تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال الحكم الخضري

تساهم ثوباها ففي الدرع رادةوفي المرط لفاوان ردفهما عبل
فوالله ما أدرى أزيدت ملاحةوحسناً إلى النسوان أم ليس لي عقل

معنى تساهم تقاسم، ولذلك قيل: سهمة فلان من هذا كذا، أي قسمته ونصيبه. ويجوز أن يكون أصله من السهام: القداح التي تجال بين الخصوم إذا تقارعوا ليستبد كل بما خرج له لقسمته وبدنه. وفي القرآن: " فساهم فكان من المدحضين "، فكأنه استعار - وإن كان أصله ما ذكرت - للتقاسم، إذ كان يفعل للقسم وما يشبهه لاغير، فيقول: انقسم جسم هذه المرأة بين درعها وإزارها، ففي درعها بدن ناعم وخصر دقيق، وفي مرطها فخذان غليظتان عليهما ردف ضخم. وقوله: فوالله ما أدرى، يريد: أن الحيرة قد ملكته في أمرها، لما يرى من ميل قلبه إليها، وشدة افتتانه بها، فهو لايدري أزيدت حسناً وملاحة على نساء الدنيا كلها، أم هو فائل الرأي في الإختيار، مخبول العقل في الإعتبار، ضعيف التبصر، في الإرتياد والتخير. والرادة والرؤدة: الناعمة. واللفاء: الكثيرة اللحم والعبل: الضخم، ومصدره العبالة.

آخر:

أروح ولم أحدث لليلى زيارةلبئس إذا راعى المودة والوصل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أروح ولم أحدث لليلى زيارة»
تراب لأهلي لا ولا نعمة لهملشد إذاً ما قد تعبدني أهلي
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أروح ولم أحدث لليلى زيارة»

كأن من صحبه من أهله استعجلوه عن زيارة ليلى، فيقول منكراً ومفظعاً: أروح من غير أن أقضى حفها، أو أجدد الإلمام بها، لبئس راعي المودة والمواصلة أنا. حذف المذموم ببئس لأن المراد مفهوم، ومثله في القرآن: " نعم العبد إنه أواب "، والمعنى: نعم العبد أيوب، فحذف الممودح بنعم، لكون المراد مفهوماً. وإذاً جواب وجزاء، وكأنه حشا به الكلام ليعلم أن ما يقوله جواب لما سيم. واللام من لبئس لام الابتداء، وارتفع راعى المودة به. وقوله تراب أهلي دعء عليهم، وتحقير لهم، واستخفاف بهم. وجاز الابتداء بقوله تراب وهو نكرة، لأن معنى الدعاء منه مفهوم. ومثله قوله:

فترب لأفواه الوشاة وجندل

والمراد في الدعاء طلب الذل لهم.

وقوله: لا ولا نعمة لهم، يجوز أن يكون المنفي بلا الأولى حذف لما دل عليه الكلام، فكأنه قال: لأهله التراب لا عز لهم ولا نعمة. ويجوز أن يكون لا رداً لما عرضوا عليه. وهذا كما يقال للإنسان. افعل لفلان كذا وكذا، فيقول: لا ولا كرامة، أي لا أفعل ذلك ولا أكرم من يسومنيه. قوله: لشد إذاً ما قد تعبدني أهلي، تعبده واستعبده بمهنى واحد، أي استذله، ولشد ما، هو كما يقال: لعز ما. والمعنى الإنكار فيما عرض عليه ودعي إليه، وأنهم تجاوزوا كل حد في امتهانه حين عرضوا عليه مثل ذلك. وهذا الكلام مشتمل على الخلاف وقلة الاحتفال. ويجوز أن يجري شد ما، مجرى نعم وبئس.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.