تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال إياس بن الأرت (٢)

هلم خليلي والغواية قد تصبيهلم نحي المنتشين من الشرب
نسل ملامات الرجال بريةونفر شرور اليوم باللهو واللعب

قوله والغواية قد تصبي اعتراض، وكرر هلم على طريق التأكيد. والفائدة في هذا الاعتراض تحقيق القصة المدعو إليها.

وللعرب في هلم طريقتان: منهم من يحريه مجرى أسماء الأفعال، وحينئذ يقع الواحد والجمع مؤنث والمذكر على حالة واحدة، والقرآن نزل به، لأنه قال

تعالى ذكره: " يقولون لإخوانهم هلم إلينا ". ومنهم من يجعل أصلها ها التبيه ضم إليه لم، وهو فعل، جعلا معاً كالشيء الواحد، فيثنبه ويجمعه ويؤنثه. وكان الفراء يقول: هو هل أم تركبا معاً. وليس لهل في الكلام إلا موضعان: أحدهما - وهو الأكثر - أن يكون للاستفهام؛ ولا معنى للاستفهام ها هنا. والثاني: أن يكون بمعنى قد، على ذلك فسر قوله تعالى " هل أتى على الإنسان "، وليس لمعنى قد في هذا مدخل. وإذا كان كذلك فما قاله فاسد. وقوله والغواية قد تصبي يريد أن الغي يدعو صاحبه إلى أمور كثيرة مختلفة، وقد يحمله على الصبا واللهو في الوقت بعد الوقت. وطلب من صاحبه مساعدته على تحيته للشرب، والدخول في جملتهم، وتسلية النفوس عن ملامات من يدعو إلى الرشاد، ويحمل على سلوك طرق الصلاح والسداد، بشرب رية، وهي الكأس الممتلئة خمراً، وقطع وقت الشر والغم باللهو واللعب. وقوله نسل في موضع الجزم، لأنه جواب الأمر. ونفر، معطوف عليه. ويقال: فريت الأديم، إذا قطعته على جهة الصلاح، وأفريته إذا قطعته للفساد.

إذا ما تراخت ساعة فاجعلنهالخير فإن الدهر أعصل ذو شغب
فإن يك خير أو يكن بعض راحةفإنك لاق من غموم ومن كرب

قوله: إذا ما رتاخت ساعة فاجعلنها في طريقته ماأنشده ابن الأعرابي:

إذا كان يوم صالح فاقبلنهفأنت على يوم الشقاوة قادر

وقوله فإن الدهر أعصل، العصل: اعوجاج الأنياب. قال الخليل: ولا يقال أعصل إلا لكل معوج فيه صلابة وكزازة. والمعنى: أن ما يعض عليه الدهر لا يمكن انتزاعه منه، كما لا يمكن انتزاع الشيء من الناب التي فيها عصل. والشغب: تهييج الشر. ويقال: رجل مشغب.

وقوله فإن يك خير أو يكن بعض راحة، يريد أن الدهر لا تصفو أحواله من الكدر، ولا عطاياه من التعب والأذى، فلا تعنه على نفسك، واجتهد في إصلاح ما يفسده، وإلأقاء ما يشق منه. وقوله فإنك لاق من غموم، من زائدة على مذهب الأخفش، كأنه قال: إنك لاق غموماً. وسيبويه لا يرى زيادة من في

الواجب، فطريقته في مثله أنه صفة لمحذوف، كأنه قال: إنك لاق ما شئت من غموم.

وقال آخر:

أحب الأرض تسكنها سليمتيوإن كانت توارثها الجدوب
وما دهري بحب تراب أرضولكن من يحل بها حبيب

يذكر حنينه إلى محل سليمى ومكانها، وميله وإن كان قفراً متردداً في الجدوبة متناهياً أقطاره في اليبوسة، وأن ذلك زعيله لكونها به، فأما حب الأرضين مجردة فليس من دأبة وعادته. وقوله وما دهري بحب تراب أرض، جعل الحب للدهر على طريقتهم في قولهم: نهاره صائم، وليله قائم. والمعنى: ليس حب الأرضين مني بعادة في دهري، وقوله ولكن من يحل بها حبيب يشبه قول الآخر:

ألا يا بيت بالعلياء بيتولولا حب أهلك ما أتيت
للشاعر السموأل، من قصيدة «أعاذلتي ألا لا تعذليني»

يريد أن بيوت في الموضع الذي جئت منه قد كثرت، ولكني قصدتك لحب أهلك. وقوله توارثها أي تتوارثها. فحذف إحدى التاءين استثقالاً. وقد مضى مثله.

أعاذل لو شربت الخمر حتىيكون لكل أنملة دبيب
إذن لعدرتني وعلمت أنيبما أتلفت من مالي مصيب

كأن عاذلة أفرطت في لومه على ما يدمنه من الشرب، ويذهب فيه من طرق اللهو، فقال لها: لو شربت الخمر فأخذت منك، ودبت في عروقك ومفاصلك، وجمعت السار لك، وكشفت أنواع الغم عنك، لعرفت من لذاتها ومنافعها، وحدوث الطرب والجذل في النفوس لها، واستمتاع الروح بنشوتها وقواها، ما يبعثك على بسط عذرى في الولوع بها، والثبات على هواها، ولعلمت أني راكب ثبح الصواب، وغير

عادل عن الواجب في إنفاق المال. معنى لما أتلفت أي من أجل إتلافي. ويروى: بما أتلفت والمعنى أني مصيب بسببه ومن أجله.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.