من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عبد الله بن عجلان النهدي
وحقة مسك من نساء لبستهاشبابي وكأس باكرتني شمولها
جديدة سربال الشباب كأنهاسقية بردى نمتها غيولها
قوله (وحقة مسك) كناية عن امرأة جعلها لطيب رباها كظرف مسك. ومعنى (لبستها) تمتعت بها. وقال ابن أحمر:
لبست أبي حتى تمليت عيشهوبليت أعمامي وبليت خاليا
وموضع قوله: (شبابي) نصب على الظرف. والمعنى زمن شبابي، ومدة شبابي. والمصادر تحذف منها أسماء الزمان كثيراً. وقوله (وكاس) انعطف على قوله (وحقة مسك) والعامل فيها رب، والواو واو العطف، وليست بنائبة عن رب، بدلالة أنه لو كان كذلك لوجب أن يدخل الحرف العاطف عليه، فيقال ووحقة مسك. والشمول: الخمرة التي لها عصفة كعصفة الشمال وقد قيل: هي التي تشتمل على العقل فتملكه وتذهب به.
وقوله (جديدة سربال الشباب) أدخل الهاء على جديدة، والأكثر أن يقال: ملحفة جديدة. وطريقة سيبويه فيه أنه صفة مذكرة تبعت مؤنثاً، وينوي في ذلك المؤنث ما يكون لفظه مذكراً، كأنه ينوي بالملحفة إزاراً، وما يجري هذا المجرى. وبعضهم يذهب إلى أنه فعيل في معنى فاعل، فلحقه الهاء قياساً، فهو كظريف وظريفة، لأن الفعل منه جد الثوب يجد جدة وبعضهم ذهب إلى أنه فعيل في معنى مفعول، كأن ناسجها جدها قريباً، أي قطعها، فلهذا يستنكر إلحاق الهاء به. ومعنى (جديدة سربال الشباب) أنها في عنفوان شبابها، وأن عليها غضارة الحدوث، ونضارة النشىء، فكأنها سقية بردى. والسقيه في معنى مسقية، جعلها اسماً، فهي كالبنية
واللقيطة. وشببها بها لزيادة خلقتها وحسن بنيتها. ألا ترى أنه قال: (نمتها غيولها). والغيول: جمع الغيل، وهو الماء الذي يجري بين الأشجار. وقال الدريدي: الغيل: الماء الذي بين الحجارة في بطن واد. والغيل، بكسر الغين: الماء يجري بين الأشجار، وربما سموا الشجر الملتف غيلاً. ويشبه هذا قول الآخر:
بردية سبق النعيم بهاأقرانها وغلابها عظم
وفي طريقته قول الآخر:
لم تلتفت للداتهاومضت على غلوائها
وإنما يكون ذلك من نتائج الترفه، ولوائح النعمة. وقد ظهر معنى البيتين بما ذكرته، لأنه تبجح بتعاطيه الصبا واللهو، وشرب الخمر مدة الصبا وأيام الشباب.
ومخملة باللحم من دون ثوبهاتطول القصار زالطوال تطولها
كأن دمقسا أو فروع غمامةعلى متنها حيث ستقر جديلها
قوله (زمخملة) من جملة صفاتها وإن عطفتها بالواو، فعلى هذا لك أن تقول: مررت برجل فاضل عاقل أديب، وأن تقول: برجل فاضل وعاقل وأديب. ومعنى (ومخملة) أن أعضاءها تساوت في ركوب اللحم إياها، وظهور السمن والبدن عليها، فكأن اللحم جعل خملاً لها. وفائدة (من دون ثوبها) أنها ملء درعها، فهي سمينة المعري. وإلى هذا أشار الأعشى في قوله:
صفر الوشاح وملء الدرع بهكنة
وقوله (تطول القصار) يريد أنها ربعة، فإذا حصلت في القصار طالتهن، وإذا حصلت في الطوال طلنها يشير إلى التوسط الذي هو المختار في كل عقل،
ولذلك قيل: (خير الأمور أوساطها) ولأن الغلو والإفراط مذمومان، كما أن القصور والتفريط مذمومان. و (تطول) في البيت معدي، لأنه بمعنى تغلب في الطول، فهو من طاولته فطلته.
وقوله (كأن دمقساً أو فروع غمامة) الدمقس: الحرير الأبيض. وفروع الغمامة، أشار إلى أطرافها وجوانبها والشمس تحتها، لأن تلك الأطراف بشعاع الشمس تشرق أبداً. والمعنى أنها لينة المجس براقة اللون، كأن الحرير وأطراف غمامة استكنت الشمس تحتها على متنها. وقوله (حيث استقر جديلها) تخصيص لما عمه قوله (على متنها). والجديل، هو الوشاح، وما تشده المرأة في حقوها من الأدم المضفور. وليس هذا من عادات العرب. وإذا كان من لونين فهو البريم. وهذا يشد في أحقي الصبيان يدفع به العين.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع