من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال أبو صعترة البولاني
فما نطفة من حب مزن تقاذفتبه حسن الجودي والليل دامس
فلما أقرته اللصاب تنفستشمال لأعلى مائه فهو قارس
بأطيب من فيها وما ذقت طعمهولكنني فيما ترى العين فارس
قوله حسن الجودي رواه البرقي: به حزن الجودي، وكثير من الناس يرويه: به جنبتا الجودي. وقيل في حسن الجودي: إنه قطعة متصلة بالجودي، والجودي: جبل. وقال صاحب العين: حسن: اسم رمل لبني سعد. وذكر البرقي أن الحزنة والحزن من الأرض والدواب: ما فيه خشونة، والفعل منه حزن حزونة، ورجل حزن: شرس، وقوم حزن. ومن روى: به جنبتا الوادي فالمراد به الكنف والناحية. وبعضهم استدل على أن قول الناس: فلان في جنبة فلان ليس بشيء، وإنما الصواب في جنبة فلان، بسكون النون، استدلالاً بهذا البيت.
وقد روى الأصمعي:
والناس في جنب وكنا جنباً
فيقول: ما ماء اجتمع من حب مزن - وهو البرد، لأن المزن اسم يجمعأنواع السحاب، فهو كالغيم - ترامت به جوانب هذا الجبل والليل مظلم إلى أن زال رنقه، وانقطع كدره. وخبرما قوله بأطيب. ثم وصف الماء بأنه لما حصل في القرارات بعد تقطعه بنضد الحجارة، وجوانب المذانب والأدوية، فزال عنه أكثر شوبه، هبت عليه شماللينة فصفته وبردته. يريد: ما ماء ساربة بهذه الصفة بأعذب من رضاب فم هذه المرأة، ولا أقول هذا عن ذواق واختبار، ولكن عن صدق فراسة، واعتبار مشاهدة.
وفي طريقته قول الآخر:
يا أطيب الناس ريقاً غير مختبرإلا شهادة أطراف المساويك
واللصاب: جمع لصب، وهو شقوق في الجبل. والقارس: البارد. وقوله فارس أراد به المتفرس. ويقال: هو فارس على الخيل بين الفروسة، وإذا كان يتفرس في الأشياء ويحسن النظر فيها قلت: هو فارس بين الفراسة. والدامس: المظلم، ويقال: دمس، أي أظلم؛ وأتيته دمس الظلام.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع