من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال كثير (٢)
وأد نيتني حتى إذا ما فتنتنيبقول يحل العصم سهل الأباطح
تناهيت عني حين لا لي حيلةوغادرت ما غادرت بين الجوانح
يقول: توفرت علي ولطفت لي المقال والفعال، على تطلق من وجهك، وهشاشة ظاهرة منك، حتى أوقعتني في حبالتك، وخببت قلبي بكلام يقرب البعيد، ويسهل العسير، ويؤنس النافر، ويطمع اليائس، فلما استكمل مرادك في ضممت أطرافك إليك، وقبضت ما انبسط من أملي فيك. والعصم: جمع أعصم وعصماء، وهي الوعول الجبلية التي في قوائمها بياض. وجواب إذا تناهيت عني. والمعنى: بعد ما كسبتني خبالاً، وجلبت على عقلي وقلبي فساداً، كففت عني، وتباعدت مني وقت أعيتني الحيل في الانفكاك، وتأبى تمازج الهوى وتلاصقه من الإنسلاخ، وتركت بين جوانحي ما تركت من وجد متصل، وحزن دائم.
فإن قيل: إن كثير علم في النسيب، فلم لم يرض بإظهار التوجع من المعاملة، والتألي من التهاجر والقطيعة، حتى اعتد على صاحبته ذنباً. ونسب إليها خيانة ووزراً؛ لأن الذي وصف من افتتانها في افتتان الرجال ليس من شأن العفائف؟ إن كثيراً لم يصف صاحبته إلا بصفة العفائف. ألم تسمع قول الآخر:
برزن عفافاً واحتجبن تستراًوشب بقول الحق منهن باطل
فذو الحلم مرتاب وذو الجهل طامعوهن عن الفحشاء حيد نواكل
كواس عوار، صامتات نواطقبعف الكلام، باذلات بواخل
فتأمل ما قاله فإنه غاية في استقامة الطريقة، وإن هلكت نفوس، وخبلت عقول. وحدثت عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، عن رواية كثير قال: كنت مع جرير وهو يريد الشام، فطرب فقال: أنشدني لأخي بن مليح، يعني كثيراً، فأنشدته حتى انتهيت إلى قوله: وأدنيتني حتى إذا ما فتنتني، الأبيات، قال جرير: لولا أنه لا يحسن بشيخ مثل النخير لنخرت حتى يسمع هشام على سريره.
وقال آخر:
تعرضن مرمى الصيد ثم رميننامن النبل لا بالطائشات الخواطف
ضعائف يقتلن الرجال بلا دمفيا عجبا للقاتلات الضعائف
وللعين ملهى في التلاد ولم يقدهوى النفس شيء كاقتياد الطرائف
قوله: مرمى الصيد، موضعه نصب على الظرف، أي تعرضن لنا وبيننا وبينهن غلوة سهم، فعل المتعرض للصيد إذا أراد رميه. ويراد بالصيد المصيد، كما يراد بالخلق المخلوق. وقوله: ثم رميننا من النبل، يريد: ثم نظرن إلينا وعرضن محاسنهن علينا، وتلك نبالهن التي لا تخف فتعدل، ولا تخطف فتقصر. والخاطف من السهام: الذي يقع على الأرض ثم يحبو إلى الهدف كأنه يخطف من الأرض شيئاً. والطائش: الخفيف الذي لا يستقيم؛ ومنه الطيش والطياش، كأنه يرى لخفته عادلاً عن سواء السبيل. ومفعول رميننا الثاني محذوف كأنه قال: رميننا لا بالطائشات، ولكن بالصائبات الناقرات. والناقر: الذي ينقر الهدف.
وقوله ضعائف يقتلن الرجال بلا دم، يريد بلا ترة وذحل. والضعف الذي أشار إليه يريد في الخلقة والخلق، أي يقتلن الرجال وإن ضعفن عن جذابهم كيداً وفعلاً. ثم قال: يا عجباً لمن يقتل القوى على ضعفه. ويا عجباً يجوز أن يكون على طريق الندبة، ويكون منادى مفرداً ألحق به الألف ليمتد به الصوت، ويدل على فرط الشكو. ويجوز أن يكون منادى مضافاً ففر من الكسرة وبعدها ياء فانقلبت ألفاً. واللام من قوله للقاتلات هي التي تفسر بأنها لام العلة، كأنه علل تعجبه بقوله للقاتلات، فارتفع ضعائف على أنه خبر مبتدأ محذوف.
وقوله وللعين ملهى في التلاد، يريد أن للعين لهواً وراحة إذا نظرت في التلاد الرائق المعجب - والتلاد: ما قدم ملكه - ولم يجذب هوى النفس شيء كما يجذبه الطرائف، وهي المستحدثات، وهذا كما يقال: لكل جديدة لذة، وما أشبهه. وقاد واقتاد بمعنى واحد، والملهى كما يجوز أن يراد به الحدث، وهو اللهو، يجوز أن يراد به موضع الحدث ووقته.
وقال آخر:
لئن كان يهدي برد أنيابها العلىلأفقر مني إنني لفقير
قوله يهدي يجوز أن يكون من الإهداء الإتحاف، ويجوز أن يكون من الهداء الزفاف. وقوله أنيابها العلي، يراد به الشريفة العالية الشأن. ويجوز أن يراد بالعلي الأعالي من الأسنان، لأنها موضع القبل. ويعني ببرد الأسنان عذوبة الرضاب عند المذاق. وقوله إنني لفقير، فعيل بناء المبالغة، ولا سيما إذا أطلق إطلاقاً، فلا يقال فقير إلى كذا وكذا فيخصص. والمعنى: إن كان يتربص بمتسق مضحكها، وواضح مقبلها، وطيب رضابها، وبراد أسنانها، لمن هو أفقر مني إليها، فإنني الفقير مطلقاً. والمعنى: لا غاية وراء فقري. ومما يجري مجرى فقير إذا أطلق، قولهم سقيم. ألا ترى قول الآخر:
لئن لبن المعزى بماء مويسلبغاني داء إنني لسقيم
يريد المتناهي في السقم حتى لا غاية وراءه. وأفقر، كأنه بني على فقر المرفوض في الاستعمال. وإنما قلت هذا لأن فقيراً كان حكمه أن يكون فعله على فقر، ولم يجيء منه إلا افتقر. وشرط فعل التعجب وما يتبعه من بناء التفضيل أن لا يجيء إلا من الثلاثي في الأكثر، وما كان علي أفعل خاصة، وإذا كان كذلك فأفقر لا يصح أن يكون مبنياً على افتقر ولكن على فقر؛ فهذا طريق. ولك أن تقول: بنى منه على حذف الزوائد، كما جاء: ريح لاقح والمراد ملقح، وما أشبهه.
فما أكثر الأخبار أن قد تزوجتفهل يأتيني بالطلاق بشير
قوله أن قد تزوجت، أراد: بأن قد تزوجت. وحذف الجار مع أن كثير، وموضعه من الإعراب مفعول من قوله الأخبار. والأخبار: جمع خبر، ووضع خبراً موضع الإخبار، كما يوضع الطاعة موضع الإطاعة، ثم عداه وهو مجموع، ومثله:
مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
ألا تراه أنه انتصب أخاه عن جمع وهو مواعيد. ومعنى البيت: كثر في أفواه الناس الإخبار بتزوجها، واشتغالها ببعلها عن غيره، فهل يأتيني مبشر بتطليقها. وهذا ليس باستفهام وإنما هو تمن.
وقال آخر:
يقر بعيني أن أرى رملة الغضىإذا ما بدت يوماً لعيني قلالها
ولست وإن أحببت من يسكن الغضىبأول راج حاجة لا ينالها
أضاف الرملة إلى الغضى تشهيراً لها. وقوله يقر بعيني، هذه الباء تزداد كثيراً مع أقر، والأصل يقر عيني، وزيدت الباء تأكيداً. تقول قرت عيني وأٌرها الله. وقوله أن أرى في موضع الفاعل ليقر، والمراد: إذا بدت يوماً لعيني قلاق الغضى - وهو جمع القلة وهي أعلى الجبل - فقره عيني في أن أرى رمالها أيضاً وبطحاواتها. ثم قال على طريق اليأس من ذلك: ولست بأول من رجا مؤملا. وائتمر مقدراً، ثم لم يحصل منهما على طائل. يريد: ولا غرو إن كنت أحببت سكان الغضى أن يكون هذا حالي معهم. كأنه كان بين أهل الغضى وبين قومه عداوة، أو حالة مانعة من المزاورة والمواصلة، فلذلك قال ما قال.
وقال آخر:
سلى البانة الغناء بالأجرع الذيبه البان هل حييت أطلال دارك
وهل مت في أظلالهن عشيةمقام أخي البأساء واخترت ذلك
ليهنك إمساكي بكفي على الحشاورقراق عيني رهبة من زيالك
سلي، أصله اسألي فحذف الهمزة تخفيفاً وأبقيت حركتها على السين فصار اسلي، ثم استغنى عن همزة الوصل لتحرك ما بعدها فحذفت فصارت سلي. وهذا كما تقول في الأحمر إذا خففته: لحمر. ومن قال الحمر يقول: اسلى فيبقي ألف الوصل. ويروى: البانة الغيناء، والغناء: الملتفة الكثيرة الورق والأغصان، فإذا
ضربتها الريح غنت. وهذا كما قال الآخر:
للثرى تحتها سبات وللماء خرير وللغصون غناء
والأجرع من الأماكن: السهل المختلط بالرمل. والغيناء، هي العظيمة الواسعة، من قولهم غان عليه كذا إذا ستر، وبه سمى السحاب الغين. وإنما قال: الذي به البان، لأنه كان منبته. وهل حيا أطلاله تحية المتقرب إليها، والقاضي لوازمها، وهل قام في أظلال البان بها مقام الضرير البائس، والكسير الرزاح، تذللاً لها، وتلؤماً بها؛ وهل ذلك كله عن اختيار وقصد أو كما اتفق. ثم قال: ليهنك إمساكي، كأنه لما وقف على الدار وتذكر العهود فتصور له ما كان درس من آيات هواه، وتجدد ما أخلق منها، خشي على كبده التصدع فأمسك بكفه على حشاه، تثبيتاً لها وتقوية، وبكى فترقرق الدمع في عينيه ثم سال. فقال: هناك الله ذلك كله مني. وانتصب رهبة لأنه مفعول له. وهذا من باب التجلد في الهوى. والزيال: مصدر زايل. وفي هذه الطريقة قول الآخر:
يرفع يمناه إلى ربهيدعو وفوق الكبد اليسرى
وقال آخر:
تمتع بها ما ساعفتك ولا تكنعليك شجى في الصدر حين تبين
وإن هي أعطتك الليان فإنهالغيرك من خلانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدهافليس لمخضوب البنان يمين
يصف النساء وأخلاقهن في الانقياد والتأبى إذا روودن، واستمالهن الوفاء من بعد غدرهن، ويوصي باستبقاء المقاربة معهن، وترك تدقيق محاسبتهن، والرضا بالميسور من مصافاتهن، فيقول: عليك في الاستمتاع بهن مدة انقيادهن لك، وإسعافهن بالمراد من جهتهن، لا يشجونك تنكرهن لك، وبينونتهن إذا عدلن عنك، وأعلم أن الواحدة منهن إذ لانت لك فهي بعرض أن تلين لغيرك، فلا تعتمد عليهن
وإن حلفت لك أنها تفي وتيقي على عهدها معك، وأعلم أنه لا يمكين لمثلها يستوثق بها، أو يستنام إليها، وفي طريقته قول بشار:
لا يوئسنك من مخبأةقول تغلطه وغن جرحا
عسر النساء إلى مياسرةوالصعب يمكن بعد ما جمحا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع