من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال أبو الطمحان القيني
ألا عللاني قبل صدح النوائحوقبل ارتقاء النفس فوق الجوانح
وقبل غد يالهف نفسي عى غدإذا راح أصحابي ولست برائح
يروي (يا لهف نفسي من غد). والصدح: شدة صوت الديك والغراب وغيرهما. والصيدحي: الشديد الصوت. والجوانح: ضلوع الصدر. وارتقاء النفس
فوقها، كما يقال: بلغت نفسه التراقي. فيقول: عللاني بالمقترح عليكما قبل أن أموت فتقوم النوائح علي يندبنني، وقبل ميقات أجلي. وأو أن تخلفي عن أصحابي وقد راحوا عني، لنزول القدر المقدور بي.
فإن قيل: كيف قدم ذكر صدح النوائح على ذكر الموت، وإنما يكون بعده؟ قلت: إن العطف بالواو لا يوجب ترتيباً. ألا ترى أن الله تعالى قال: واسجدي واركعي، والركوع قبل السجود في تريب أفعال الصلاة. وقوله (إذا راح أصحابي) يجوز أن يكون إذا في موضع الخبر بدلاُ من غد، والبدل إذا جاء مؤكداً للمبدل منه ومفصلاً جمله قد لا يستغني عن المبدل منه، وإذا كان كذلك فليس لأحد أن يقول: من شرط البدل أن يلقي المبدل منه ويجعل هو مكانه. وإذا كان كذلك لم يجز أن بلى إذا العامل في غد، وهو (على) أو (من) في الروايتين جميعاً. على أن أبا العباس قد جوز وقوع إذا في موضع المجرور والمرفوع. ويجوز أن يكون نصباً بدلاً من موضع (من غد) أو (على غد) العامل والمعملول فيه جميعاً، لأن موضعهما نصب على المفعول مما دل عليه قوله يالهف نفسي، وهو: أتلهف من غد.
وإنما جاز أن يودع البيتين باب النسيب لرقتهما ولأن المتعلل به كان لذة من اللذات. وهذا عادته في أبواب اختياره.
آخر:
هلة الوجد إلا أن قلبي لودنامن الجمر قيد الرمح لاحتراق الجمر
أفي الحق أني نغرم بك هائموأنك لا خل هواك ولا خمر
فإن كنت مطبوباً فلا زلت هكذاوإن كنت مسحوراً فلا برأ السحرقوله: هل الوجد استفهام لفظه ومعناه النفي، بدلالة وقوع إلا بعده، كأنه قال: ما الوجد، أوليس الوجد إلا هذا الذي بي، وهو أن قلبي لو قرب من الجمر حتى لايكون بينهما إلا قدر رمح لغلب ناره نار الجمر، وكان يحترق. وقوله
" الوجد " مبتدأ وخبره إلا مع ما بعده. وانتصب " قيد الرمح " على الظرف. ويقال: بيني وبينه قاب قوس، وقيد رمح، وغلةوة سهم. وحكى بعض أهل التفسير في قوله تعالى: " فكان قاب قوسين " أن لكل قوي قابين، وهو ما بين المقبض والسية. وأهل اللغة على ما قدمته.
وقوله " أفي الحق أني مغرم بك هائم " فالمغرم: الذي قد لزمه الحب يقال: حبه غرام، أي لاتفصى منه. ومنه عذاب غرام. والهائم: المتحير. والهيام كالجنون من العشق، ومنه المهيم: الذي يهذي بالشيء ويكثر ذكره. والمعنى أنه لايدخل في الحق ووجوهه، وأنواع قسمه. أن يكون حبي لك غراماً، وحبك لايرجع إلى معلوم، ولايحصل على حد محصور. ويقال: ما هو بخل ولاخمر، والمعنى أنه ليس بشيء يخلص ويتبين.
وقوله " فإن كنت مطبوباً " فالطب: السحر والعلم جميعاً. وهو طب، أي عليم. وفي الحديث: " حين طب " أي سحر. وهو مطبوب، أي مسحور. ومعنى البيت: إن كان الذي بي وأقاسيه داءً معلوماً يعرف دواؤه، فلا فارقى فأني ألتذ به - وهذا هو الفتيانية في الهوى، والتجلد على البلاء - وإن كنت مسحوراً، يريد وإن كان الذي بي لايعلم ما هو، وأعيا الوقوف عليه الأطباء، والعلماء بالأدواء، حتى يسلم للسحر فلا فارقني أيضاً. وإنما قال هذا من عادة العامة، لأنهم كذا يعتقدون في الأوصاب والعلل. ولايجوز أن يكون معنى مطبوباً مسحوراً، لأنه يصير الصدر والعجز لمعنى واحد.
آخر:
تشكى المحبون الصبابة ليتنيتحملت ما يلقون من بينهم وحدي
وكانت لنفسي لذة الحب كلهافلم يلقها قبلي محب ولابعدي
هذا كلام من تجلد في الهوى وادعى التلذذ به وإن برح به وأثر فيه، فيقول: شكا المحبون جناية الصبابة عليهم، وجريرة العشق لديهم، وبودي أني تحملت أعباءها كلها وحدي، وخلص للصبر فيها ولها عفوي وجهدي، وكانت نفسي تنال لذة
مجموعها ومفرقها، وتنفرد بمكابدة مجهولها ومعرفها، فأفوز بادعائها، وتسقط المشاركة بيني وبين أربابها ممن سبقني لتقدم زمانه، أو تأخر عني لتأخر ميلاده.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع