تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال الحارث بن خالد المخزومي

إني وما نحروا غداة منىعند الجمار تؤودها العقل
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
لو بدلت أعلى مساكنهاسفلاً وأصبح سفلها يعلو
لعرفت مغناها لما ضمنتمنى الضلوع لأهلها قبل

أقسم بالقرابين التي ينحرها الحجيج عند المحصب غداة منى وهي معقولة أنه لو غيرت ديار هذه المرأة عن خططها المعهودة، ورسومها المشهورة، حتى جعلت أعاليها أسافلها، وأسافلها أعاليها لعرف مغناها المختص بها، ومثواها الجامع لأسبابها لما انطوت عليه محاني ضلوعه من ود أهلها أيام مواصلتها، حتى كان لا يلتبس عليه شيء منها. ومعنى تؤودها تثقلها. وجواب اليمين لعرفت. والمغنى: المنزل. ويقال غنينا بمكان كذا نغنى به غنى.

وجواب لو بدلت ماهو إلا جواب القسم، وهو لعرفت.

آخر:

مريضات أوبات التهادي كأنهاتخاف على أحشائها أن تقطعا
تسيب أنسياب الأيم أخصره الندىفرفع من أعطافه ما ترفعا

التهادي: المشي بين اثنين؛ يقال: رأيته يهادى بين اثنين ويتهادى. يصفها بالنعمة والرقة وضعف الحركة، لثقل ردفها، ودقة خصرها، وترفتها المتملكة لأعضائها وحواملها، فيقول: إذا تهادت بين اثنين فعطفات حركاتها مريضة، ونهضات اندفاعها بطيئة، فكأنها تجذب أعاليها أسافلها، تخاف على خصرها التقطع إن انبسطت في المشي، أو تسرعت في القصد. وقوله تسيب انسياب الأين. فالأين: الجان من الحيات. ويروى الأيم أيضاً، وهي الحية. والحبة لا تصبر على البرد، لأنه إذا أثر فيها يبس جرمها فتكسرت. فيقول: هي تنساب أي تتدافع في مشيها تدافع الحية وقد أثر فيها الندى فخصرت وأخذت من جرمها وأعطافها ما أطاعها وأمكنها. كأن الحية وقد خصرت شق عليها ما ينالها من خصر الندى وبرده، فهي في انسيابها تجافي عن الأرض جهدها. ويقال: ساب وانساب بمعنى واحد. وفي القرآن: " ولا سائبة ". قال الدريدي: ساب الماء، إذا جرى.

آخر:

أبت الروادف والثدي لقمصهامس البطون وأن تمس ظهورا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبت الروادف والثدي لقمصها»
وإذا الرياح مع العشي تناوحتنبهن حاسدة وهجن غيورا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبت الروادف والثدي لقمصها»

لف في البيت الأول الخبرين لفا، ثم رمى بتفسيرهما جملة، ثقة بأن السامع لكلامه يرد إلى كل ماله، وذلك لأنه قال أبت الروادف والثدي لقمصها، فجمع بين ما يكون خلفاً وقداماً من الردف والثدي. وهو يريد أن يصفها بأنها ناهدة الثديين، دقيقة الخصر، لطيفة البطن، وأنها عظيمة الكفل والردف، فالثدي تمنع القمص أن تلتصق ببطنها، والردف يمنعها أن تلتصق بظهرها، فبين في التفسير في عجز البيت ما لفه في صدره كما ترى.

وقوله وإذا الرياح مع المشي تناوحت، يريد: وإذا دنت الأصل وهبت رياح الصيف، فتقابلت ريحان كالشمال والجنوب، أو الصبا والدبور، وابتردت هذه، التصق من درعها ببطنها وظهرها ما كان يمنعه ثديها وردفها قبل هبوبها، وظهر من

محاسنها ما ينبه الحاسد ويهيج الغيور، لأن ما هفي منها ظهر للعيون والمناظر، فالغيور يكره، والحاسد يتنبه. وقوله وأن تمس جاز انعطافه على مس البطون لكون العامل والمعمول فيه في موضعه ومعناه. والبطون مع لفظ مس، كظهوراً مع أن تمس.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.