من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال بعض القرشيين
بينما نحن بالبلاكث فالقاع سراعاً والعيس تهوى هوياً
خطرت خطرة على القلب من ذكراك وهنا فما استطعت مضيا
قلت لبيك إذ دعاني لك الشوق وللحاديين كرا المطيا
قد تقدم القول في (بيننا) و (بينما) جميعاً، وأنهما يستعملان في المفاجأة. وانتصب (سراعا) على الحال، لأنه جعل بالبلاكث مستقراً. والواو من قوله (والعيس) واو الابتداء وهو للحال أيضاً.
وقوله (خطرت خطرة) هي الحالة التي فاجأتهم. وانتصب (وهنا) على الظرف، ومعناه بعد ساعة من الليل. وقوله (خطرت خطرة) يقال: خطر ببالي خطوراً، وخطر البعير بذنبه خطرانا. ويقال: سنح لي سانح، وهجس هاجس، وخطر خاطر. وكأنه أجرى خطرت خطرة مجرى قوله: دعت دعوة من ذكراك، لقوله: (قلت لبيك إذ دعاني لك الشوق). والشاعر وصف ما هو عليه من طاعة الهوى، وأنه في ملكته، إذا دعاه أجاب حتى لايقدر إلا على ذلك. فيريد: بينما نحن بهذين الموضعين نسير مسرعين، والرواحل تهوي بنا في أثنائهما ومعاطفهما، وتقطع المسافة
بينهما، خطرت ذكرة ببالي، وقد مضى من الليل ساعة، فتحيرت حتى لم أقدر على التوجه في المقصد الذي كنت أؤمه، وحتى لم أملك إلا إجابة داعي الشوق إليك بالتلبية والوقوف له، وبعد ذلك قلت للحادين: انصرفا واعطفا برؤوس مطيكما، فقد منع ما طاعته أوجب، ودفع في صدورنا من أمره أنفذ. وقد تقدم الفرق بين الهوى والهوى.
وقوله (بالبلاكث فالقاع) رتب القاع على البلاكث بالفاء العاطفة، كأنه ارتقى منها إليها، ويجوز أن البلاكث اسم لبقاع مختلفة؛ لأن بناءه بناء الجمع.
وقوله (لبيك) هو من ألب بالمكان، إذا أقام؛ إلا أنه لاينصرف كما أن سبحان الله لاينصرف. والكلمة مثناة عند سيبويه، والمراد عنده إقامة للداعي تتبعها إقامة ودوام على طاعته ومتابعته. ويقرن بها سعديك، المعنى: مساعدة بعد مساعدة واستمرار على مشايعته. وحصل التكثير والاتصال فيه بالتثنية، كما حصل بالتكرير في قولك: ادخلوا الأول فالأول. قال سيبويه: أخبرنا أبو الخطاب أنه يقال للمداوم على الشيء لايقلع عنه ولايفارقه: قد ألب عليه. أنشد للتثنية فيه قول الشاعر:
دعوت لما نابني مسوراًفلبي فلبي يدي مسور
هكذا روايته وإنشاده عن العرب بهذا اللفظ. وحكى أيضاً عن بعضهم: لب بالكسر، يجعله صوتاً مثل غاق. وعند يونس أنه موحد لبي، وانقلب ألفه ياءً كما انقلب في على ولدي عند الإضافة إلى مضمر. وعلى مذهبه يجب أن يكون (فلبي يدي) كما أن على وإلى ولدي إذا أضيفت إلى الظاهر لا يتغير ألفها. تقول: على زيد وإلى عمرو.
وقال آخر:
استبق دمعك لا يود البكاءبهواكفف مدامع من عينيك تستبق
ليس الشؤون وإن جادت بباقيةولا الجفون على هذا ولا الحدق
بقوله (لايود البكاء به) يجوز أن يكون جواب الأمر، ويجوز أن يكون نهياً وهو أحسن وإن لم يكن معه حرف العطف، لأنه قد ذكر بعده (واكفف مدامع من عينيك) ولم يأت له بجواب، كأنه أمره بكف المدامع وهي تستبق. وإذا كان الكلام نهياً بعد أمر وأمراً بعد نهي، كان أبلغ. ومعنى أودى بكذا أهلكه. والاستباق في المدامع مجاز؛ لأن الذي استبق في التحدر هو الدمع. والمدمع: مجرى الدمع، وهو مصدر دمعت، ويكون المراد به أيضاً العين الذي هو الجاري؛ لأن الاستباق لايصح إلا فيه.
وقوله (ليس الشؤون وإن جادت بباقية) يريد: أنك إن أدمت البكاء استهلكت منابع الدمع ومجاريها، وأطباق العين وحماليقها؛ لأن شيئاً من هذه الآلات وإن سمحت بالإجابة مدة لايدوم على فعلك، ولايقوم لتكليفك. وقوله (على هذا) أشار بهذا إلى فعله، وعلى تعلق بباقية، وهو مضمر دل عليه الباقية المذكورة، كأنه قال: ولا الجفون باقية على هذا، وجعل (لا) من قوله والجفون بدلا من ليس، والجفن في اللغة: المنع والحبس؛ لذلك سمي غلاف السيف الجفن.
وقال آخر:
قد كنت أعلو الحب حيناً فلم يزلبي النقض والإبرام حتى علانيا
يقول: بقيت أزاول الحب وأجاذبه، وهو معي متردد بين أن أعلوه تارةً فأدفعه عن نفسي بجهدي، وبين أن يعلوني فيغلبني على مرادي، ويأخذ مقره من فؤادي، فلم نزل بين النقض والإمرار، أنقض عليه وهو يمر، وينقض علي وانا أمر، إلى أن صار الغلب له.
وهذا الذي أشار إليه حالة الحب إذا لم يكن عن اعتراض. لذلك قال أبو تمام:
هوى كان خلساً إن من أبرح الهوىهوى جلت في أفيائه وهو جائل
كأنه يريد المحبوب فيفكر في محاسنه حالاً بعد حال، ووقتاً بعد وقت، ويستحلبها شيئاً بعد شيء، إلى أن يصير لها في قلب قادح ونازع، فيدفعه عن نفسه بأن يزيف تلك المحاسن، ويتناسى ويدرأ في صدر ذلك القادح من الهوى ويتأنى، فكلما قدر أنه تخلى عاوده الوسواس جذعاً، فلا يزال بين القبول والامتناع، والتماسك والانهيار، ومدافعة الداء بالدواء، إلى أن يصير الغلب للهوى.
والمعترض من الهوى هو الذي يقع عن أول وهله، فيسبي القلب في دفعة واحدة، إلا أن تركه أسرع، كما أن أخذه أسرع. على ذلك قول الأعشى:
علقتها عرضا
ومايجري مجراه. وهم يشبهون مثل هذا الهوى بنار توقد بضرام أو بعرفج وما يجري مجراه، فترتفع سريعاً وترجع سريعاً. وأنشد ابن الأعرابي بيتاًفي قسمة الهوى زعم أنه لاثاني له، وأ، قائله لايعرف وهو:
ثلاثة أحباب فحب علاقةوحب تملاق وحب هو القتل
يعني ما يكون من تعمل وطول تأمل.
ولم أر مثلينا خليلي جنابةأدش على رغم العدو تصافيا
نبه بهذا الكلام على أنها مع المجانية واستعمال الحذر، واستدفاع شر الرقباء والحافظين بترك الورود والصدر، وإكساد سوق الوشاة والنمامين بإخماد نائرة الخبر، يصافي كل واحد منهما صاحبه، حتى لاخلل في الهوى ولافساد، ولا استزادة في الحب ولاعتاب، ولاتسلط تهمة لعارض تسل وحؤول عن عهد.
وإنما قال (على رغم العدو) استهانة بهم. وهو من الرغام: التراب. وإذا قيل: أرغم الله أنفه فالمعنى أذله الله وأسخطه. وانتصب (تصافيا) على التمييز. وقوله (خليلي جنابة) انتصب على أنه بدل من مثلينا، وأشد مفعول ثان لأرى.
خليلين لا نرجو لقاءً ولا ترىخليلين إلا يرجوان التلاقيا
ذضكر أن اليأس قد استقر في قلب كل واحد منهما من ملاقاة صاحبه والتصافي بينهما هو أن ذلك من كمال البلاء، إذ لا يوجد خليلان غيرهما إلا وهما على شفا الرجاء في الاجتماع، وقوة من الطمع في الالتقاء والاستمتاع، واليأس لذي أشار إليه كأنه لارتفاع منزلة المحبوب عن منزلته: أو لكثرة أوليائه وقوة عشيرته أو لعفافه وتألهه، وما يجري مجراها.
وقال آخر:
وكل مصيبات الزمان رأيتهاسوى فرقة الأحباب هينة الخطب
موضع (سوى فرقة الأحباب) نصب على أنه مستثنى مقدم، لأن تقدمه على صفة المستثنى منه كتقدمه عليه نفسه. ومعنى البيت ظاهر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع