تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال محمد بن أبي شحاذ

إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجدبفضل الغنى ألفيت مالك حامد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «ألا أخلفت سوداء منك المواعد»
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض مابريب من الأدنى رماك الأباعد

قوله (إذا أنت) جوابه ألقيت، وهو الفعل الواقع فيه، لأن إذا بتضمنه للجزاء يطلب جواباً ويكون ظرفاً له، فيقول: إذا نلت اليسار والغني، ومكنت من أطماع الدنيا فملكتها، ثم لم تتسخ بما يفضل من وجدك، وجدت لا يثنى عليك حامد، ولا يحفظ غيبك ذائد، وفي الثناء الباقي على الدهر خلف من نفاذ العمر، فإن لم تكتسبه بما تناله لحقك الذم ممن ألحاظهم سهام، وألفاظهم سمام. وقوله (إذا أنت لم تعرك) جوابه رماك الأباعد. وكما بعث في البيت الأول على الإفضال وذم الإمساك مع القدرة، بعث في هذا البيت على مصابرة العشيرة واستبقائهم، وترك مؤاخذتهم بما يتفق من هفواتهم، وتدقيق محاسبتهم علي بدوائهم وزلاتهم. فقال: لا يؤمنك إقبال الدنيا عليك إدبارها عنك، ولا دولة لك من إدالة منك. وأعلم أنك إذا لم تعف عما يريبك من أدانيك، ولم تحتمله في عفوك وحلمك، اجترأ عليك الأباعد فرموك بما لا صبر لك عليه من أذاهم ومكروههم. ويقال: عركت كذا بجنبي، أي احتملته وجعلته مني بظهر. والعرك والدلك بمعنى واحد. وقال: (بعض ما يريب من الأدنى)، إشارة إلى ما يكون فيه على الحلم محمل. لأنه ليس كل ما يريب يعد التجافي عنه حسناً.

إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزلعليك يروق جمة ورواعد
إذ العزم لم يفرج لك الشك لم تزلجنيباً كما استتلى الجنيبة قائد

قوله (إذا الحلم) جوابه لم تزل، فيقول: تحلم في كثير مما يعروك ويطرقك، وانظر أن تكون لك الغلبة على جهلك، والتملك لاحتدادك وصولك، فإنك إن لم تستعمل الأناة في مقارضاتك، وتسرعت إلى المكافأة على ما يظهر لك، ولم تضن بمن بلوته فعرفت مذاهبه، وخبرت خلائفه وصار مستمد رأيك ومشتكي حزنك لم تنتفع بغيره، واجتمعت عليك البروق والرواعد ممن تعده لك وعليك. وهذا مثل لأنواع الأذى والمكروه، والتوعد بضروب القول، وفنون الفعل.

وقوله (إذا العزم لم يفرج) جوابه لم تزل جنيباً. والمعنى: أنظر لنفسك فيما تشرف عليه طالباً للحزم ثم اعزم، ودع التشكك والتلوم فيما يريك رأيك وإلا بقيت تابعاً لغيرك، متوقفاً فيما يمسك، كما يستتبع قائد الخيل مجنوباً له. وهذا بعث على اقتحام الأمور، واستعمال الإستبداد فيها بعد النظر والتحزم في الظاهر، وترك التعرج على قول مانع، أو دفع مزاحم، أو مذكر بعاقبة. كما وصى في البيت الذي قبله بالرفق في الأمور التي تكسب العداوات، واستعمال الصبر فيما يجلب الضغائن ويهيج التراث.

وقل غناء عنك مال جمعتهإذا كان ميراثاً وواراك لأحد
تجللت عاراً لا يزال يشبهسباب الرجال نثرهم والقصائد

المراد بذكر القلة هاهنا النفي، لا إثبات شيء قليل. وانتصب (غناء) على الحال، أي مغنياً عنك. فيقول: لا يعني عنك مال تجمعه إذا ذهبت عنه وتركته لورثتك، فإن ما تملكه هو ماتنفقه أيام حياتك، وتصرفه فيما يدخر لك أجراً، أو يكسب لك حمداً، فأما إذا سترك من يلحد قبرك، فما تتركه لغيرك لا حظ لك فيه ولا نصيب، بل تكتسي عاراً منه لا يزال يوقد ناره، ويرفع في المحافل ذكره سباب الرجال، من النثر تارة، ومن النظم أخرى، لأن الباخل مذموم بكل لسان حياً وميتاً، وفي كل زمان موجوداً ومفقوداً، ثم تراه كالجاني على كل من يعرفه، فهم يذمونه بظهر الغيب، ويقذعونه في الحضور، فلا يزال مسبوباً، مأكول اللحم مدحوراً.

وقال:

ويلم لذات الشباب معيشةمع الكثر يعطاء الفتى المتلف الندى
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ويلم لذات الشباب معيشة»
وقد يعقل القل الفتى دون همهوقد كان لولا القل طلاع أنجد
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ويلم لذات الشباب معيشة»

لفظه (ويل) إذا أضيفت بغير اللام فالوجه فيها النصب، تقول: ويل زيد، والمعنى ألزم الله زيداً ويلاً، فإذا أضيفت باللام فقيل: ويل لزيد، فحكمه أن يرفع

فيصير مع ما بعده جملة، ابتدىء بها وهي نكرة لأن معنى الدعاء منه مفهوم. والمعنى: الويل ثابت لزيد. كأنه عدد محصلاً له، كما يقال: رحيم الله زيداً! فيجعل اللفظ خبراً. وإذا كان حكم ويل هذا وقد ارتفع في قوله (ويلم لذات الشباب) فمن الظاهر أن أصله ويل لأم لذات الشباب، فحذف من أم الهمزة، واللام من ويل، وقد أبقى حركة الهمزة على اللام الجارة، فصار ويلم. وقيل: ويلم، كما قيل: الحمد لله والحمد لله إتباعاً إحدى الحركتين الأخرى، وقصده إلى مدح الشباب وحمد لذاته بين لذات المعاش وقد طع لصاحبه الكثر، وهو كثرة المال، فاجتمع الغنى والشباب له وهو سخي مبذر فيما يكسبه ذكراً جميلاً، وصيتاً عالياً. ثم قال: وقد يحبس قلة المال صاحبه دون ما يهتم له أو يهتم به. وقد كان لولا إضافته وقلة المال صاحبه دون ما يهتم له أو يهتم به. وقد كان لوللا إضافته وقلة ذات يده طلاباً للترقي في درجات الفضل والإفضال، طلاعاً على عوالي الرتب في النهايات. وانتصب (معيشة) على التمييز.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.