تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال الصمة بن عبد الله القشيري

حننت إلى ريا ونفسك باعدتمزارك من ريا وشعبا كما معا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»
فما حسن أن تأتي الأمر طائعاًوتجزع أن داعي الصببابة أسمعا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»

الحنين: تألم من الشوق وتشك. وريا؛ اسم امرأة. فإن قيل: هلا قيل روى، لأن فعلى إذا جاء اسماً من بنات الياء يقلب ياؤه واواً، على هذا الفتوى والشروى والتقوى والبقوى؟ قلت: إنه سمي به منقولاً عن الصفة، وفعلى صفة يصح فيه الياء، على هذا قولهم: خزيا وصديا وريا كأنه تأنيث ريان في الأصل، كما يقال عطشان وعطشى، ثم نقل من باب الصفات إلى بابالتسمية بها فترك على بنائه. وقوله (ونفسك باعدت) الواو واو الحال، وهي للابتداء، ومعنى باعدت بعدت، وهو كمل يقال ضاعفت وضعفت. وفي القرآن: باعد بين أسفارنا، والمزار: اسم مكان الزيارة. والشعب. شعب الحي، يقال: التأم شعبهم، أي اجتمعوا بعد تفرق، وشت شعبهم، إذا افترقوا بعد تجمع. وقوله (وشعبا كما معا) الواو واو الحال أيضاً، والعامل في (ونفسك باعدت) حننت، وفي قوله: (وشعبا كما) باعدت. ومعنى قوله: (معا) مجتمعان ومصطحيان، وموضعه خبر المبتدأ.

وقوله (فما حسن أن تأتي الأمر طائعاً) في حسن وجوه: يجوز أن يكون مبتدأ، وجاز الابتداء به وهو نكرة لاعتماده على حرف النفي، و (أن تأتى) في موضع الفاعل لحسن، واستغنى بفاعله عن خبره، والتقدير: ما يحسن إتيانك الأمر طائعاً. وانتصب طائعاً على الحال من أن تأتي. ويجوز أن يرتفع حسن على أنه خبر مقدم، وأن تأتي في موضع المبتدأ. ويجوز أن يرتفع حسن بالابتداء وأن تأتي في موضع الخبر، وهذا أضعف الوجوه لكون المبتدأ نكرةً والخبر معرفة. وقوله (وتجزع أن داعي الصبابة) أن مخففة من أن الثقيلة، والمراد: وتجزع من أن داعي الصبابة أسمعك صوته ودعاك. ومعنى البيتين: شكوت شوقك إلى هذه المرأة، وأنت آثرت البعد عنها بعد أن كان حياً كما مجتمعين، وليس بجميل اختيارك الأمر طائعاً غير مكره. وجزعك بعده، لأن داعي الشوق والعائد منه إليك أسمعك وحرك منك.

قفا ودعا نجداً ومن حل بالحمىوقل لنجد عندنا أن يودعا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أتبكي على ليلى ونفسك باعدت»
وليست عشيات الحمى برواجععليك ولكن خل عينيك تدمعا
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وأذكر أيام الحمى ثم أنثنى»

يخاطب صاحبين له يستوقفهما ويكلفهما توديع نجد معه والناول بالحمى منه. ثم استأنف فقال ملتفتاً: ويقل لنج وساكنه التوديع من، لأن حقهما أعظم من ذلك، ولكنا لانقدر على غيره. والحمى: موضع فيه ماء وكلأ يمنع منه الناس. ويقال: أحميت المكان، إذا جعلته حمى. وحكى ابن الأعرابي أنهم يقولون للمكان وقد أبطل وأبيح ولم يحم: بهرج. وأنشد:

فخيرت بين حمىً وبهرجما بين أجراذ إلى وادي الشجى

وقوله (أن يودعا) في موضع الفاعل لقل. ومعنى قوله (وليست عشيات الحمى برواجع) أنك وإن أفرطت في الجزع، فإن أوقات المواصلة بالحمى مع أحبابك لاتكاد تعود، ولكن أدم البكاء لها، مع التوجع في إثرها، تجد فيه راحةً. وفي هذا إلمام بقول الآخر:

فنلت له إن البكاء لراحةبه يشتفي من ظن ألا تلاقيا

وقوله (تدمعا) جواب الأمر. ولو قال تدمعان، لكان حالاً للعينين.

ولما رأيت البشر أعرض دونناوحالت بنات الشوق يحنن نزعا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أتبكي على ليلى ونفسك باعدت»
بكت عيني اليمنى فلما زجرتهاعن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»

البشر: جبل. وأعرض دوننا: ابدى عرضه. وحالت: تحركت. يقال: استحلت الشخص، إذا نظرت هل يتحرك. ومنه لاحول ولا قوة إلا بالله! والمعنى: لما تباعدنا عن نجد؛ وحجز بيننا وبينه البشر، تحركت بنات الشوق نوازع كثيرة الحنين، مظهرةً ضعف الصبر. وجواب لما قوله (بكت عيني اليمنى). وأراد ببنات الشوق مسبباته. وهذا كما قال الآخر:

يضم إلى الليل أطفال حبهاكما ضم أزرار القميص البنائق
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

فأطفال الحب كبنات الشوق. والنزع، الأشهر فيه أن يكون جمع نازع بمعنى كاف، فوضعها موضع نوازع، واللفظتان المتواخيتان لكونهما من أصل واحد يستعار ما إحداهما للأخرى. وإنما قال (بكت عيني اليمنى) لأنه كان أعور ممتعا بعينه اليسرى. والعين العوراء لاتدمع. فيقول: بكت عيني الصحيحة؛ فاجتهدت في زجرها عن تعاطي الجهل بعد أن كنت تحلمت وتركت الصبي، فلما تكلفت ذاك لها أقبلت العوراء تدمع معها وتبكي. ونبه بهذا على عصيان النفس والقلب، وقلة ائتمارهما له، وأنهما إذا زجرا وردا عن مواردهما زادا على المنكر منهما

تلفت نحو الحي حتى وجدتنيوجعت من الإصغاء ليتاً وأخدعا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ما وجد علوي الهوى جن واجتوى»
وأذكر أيام الحمى ثم أنثنيعلى كبدي من خشية أن تصدعا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»

يقول: أخذت في مسيري من لما أبصرت حال نفسي في تأثير الصبابة فيها، ملتفتاً إلى ما خلفته من الحي وأرض نجد، حتى وجدتني وجع الليت - وهو عرق فيها - لطول إصغائي، ودوام التفاتي؛ كل ذلك تحسراً في إثر الفائت من أحبابي وديارها، وتذكراً لطيب أوقاتي معهم فيها. وقد قيل فيه: إن من رموزهم أن من خرج من بلد فالتفت وراءه رجع إلى ذلك البلد. وأنشد فيه أبيات منها قوله:

عيل صبري بالثعلبية لماطال ليلى وملني قرنائي

كلما سارت المطايا بناميلاً تنفست والتفت ورائي

قالوا: التفت لكي يقضى له الرجوع، لكونه عاشقاً

وانتصب (ليتاً) لأنه تمييز، وهذا من باب ما نقل الفعل عنه، كأن الأصل: وجع ليتني وأخدعي، فلما شغل الفعل عنهما بضميره أشبها المفعول فنصبهما. ومثله: تصببت عرقاً، وقررت به عيناً.

وقوله (وأذكر أيام الحمى ثم أنثني) يقول: وأتذكر أوقاتي بالحمى لما كان من أسباب الوصال تساعد، وبين دورنا ودور الأحبة تقارب، وللتراسل إمكان، ومع الحبيب في الوقت بعد الوقت تلاق واجتماع، ثم أنعطف على كبدي وأقبض عليها مخافة تشققها، وخروجها من مواضعها، شوقاً إلى أمثالها، وحسرة في إثر منقطعها. وقد ذكر هذه الأبيات أبو عبد الله المفجع ﵀، في حد الغزل من كتابه المعروف بالترجمان، فنذكر بيتين منها في (باب الصبابة)، وهما:

حننت إلى ريا ونفسك باعدت

وفما حسن أن تأتي الأمر طائعاً

وقال في تفسيرهما: (يقول: الحرب بينك وبين قومك تمنعك من قربها ولقائها). وذكر مع البيتين قول عنترة:

علقتها عرضاً وأقتل قومهازعماً لعمر أبيك ليس بمزعم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

ثم جاء إلى (باب الحنين)، فذكر ما في الأبيات،

وأذكر أيام الحمى

ووليست عشيات الحمى برواجع

وبكت عيني اليمنى

الأبيات، وقال في تفسيرها: هذا كان مجروراً لأحبابه وهم منتجعون بجنوب الحمى فنشأت عين - والعين: سحابة تجيء من ناحية القبلة - فنشأت من عين يسار القبلة، فارتاع لذلك، وخشى الفرقة إذا اتصل الغيث، فذلك معنى قوله: بكت عيني

اليسرى، كنايةً عن السحاب. وجهلها: كثرة مطرها. وجعل ارتياعه منها زجراً لها. ثم نشأت أخرى من عن يمين القبلة، فأيقن حينئذ بالفراق. فذلك معنى قوله: أسبلتا معا. ثم قال معترفاً بالبين: خل عينيك تدمعا، يعني السحابتين. وقال جرير:

إن السواري والغوادي غادرتللريح منخرقاً بها ومجالا)
للشاعر جرير، من قصيدة «حي الغداة برامة الأطلالا»

هذا كلامه في كتابه، وقد حكيناه على ما أورده لازيادة فيه ولا نقصان. وأظن أنه تذكر أبيتاً غير هذه، ثم تصرف في تفسيرها وذكر هذه الأبيات في أثناء تفسير ما ذكره، ولم يأت بها. وقد أحسنت الظن مستطرفاً فعله. والله أعلم.

وقال آخر:

ونبئت ليلى أرسلت بشفاعةإلى فهلا نفس ليلى شفيعها
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة»
أأكرم من ليلى علي فتبتغيبه الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة

نبىء يحتاج إلى ثلاثة مفاعيل، وقد حصلت إلى قوله (أرسلت بشفاعة إلى). وقوله (هلا نفس ليلى) هلا: حرف تحضيض، وهو يطلب الفعل، وقد وقع في البيت بعده جملة من مبتدأ وخبر. وفارق (هلا) هذه أختها (لولا) في قوله:

تعدون عقر النيب أفضل مجدكمبنى ضوطري لولا الكمي المقنعا
للشاعر الأشهب بن رميلة، اقرأ القصيدة

وذاك لأن تأثير الفعل بالنصب بعد لولا من البيت دل عليه، فأمره في إضمار الفعل بعده قوى. وهذا لم يصلح له أن ينصب النفس بعد هلا، فكان يجيء التقدير: فهلا أرسلت نفسها شفيعها؛ لأن القوافي مرفوعة، فجعل ما بعده مبتدأ لما لم يتأت له ما تأتي لذاك. وقد يفعلون هذا في الحروف المختصة بالأفعال إذا كان في الكلام دلالة على المضمر من الفعل. ألا ترى أن ويطلب الفعل. ثم جاء قوله تعالى: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق.

وعلى ذلك جاء إن الجازمة الدالة على الشرط في وقوع الإسم بعده، وإن كان يطلب الفعل عاملاً فيه بالجزم، وذلك نحو: إن زيد أتاني أكرمته. وقول الشاعر:

إن ذو لوثة لانا

وما أشبهه. فإن قيل: هلا جعلت المضمر بعد هلا فعلاً رافعاً فيرتفع النفس به لا بالإبتداء، كما يفعل ذلك في: إن زيد أتاني أكرمته، فيصير هلافي ذلك أجرى في بابه من أن يكون ارتفاعه بالإبتداء؟ قلت: إن قولك إن زيد أتاني أكرمته، ارتفع زيد بفعل هذا الظاهر تفسيره، وأكرمته جواب إن، فساغ فيه مالم يسغ هاهنا، لأنه ليس هاهنا شيء يكون تفسيراً لذلك الفعل. وإنما جاء بد الفعل المفسر شفيعها، ويكون خبراً، ويكون خبراً لا غير، وإذا كان كذلك لم يمكن حمل هذا عليه.

ومعنى البيت: خبرت أن ليلى أرسلت إلى ذا الشفاعة في بابها، تطلب به جاهاً عندي، مستكفية عن ذكرها في الشعر وعن إتيانها وما يجري مجراه. ثم قال: هلا جعلت نفسها شفيعاً. فقوله (بشفاعة) حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، الفعل الذي يقتضيه هلا دل عليه شفيعها، لو قال: هلا نفسها شفيعها - لكان أقرب في الإستعمال، إلا أنه قصد إلى التفخيم بتكرير اسمها.

ثم قال: (أأكرم من ليلى علي)، فأتى بلفظ الاستفهام، والمراد التقريح والإنكار، كأنه أمكر منها استعانتها بالغير عليه، وطلب الشفيع فيما أرادت لديه. وقوله (فتبتغي) في موضع النصب على أن يكون جواب الاستفهام بالفاء. وقوله (أم كنت) هي أم المتصلة، كأنه قال: أي هذين توهمت: طلب إنسان أكرم علي منها، أم اتهامها لطاعتي لها. وخبر أكرم علي محذوف، كأنه قال: أأكرم منها موجود، أو في الدنيا.

وقال آخر:

أما يستفيق القلب إلا انبرى لهتوهم صيف من سعاد ومربع
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أما يستفيق القلب إلا انبرى له»
أخادع عن أطلالها العين إنهمتى تعرف الأطلال عينك تدمع
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أما يستفيق القلب إلا انبرى له»
عهدت بها وحشاً عليها براقهوهذي وحوش أصبحت لم تبرقع

استفاق وأفاق بمعنى صحا. وانبرى: تعرض. وأراد بالصيف المصيف. وقوله (من سعاد) أراد من دار سعاد وأرضيها. و (أما) هي ما النافية أدخل عليها ألف الاستفهام تقريراً او إنكارا. والمراد: لا يحدث القلب بالسلو والإقامة مما تداخله من علائق حب هذه المرأة، وتشبث به فألهاه عن كل شيء، إلا اعترض له تذكر مصيف ومربع من أرضيها بعد التوهم. كأنه كان يقف على منازلهم فيتوهمها بآياتها وعلاماتها، ثم يعرفها. وأكثر ما يذكرون التوهم في الديار يعقبونه بالعرفان دون العلم. وهذا أحد ما نفصل به بين العلم والمعرفة، ولهذا وأشباهه ممتنع من أن نصف الله تعالى بأنه عارف. لذلك، قال زهير:

فلآياً عرفت الدار بعد توهم

أشباهه كثير. وقوله (أخادع عن أطلالها العين) يريد أني إذا وقفت على آثار دارها وجوانب محلها رمت خداع النفس والعين عن تأملها، تفادياً مما يتسلط من الوجد بها، ويتجدد لي من الصبابة نحوها. ولائلا أتذكر بما أتفرس فيها أحوالي قبلها، ولأن العين إذا عرفتها وكفت بالدمع، والنفس إذا تبينتها أشقيت بالوجد.

وقوله (عهدت بها وحشاً) هذا تحسر فيما رأى الدار عليه من الإستبدال وحوشاً، فقال: عهدت بها نساء مبرقعة - يشير بذلك إلى عفافها وقلة تبرجها - كالوحش كمالاً وحسناً، ونفوراً عن الريب، وأرى الآن وحوشاً تختلف فيها غير

مبرقعة. وفي هذه الطريقة قول الآخر:

يعز على أن يرى عوض الدمىبحافاته هام وبوم وهجرس

وقوله (عليها براقع) صفة للوحش، وكذلك (أصبحت لم تبرقع).

وقال آخر:

فيا رب إن هلك ولم ترو هامتيبلبلى أمت لا قبر أعطش من قبري
وإن أك عن ليلى سلوت فإنماتسليت عن يأس ولو ألمن صبر
وإن يك عن ليلى غنى وتجلدفرب غنى نفس قريب من الفقر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

حذف الياء من (يارب) لوقوعها موقع ما يحدث في باب النداء، البتة، وهو التنوين، ولأن الكسرة تدل عليه، وإن باب النداء باب حذف وإيجاز، لكثرة تردده في الكلام، وقوله (أمت) جواب الشرط. وقوله (لا قبر أعطش من قبري) الجملة في موضع الحال. وقد روى: (ترو) بفتح التاء ويكون الفعل للهامة، (وترو) بضم التاء والفعل لله ﷿. فيقول متألماً من برح الصبابة، وعطش الاشتياق، ومتشكياً إلى الله تعالى: يا رب إن مت ولم أنل شفاء من دائي، وريا من عطشي إلى هذه المرأة مت ولا قبر لعاشق أشد عطشاً من قبري. وإنما قال: لم ترو هامتي، لأنهم كانوا يزعمون أن عظام الموتى تصير هاماً فتطير. والأصلح في هذا المكان أن يكون جعل نفسه مقتتلاً لحبها. ومعنى (ترو هامتي) لم تطلب دمي من قاتلي، تبق هامتي أعطش من كل هام. وكانوا يقولون: إنه يخرج من رأس المقتول هامة فتصيح وتقول: اسقوني اسقوني! إبى أن يدرك ثأره.

إنما آثرت هذا لتوحيده هامة. والرةايتان في ترو وترو معنياهما ظاهران وقوله (وإن أك عن ليلى سلوت) قد تقدم القول في حذف النون من أكن. وجواب الشرط قزله (فإنما) بما بعده والمعنى: إن اك في الظاهر حصل لي سلو عنها لمن يتأمل حالي، فإنما تكلفت ما ظن مني سلوا لغلبة اليأس منها على، فأما نفسي فهي كما كانت، ذهاباً فيها وولوعاً بها. وقوله (سلوت) مهناه طبت نفساً. وتسليت معناه تكلفت ذلك، والتفعل لا يكون إلا عن تكلف في أكثر

الأحوال، وكذلك التفاعل، فأتى بسلوت بناء على ظنهم واعتقادهم، وتسليت بناء على حاله.

وقوله (وإن يك عن ليلى غنى) يريد: وإن كان ظاهر أمري أني استغنيت عنها بخلو قلبي من حبها، أو أني أتجلد للوهن العارض في الإشتياق إليها، فرب غني نفس يقرب من الفقر، والمعنى أن باطن أمري بخلاف ظاهره. وإنما يتصور مني غنى يقرب من الفقر إذا حصل وتؤمل. ومن روى (أمر من الفقر) فالمعنى ظاهر والفاء من فرب بما يعده جواب للشرط. وفائدة رب التقليل، كأنه استقل الحالات التي تشبه حاله، فلذلك أتى برب.

وقال آخر:

يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتيوالعقل متله والقلب مشغول
ثم انصرف إلى نضوى لأبعثهإثر الحدوج الغوادي وهو معقول

انتصب (يوم) بإضمار فعل، كأنه أراد: أذكر يوم هذا الأمر والشأن. وأضاف اليوم إلى الفعل تشيهراً له وتعظماً لما اتفق فيه. وذلك أنه باغته حديث الفراق وما هم به المجتمعون معه في النجمة من الارتحال، فلما ورد عليه مالم يحسبه ولم يحدث نفسه به تولة وخولط، حتى صار لا يدري ماذا يأتي عندما هم به من تشييعهم، والتهيؤ للكون معهم، فقال: أذكر يوم أقبلت أضع الرحل على الناقة قبل البرذعة، وعقلي فاسد وقلبي مشغول بما دهمه من الحال. وقوله (متله) هو مفتعل من الوله، وأصله مؤتله، فأبدل من الواو تاء كما تقول في اتقى واتجه وما أشبههما، ثم أدغم إحدى التاءين في الأخرى. ويروى: (مختبل) والخبل: الفساد.

وقوله (ثم انصرفت إلى نضوى) تتميم لبيان حاله فيما انعكس عليه من قصده، وفسد من همه، فقال: ثم رجعت إلى بعيري لأقيمه في إثر الظغائن الباكرة، وهو مشدود بعقالة لم أحله. وهذا غاية ما يقال في انحلال العقدة، واسترخاء المسكة، وسوء الضبط وانقلاب القلب. ومعنى أبعثه أهيجه. والنضو: البعير المهزول. والحدوج: مراكب النساء الظاعنة. وانتصب إثر على الظرف.

وقد سلك أبو تمام هذا المسلك فقال:

أصمني سرهم أياهم فرقتهمهل كنت تعرف سراً يورث الصمما
نأوا فظلت لوشك البين مقلتهتندى نجيعاً ويندى جسمه سقما
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصغى إلى البين مغترا فلا جرما»
أظله البين حتى إنه رجللو مات من شغله بالبين ما علما
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصغى إلى البين مغترا فلا جرما»

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.