد روى (يلوى) و (يلوى) فإذا رويت يلوى بالكسر، فمعناه يذهب بالحق، يقال: الوى بالشيء إذا ذهب به، و (يلوى) هو بناء ما لم يسم فاعله، لوى إذا مطل. والغريم: اسم لمن له الدين، وللذي عليه الدين. وأصل الغرامة اللزوم، ولكون كل واحد منهما ملازماً لصاحبه إلى أن ينقضي ما بينهما أجرى الاسم عليهما. والمعنى أن الوتر والذحل كالدين على الواتر، فهو بعرض المطالبة به كالغريم ثم، قد يقضي وقد يمطل، فلا تكتسبه، لأن العداوات وخيمة الأواخر، سيئة المبادىء.
وقوله (والبغي يصرع أهله) يقول: وإذا كان لك خصم في شيء فلا تستهن به، ولا تستعمل البغي معه، فإن من بغى عليه بعرض النصرة، والباغي بعرض التلف والهلكة، ولاتظلم فإن الظلم ذميم المرتع وبيله، وفظيع المسمع قبيحه. ويقال: ظلمته ظلماً بفتح الظاء وهو المصدر، وظلما بضم الظاء وهو الاسم.
ولقد يكون لك الغريب أخاً ويقطعك الحميم
والمرء يكرم للغنىويهان للعدم العديم
قد يقتر الحول التقي ويكثر الحمق الأثيم
يملى لذاك ويبتليهذا فأيهما المضيم
قوله (ولقد يكون) معناه أن لوفاء قد يكون في الغريب إذا آخيته، والخيانة تتفق من القريب إذا صافيته، فانظر لنفسك إذا اخترت، ولا تعتمد القربى
والقرابة، فإن المواخاة مبنية على الأصول الزكية، والنفوس الوفية، لا على الأنسا والأسباب.
وقوله (والمرء يكرم) يقول: ادخر المال واسع في جمعه، وإياك واستعمال التبذير فيه، فإن اليسير منه مع حسن التدبير يتصل بقاؤه، وكرامة المرء متسببة عن غناه، كما أن هوانه في قران فقره. وقوله (والمرء) ارتفع بالابتداء، وخبره يكرم، وقد عطف على هذه الجملة جملة مخلفة لها من التقارب لما صلح ذلك. ومثله قول الآخر:
أموف بأدراع ابن ظبية أم تذم
على العكس من هذا قول الله تعالى: سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون، لأن هذا عطف فيه على المبتدأ والخبر على الفعل والفاعل.
وقوله (قد يقتر الحول) فالحول: الكثير الحيلة. وصحح بناؤه ولم يقل إخراجاً له على أصله، وتنبيهاً أن ما علل من نظائره كان حكمه أن يجيء على هذا. ومما جاء على القياس من نظائره: رجل مال وصات وما أشبههما. وكذلك هذا كان يجب أن يقال حال. والمعنى أن الكثير الحيل، الخراج الولاج، وهو سديد في طرائقه، قد يفتقر فيكون مقلاً، وأن المائق الناقص في عقله، المكتسب بجهله، المرتكب للأوزار بحرصه، قد يستغنى هو فيكون مكثراً، إذ كانت القسم والحظوظ لا تقف علي كيس المرء وخرقه، ولا على تقاه وفسقه.
وقوله (يملى لذاك) أشار بذاك إلى الحمق الأثيم، وبهذا إلى الحول التقى. وقد طابق بذاك وهذا فيقول: أملي لذاك الجاهل وأرخى له الحبل فنال ما نال، وابتلى هذا الحول التقي حتى شقى وحرم، فأيهما المظلوم. والمعنى أن ذلك من قسمة من عرف مصالح خلقه، وعلم ما يتأدى إليه حال كل واحد منهم، فاختار الأحكم في التدبير، والأصلح للصغير والكبير.
والمرء يبخل في الحقوق وللكلالةما يسيم
ما بخل من هو للمنون وريبها غرض رجيم
ويرى القرون أمامههمدوا كما همد الهشيم
يقول: ترى الرجل يسوف بما يلزمه من أداء الحقوق، فيبخل بإخراجه وأدائه، فيموت عما يجمعه ويبخل به، ويتركه للكلالة. والكلالة هم الوارث وقد خلوا من الوالد والولد. وأصله من تكلله النسب، إذا أحاط به. وقيل هو من الكلال: الإعياء؛ كأن بعد النسب أكله. وقوله (مايسيم) يجوز أن يكون مصدراً، كأنه قال: فإسامته لماله للغيرلا لنفسه. ويجوز أن يكون ما بمعنى الذي، وقد حذف الضمير العائد إليه من يسيم، كأنه قال: وللورثة ما له الذي يسيمه. والإسامة: إخراج المال إلى المرعى. ويقال أسمت البعير فسام. ومنه السائمة للمال: الراعية.
وقوله (ما بخل من هو) استفهام على طريق الإنكار. فيقول: ما يغنى بخل من هو للحوادث كالغرض المنصوب للرمي، فإذا علم من نفسه أنه غير مخلد، بل هو منقول من دار الفناء إلى دار البقاء، فلماذا يمسك ولا ينفق، ويجمع ولا يفرق. هذا وقد رأى الأمم الخالية قبله ماتوا وفنوا فعادوا رميماً، كما يهمد النبات فيصير بعد نضارته دريبنا هشيماً، وهو اليابس المتشهم الأسود لطول القدم. والمنون يكون اسماً للدهر فيذكر، ويراد به المنية فيؤنث. وهو من المن: القطع. فلك أن تروى: (وريبه) (وريبها) جميعاً. ومعنى (وريبها) نزولها، قال أبو عبيدة: راب عليه الدهر، أي نزل. وقد يراد بريب الزمان أحدائه وصروفه الرائبة.
وتخرب الدنيا فلابؤس يدوم ولانعيم
كل امرىء ستئيم منهـ العرس أو منخها يئيم
ما علم ذي ولد أيثكله أم الولد اليتيم
يقول: وإذا كانت الدنيا مبنيةً للفناء لا للبقاء، والخراب لا للعمارة، وكذلك أعراضها مخلوقة للزوال لا للدوام، وقرب الأمد في الاستمتاع بالمعار لا الإملاء، فلماذا يفرح الإنسان بما ينال، ويجزع لما يفوت، وكل بائد غير ثابت، ومستلب غير موفر.
وقوله (كل امرىء)، يقول: إن الأليفين فيها لابد من فقدان أحدهما للآخر، والبعل يموت فتبقى العرس منه أيماً، لتقدم موته، والعرس تموت فيبقى هو منها أيماً
لتقدمها. ويقال: رجل أيم وامرأة أيم. وقد آمت تئيم أيمةً. وكذلك ذو الولد لايدري أيموت فيتيم الولد، أم يهلك الولد فيثكل الوالد، فإن سكان الدنيا موعودون آجال منتظرة، مدعوون لأحوال مؤخرة.
وقوله (ما علم ذي ولد) استفهام معناه النفي، والمراد: لايعلم الوالد ما يكون منه ومن ولده في الإمهال والاستعجال، أي لايدري أي الأمرين يقع. وقد عطف قوله (أم الولد اليتيم) وهو جملة من ابتداء وخبر على (أيثكله) وهو فعل وفاعل. وجاز ذلك لما قدمته.
والحرب صاحبها الصليب على تلاتلها العزوم
من لايمل ضراسهاولدي الحقيقة لايخيم
واعلم بأن الحرب لايسطيعها المرح السؤوم
والخيل أجودها المناهب عند كبتها الأزوم
الصليب: الصلب ذو الصلابة. والتلاتل: الشدائد، ويقال: تلتله، إذا حركه، يقول: وصاحب الحرب هو الصبور على شدائدها، القوى العزم في مصارفها، الحامي الشكة على نوائبها، فلا يمل عضاضها، ولايخيم عند حقائقها. ومعنى يخيم: يجبن.
وقوله (من لايمل ضراسها) في موضع الرفع على أن يكون بدلاً من قوله الصليب. والضرس: العض، وأصله إصابة الشيء بضرسه.
ثم قال: واعلم أن الحرب لايطيقها الملول النزق، العجول الطرف، لأن مبانيها على الصبر والثبات، والتدبير السديد، والحذر الشديد، واستعمال الإقدام في وقته، والإحجام لدى موجبه. وقوله (لايسطيعها) يريد لايستطيعها. والماضي منه اسطاع يستطيع بكسر الهمزة، وأصله استطاع، وقوله (والخيل أجودها) يريد: خير الخيل ما ينتهب الأرض انتهاباً في سعيه. وقال الخليل: المناهبة: المباراة في الجري والحضر. ومعنى (عند كبتها) أي حملتها. وسئل رجل: كيف طعنت قتيلك؟ قال: (طعنته في الكبة، طعنةً في السبة فأنفدتها من اللبة). وكل ما جمعته فقد كببته ومن كبة الغزل.
والأزم: العض، وكنى به عن الاحتماء فقيل: (نعم الدواء الزم)، فكأنه أراد بالأزم هنا الصبر والثبات.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع