تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال عبد الله بن الدمينة الخثمعي

ولما لحقنا بالحمول ودونهاحميص الحشا توهي القميص عواتقه
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ولما لحقنا بالحمول ودونها»
قليل قذى العينين نعلم أنههو الموت إن لم تلو بوائقه
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة

قوله (ولما لحقنا) جوابه ما دل عليه البيت الثالث، وهو (عرضنا). وأراد بالحمول الظعائن وأثقالها. وقوله (ودونها خميص الحشا) يريد قيمهن. فيقول: لما دعانا الشوق إلى اللحوق بالظعائن بعد تشييعنا لها، وإلى تجديد العهد بها، فأدركناها ودونها رجل قليل اللحم على بدنه، لطيف طي البطن، مديد القامة، حتى إن عواتقه، وهي النواحي من عاتقي الإنسان، تكاد أن توهي قميصه. وهذا مما تتمدح به العرب، لأن السمنة عندهم مذمومة.

وقد كشف عن هذا المعنى قول الآخر:

فتى لا يرى قد القميص بخصرهولكنما تفرى الفرى مناكبه

وقوله (قليل قذى العينين) يصف امتعاضه وقلة صبره على درن العار. ويقال: فلان لا يغضى على قذى، إذا لم يحتمل ضيماً. وقوله (نعلم أنه ع هو الموت) يصفه بشدة الحمية عند غضبه. وأن ناره لا يصطلى بها إذا غار على حرمه. والمعنى أنا

مع تعرضنا له نحذره نخافة أن يحمى، لتحققنا أن شره لا يقام له إذا سطا. والبوائق: جمع بائفة، وهي الخصلة المنكرة في شمولها، فيقال: باقتهم بائفة. والبوقة. الدفعة الشديدة من المطر، منه. قال رؤبة:

من باكر الوسمى نضاح البوق

وقول (تلو عنا) أي تصرف. ويرى (تلق عنا) من الإلقاء.

عرضنا فسلمنا فسلم كارهاًعلينا وتبريج من الغيظ خانقه
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة
فساي رته مقدار ميل وليتنيبكرهي له ما دام حيا أرافقه

يقول: لما لحقنا بالظعائن عرضنا لهن، وسلمنا على قيمهن والمحامي دونهن، فأجابنا جواب الكاره لنا، والمنكر لتسليمنا، قد خنقه غيظ مبرح. ويقال: لحقته ولحقت به. وانتصب (كارهاً) على الحال. والتبريج: التشديد. ويقال: برح بي كذا وكذا، ومنه قول الأعشى:

أبرحت ربا وأبرحت جارا

ويقال: هو في برح من الشوق بارح. وقوله (خانقة) يريد أنه امتلأ صدره من الغيظ فارتقى إلى ما هو فوقه حتى خنقه. وقوله (فسايرته مقدار ميل) انتصب مقدار على الظرف. ومعنى ساريرته صاحبته في السير، ثم قال: وليتني أرافقه مادام حياً، على كره مني، لأنه استطاب صحبته لما له من الذاذة في النظر إليهن، واستكره الكون معه لما يخاف على نفسه منه، إلا أنه غلب الالتذاذ. و (مادام حياً) انتصب على الظرف، و (أرافقه) في موضع خبر ليت. وقوله (بكرهي له) نصب على الحا، والعامل فيه أرافقه.

فلما رأت أن لا وصال وأنهمدى الصرم مضروب علينا سرادقه
رمتني بطرف لو كمياررمت بهلبل نجيعاً نحره وبنائقه
ولمح بعينها كأن وميضهوميض الحيا تهدى لنجد شقائقه

قوله (أن لا وصال) أن فيه مخففة من أن الثقيلة، يريد أنه لا وصال. ألا ترى أنه عطف عليه (وأنه مدى الصرم). ووصال انتصب بلا، وخبره محذوف، كأنه قال: لا وصال بيننا. والجملة في موضع خبر إن، والضمير في أنه الأولى والثانية ضمير الأمر والشأن. وقوله (مدى الرم) في موضع الإبتداء، و (مضروب علينا) خبره. وسرادقه ارتفع بمضروب، لأنه قام مقام الفاعل. وقوله (رمتني بطرف) جواب لما. كأنه لما تأملت حاله في مسايرته، وضيق الوقت عن مجاذبته، لما كان يجو بينهما من مراقبته، ثم رأت تغيظ الرقيب وكراهيته، مع معرفتها بنتائج ضجره، نظرت إلى الشاعر نظر إنكار استدل منه على ضلاله فيما يأتيه، وسوء توفيقه فيما يلح فيه، فكأنه رمته بسهم لو لم يكن نظراً، بل كان سهماً رمي به شجاع في معركة، لأصيب مقله، فكان يبتل نحره وبنائق قميصه نجيعاً. والنجيع: دم الجوف. ويقال: تنجع به، أي تلطخ.

وقوله (ولم بعينيها) انعطف على قوله بطرف. واللمح: النظر، ويستعمل في البرق والبصر. وكذلك الطرف هو النظر هنا، كأن الرمي بالطرف كان إنكاراً منها. واللمح بالعينين مواعدة وتوحية بجميل بعد تعذر المطلوب: والومض والوميض: اللمع. وأومضت له فلانة بعينها، إذا برقت. لذلك شبه وميض لمحها بوميض الحيا، وهو الغيث المحي للأرض وأهلها وقد هدبت أي أرشدت شقائقه، وهي قطع سحابه، لنجد. كأنه جعلها قاتلة في رميها، محيية بلمحها. والشقيقة: البرقة إذا استطارت في عرض السحاب وتكشفت ايضاً.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.