تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال الحسين بن مطير (٣)

فيا عجبا للناس يستشرفوننيكأن لم يروا بعدي محباً ولا قبلي
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

قوله (يستشرفونني) أي ينظرون إلي، وتطمح أبصارهم نحوي. ويودون أني على شرف من الأرض، لأكون معرضاً لهم.

والشاعر أخذ يتعجب من أحوال الناس فيما رأوه عليه، واستطرافهم لحالته في حبه، واستشرافهم لما يشاهدونه عليه، حتى كأنه بدع من الحوادث لم يشاهد مثله، ولم يقع في تقدير أحد جواز صورته، فقال: يا عجباً للناس في حال استشرافهم لي،

واستطلاعهم من جهتي ما أنا عليه، وإفراطهم في التعجب مما يجدونني مبتلي به، ومرهوناً له كأنهم لم يشاهدوا قبل مشاهدتهم لي، ولابعد مشاهدتهم لي محباً، وكأن الحب شيء أنا ابتدعته، وكأن مسبباته لم توجد قط إلا في. وليس الأمر كذلك، لأن الدنيا وأهلها إذا تؤملت أحوالهم فيها لم يعوز تقديراً أو تحصيلاً من حاله حال مثلي فيه زائداً على ما أنا عليه، أو قاصراً عنه. هذاإذا جعلت (لم يروا) بمعنى لم يشاهدوا. فإن جعلته بمعنى لم يعلموا كان المعنى أكشف وأبين، إلا أنه يكون بمعنى يعرف، ويكتفي بمفعول واحد. وقوله (بعدي) أي بعد رؤيتهم لي، وقوله (يا عجباً) يجوز أن يكون منادى مضافا، ويجوز أن يكون مفرداً، وقد تقدم القول فيه وفي أشباهه.

يقولون لي اصرم برجع العقل كلهوصرم حبيب النفس أذهب للعقل

يقول: يشير الناس علي بالتسلي عنها، ةالأخذ في مصارمتها، وأخذ النفس على الانفكاك منها، فإن في ذلك يزعمهم إذا تدرجت فيه مراجعة العقل كاملا، وانتزاع ربقة الذل عاجلاً. وإذا تأملت حالي في قبول ما يشيرون به وركوب الجد في قطيعتها، والحيلولة بين النفس ومرادها فيها، وجدت ذلك أدعى إلى زوال العقل كله، وإن كان الباقي منه شفافةً، وأجلب لهلاك النفس، وحرج الصدر، وإن كنت عائشاً بصبابة. وقوله (أذهب للعقل) قد تقدم القول في أن سيبويه يجوز بناء فعل التعجب بعد الثلاثي مما كان على أفعل خاصة، فإذا جاز ذلك فبناء التفضيل يتبعه.

ويا عجبا من حب من هو قاتليكأني أجزيه المودة من قتلى
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

تعجب من حال نفسه في مقاساة ما يقاسى منا، وبقائه على حبها فيقول: إني أداوم اعتقاد الجميل لها، وقيام القلب بعمارة الهوى فيها، حتى كأني أجازيها على قتلها إياي بأن أزيد في ودها وإخلاص العقيدة لها. وقوله (من قتلى) أراد من قتلها لي. والمصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل، وكذلك قوله (من حب من هو قاتلي) أي من حبي من هو قاتلي، لأن من في موضع المفعول. وقوله (يا عجبا) يجوز أن يكون الألف بدلاً من ياء الإضافة ويجوز أن يكون ألف الندبة وزيدت ليمتد الصوت به، ويكون يا عجب منادى مفرداً، وامتداد الصوت يدل على عظم البلية، وتفخيم أمر العجيبة.

ومن بينات الحب أن كان أهلهاأحب إلى قلبي وعيني من أهلي
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

يقول: ومن آيات حبي البينة، وشواهده الصادقة، على تكامله لها، وتناهيه في استحكامها، أني أوثر أهلها على أهلي، وأن رتبتهم في العين والقلب أعلى من رتبة عشيرتي عندي. وقد خلص هذا المعنى عنترة حيث قال:

علقتها عرضاً وأقتل قومهازعماً لعمر أبيك ليس بمزعم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

لأن في قضية الهوى والعقل أن حبها مع عداوة أهلها ليس بمتسق ولا متسبب، بل ينافي كل واحد صاحبه، وأن الواجب أنها إذا كرمت عليه فكل متسبب إليها بسبب، ومنتسب بنسب، يجب أن يكون مؤثراً عنده مبجلاً في حكمه.

وأبين من ذلك كله قول الآخر:

وأقسم لو أني أرى نسباً لهاذئاب الفلا حبت إلى ذئابها

وقوله (أن كان أهلها) أن مخففة من الثقيلة، أراد أنه كان أهلها، والهاء من أنه ضمير الأمر والشأن، وقد تقدم مثله. وموضع أن بما بعده رفع بالإبتداء وخبره قوله ومن بينات الحب.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.