تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال الصمة بن عبد الله القشيري (٢)

أقول لصاحبي والعيسى تهوىبنا بين المنيفة فالضمار
تمتع من شميم عرار نجدفما بعد العشية من عرار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»

العيس: بياض في ظلمة خفية. والعرب تجعله في الإبل العراب خاصة. والمنيفة: موضع، أو هضبة مرتفعة. ومنه: أناف على كذا، أي أشرف، وقولهم: مائة ونيف. والضمار: مكان أو واد منخفض يضمر السائر فيه، لذلك قال الأعشى:

نراناإذا أضمرتك البلاد نجفى وتقطع منا الرحم

ومنه قيل للعدة المسوفة: الضمار، وقيل لما لايرجى رجوعه من المال: الضمار. قال:

وعينه كالكالىء الضمار

يذمه بأن حاضره كغائبه. يقول: إني أجاري رفيقي وأباثه قصتنا، والرواحل تسرع بين هذين الموضعين، وأقول في أثناء ذلك متلهفاً: استمتع بشم عرار نجد، فإنا نعدمه إذا أمسينا بخروجنا من أرض نجد ومنابته.

والشميم: مصدر، وأكثر ما يجيء فعيل مصدراً في الأصوات، كالصهيل والشحيج؛ ومثله العذير والنكير. ويقال: تمتعت بكذا ومن كذا. والعرار: بقلة صفراء ناعمة طيبة الريح، والواحدة عرارة. قال الخليل: العرارة البهارة البرية، وقيل هو شجر. وقد شبه لون المرأة بها. قال

الأعشى:

بيضاء صحوتهاوصفراء العشية كالعراره

وقوله (من عرار) من لاستغراق الجنس، وموضع (من عرار) رفع على أن يكون اسم ما. والواو من قوله (والعيس تهوى بنا) واو الحال، وموضع (تمتع من شميم) نصب لأنه مفعول أقول. وقوله (بين المنيفة فالضمار) أجود الروايتين (بين المنيفة والضمار) لأن بين يدخل لشيئين يتباين أحدهما عن الآخر فصاعداً، وإذا كان كذلك لا يكتفي بقوله المنيفة فيرتب عليه الضمار بالفاء العاطفة، اللهم إلا أن تجعل بين الأجزاء (المنيفة) فتصير المنيفة كاسم الجمع، نحو القوم والعشيرة وما أشبههما. وعلى هذا قول امرىء القيس:

بين الدخول فحومل

وكان الأصمعي يرده ويرويه بالواو.

ألا يا حبذا نفحات نجدوريا روضة غب القطار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»
وأهلك إذ يحل الحي نجداًوأنت على زمانك غير زار
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة
شهور ينقضين وما شعرنابأنصاف لهن ولا سرار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أقول لصاحبي والعيس تهوي»

ألا: حرف لافتتاح الكلام، والمنادى في ياحبذا محذوف كأنه قال ياقوم أو يا ناس، حبذا نفحات نجد. وارتفع نفحات بالابتداء، وخبره حبذا، كأنه قال: محبوب في الأشياء نفحات نجد، وهو تضوع الرياح بالنسيم الطيب. ويقال: له نفحة طيبة وخبيثة. وقوله (ريا روضه) يراد بها الرائحة هنا. وارتفع قوله (وأهلك) عطفاً على وريا، وهما جميعاً معطوفان على (نفحات) وكأنه قال: وحبذا أزمان أهلك حين كانوا نازلين بنجد وأنت راض من الزمان، لمساعدته إياك بما تهواه وتريده، فلا تعيبه ولا تشكوه. ويقال: زريت عليه، إذا عبت عليه؛ وأزريت به، إذا قصرت به. وقوله (وأنت) الواو واو الحال، وارتفع (شهور) على أنه مبتدأ، وهو تفسير الزمان الذي حمده وتلهف على إنقضائه. وقوله (ينقضين) خبره. ويجوز أن يرتفع شهور

على أنه خبر مبتدأ محذوف، وما ينقضين حينئذ يكون صفة له. وقوله (وما شعرنا) أي ما علمنا. يقال: شعرة وشعراً. ومنه الشعر. يقال: شعر الرجل، إذا قال الشعر، فشعر بكسر العين أي صار شاعراً. وسرار الشهر: آخره؛ لأن القمر يستسر فيه. وقد حكى كسر السين فيه، وليس بكثير. والمعنى: يا قوم، محبوب فيما تقضى نسيم أرواح نجد وروائح رياضه عقب إتيان المطر عليه، وهز الريح لنباتها. ومحبوب أيضاً زمان أهلك وإقامتهم بنجد، حين كنت تشكر وقتك وترضيه، إذ كانت شهوره وأيامه تنقضي وأنت لا تشعر بأنصافها، ولا بأواثلها وأواخرها، لاشتغالك بلهوك، وذهابك في غفلتك. وهم يستقصرون أيام السلامة والسعادة ومواصلة الأحبة، وعند طاعه الدهر والأقدار لهم، كما يستطيلون ما كان على خلافه من الشهور والأعوام.

وقال آخر:

ومما شجاني أنها يوم لأعرضتتولت وماء العين في الجفن حائر
فلما أعادت من بعيد بنظرةإلى التفاتاً أسلمته المحاجر
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «بروحي ونفسي من يد الله أودعت»

يقول ملما بالمعنى الذي شرحه أبو تمام حين قال:

لأودعنك ثم تدمع مقلتيإن الموع هي الوداع الثاني
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أفدت ركاب أبي سعيد للنوى»

يقول: ومما حزني وصار نصب عيني وحلف قلبي تذكرنيه الأحوال فلا أنساه، وتمثله لناظري الأوقات فلا أتغاباه، أن صاحبتي يوم الفراق عند الوداع أعرضت لي ودمعها يترقرق في جفن عينها ويتحير، لامتلائها به، إلا أنها كانت تحسبه فلا تسيله، فلما أعادت التفاتها إلى بعد إعراضها عني، بنظرة جددتها، أسلمت محاجر عينها ما اجتمع فيها من الدمع، فتحدر في مدامعها؛ لأن ذلك كوداع ثان منها، وكمتعة متعتني بها وزيادة زاد في الحب زودتنيها. وقوله (أنها) مبتدأ و (مما شجاني) خبره. ويقال: شجاه يشجوه شجواً فشجى يشجى؛ فهو شج. وحار الماء والدمع، إذا تحير في موضعه وقد ملأه فلا موضع له. وقوله (أعرضت): أبدت عرضها. وخبر أن تولت.

وقوله (فلما أعادت) يجوز أن يكون التفاتاً مفعول أعادت، وموضع بنظرة حالاً، كأنه قال: لما أعادت التفاتها ناظرة من بعيد إلى أسلمته. وجواب لما (أسلمته) وإلى تعلق بنظرة. ولا يجوز أن يتعلق بالتفاتاً، لأنه إذا جعل كذلك يكون صلة المصدر وقد قدمت على الموصول. ويجوز أن يكون بنظرة في موضع المفعول لأعادت، والباء إن شئت جعلتها مؤكدة، كما جاء في قول الآخر:

سود المحاجر لا يقرأن بالسور

ويصير (التفاتاً) مصدراً في موضع الحال، والتقدير: لما أعادت نظرتها من بعيد إلى ملتفتة أسلمته. والهاء من أسلمته للدمع كما قدمته. والمحاجر: جمع المحجر، وهو ما يبدو من نقاب المرأة إذا تنقبت. والكية حول العينين يقال لها: التحجير. ويقال: حجر القمر، إذا استدار حوله خط رقيق.

وقال آخر:

ولما رأيت الكاشحين تتبعواهوانا وأبدوا دوننا نظراً شزرا
للشاعر أبو بحر الخطي، من قصيدة «ولَمَّا رأيتُ الكَاشِحِينَ تتبَّعُوا»
جعلت وما بي من جفاء ولا قليأزوركم يوماً زأهجركم شهراً

الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع، والكاشح: العدو الباطن العداوة. ويقال: هو بين الكشاحة والمكاشحة؛ ويقال: طوى فلان كشحه على كذا، إذا استمر عليه. وهذا كلام مبق على المحبوب، كاره لانتشار القالة فيهما، مختار لاستتار الهوى بينهما. فيقول: لما رأيت الوشاة يتتبعون أحوالنا بالنميمة وإفشاء أسرارنا، وأخذوا ينظرون إلينا نظر الأعداء بتحديق شديد، واستكشاف لما خفي من أمرنا بليغ، أقبلت أحترز وأقصر أشواطهم فيما ينتحونه من مساءتنا، والقعود والقيام بذكرنا، فأتأخر عن زيارتكم شهراً وأوفيكم يوماً؛ هذا ولا أقصد جفاء ولا أضمر بغضاً، وإنما بي مضى أيامنا بالسلامة منهم، ورد كيدهم في نحورهم، ولئلا يجدوا مقالاً فيركبون عليه قصصاً وأنباء. وقوله (نظراً شزراً) يقال: هو يشزر الطرف إلى، إذا نظر نظراً منكراً يتبين

فيه العداوة. قال أوس:

إذ يشزرون إلى الطرف عن عرضكأن أعينهم من بغضتي عور

وقوله (جعلت) لا يحتاج إلى مفعول لأنه في معنى طفقت وأقبلت. وانتصب يوماً وشهراً على الظرف، و (تتبعوا هواناً) في موضع المفعول الثاني لرأيت.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.