من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال برج بن مسهر
وندمان يزيد الكأس طيباًسقيت إذا تعرضت النجوم
رفعت برأسه وكشفت عنهبمعرفة ملامة من يلوم
الندمان والنديم: من ينادمك على الشراب، ومثله في البناء سلمان وسليم، وحمدان وحميد، ورحمن ورحيم. ومعنى يزيد الكأس طيباً، أي بحسن عشرته، وأدب مجالسته يزداد شرب المدام وإدارة الكأس معه لذة. والمعنى: رب نديم على ما وصفته سقيته إذا تعرضت النجوم، أي أبدت عرضها للغيوب. ويقال: تعرضت الجبل، أي أخذت يميناً وشمالاً فيه، ولم أصتقم في الصعود. وقال:
تعرضى مدارجاً وسومىتعرض الجوزاء للنجوم
ومعنى قوله رفعت برأسه أنبهته من منامه، وأزلت عنه ماكان يداخله من الغم بلوم اللائمين إياه على معاطاة الشرب وإدمانه اللهو، بأن سقيته معرقة - وهي الصرف من الخمر، وقيل هي القليلة المزاج. ويقال: تعرقت الخمرة، إذا مزجتها. وأعرقه الساقي، إذا سقاه معرقاً. وقوله إذا تعرضت النجوم يشير به إلى الاصطباح.
فلما أن تنشى قام خرقمن الفتيان مختلق هضوم
إلى وجناء ناوبة فكاستوهي العرقوب منها والصميم
انتشى ونشى وتنشى بمعنى سكر. والنشوة: السكر. وأراد بالخرق نفسه، وهو الكريم المتخرق بالعروف. والمختلق: التام الخلق. والهضوم، قال الأصمعي: هو المنفاق في الشتاء. وقال غيره: هو الكريم المفضال، كأنه يهضم ماله بأن يخرج منه أكثر من الواجب فيه. والوجناء، هي الناقة الغليظة الوجنتين. وقيل بل هي الصلبة، مأخوذ من الوجين، وهي الأرض الغليظة. قال الخليل: وقل ما يقال للجمل أو جن. والناوية: السمينة.
وقوله فكاست اختصر الكلام، والمراد فعرقبها فكاست. والكوس: المشي على ثلاث قوائم. وأراد بالصميم العضو الذي به القوام؛ يقال: هذا صميم الوظيف، وصميم الرأس. والعرقوب: عقب موتر خلف الكعبين فويق العقب من الإنسان وبين مفصل الوظيف والساق من ذوات الأربع. وعرقبته: قطعت عرقوبه. وقوله وهي
العرقوب إظهار للعلة في كوسها. والوهى: الشق والخرق. وفي المثل " غادر وهية لا ترقع "، أي فتقة لا يطاق إصلاحها ورتقها. والمعنى: لما أيم رسم الاصطباح، وانتشى الندمان، قام هو إلى ناقة بهذه الصفة فعرقبها.
كهاة شارف كانت لشيخله خلق يحاذره الغريم
فأشبع شربه وجرى عليهمبإبريقين كأسهما رذوم
تراها في الإناء لها حمياًكميتاً مثل ما فقع الأديم
ترنح شربها حتى تراهمكأن القوم تنزفهم كلوم
الكهاة: الناقة الضخمة كادت تدخل في السن، وكذلك الكيهاة. والشارف: المسنة. وقوله كانت لشيخ كان الكريم منهم المحسان إلى عشيرته، المفضال على رفقائه وندمائه، يتعمد إذا نحر لهم في الشرب وعند السكر، أن يفعل ذلك في غير ملكه، يستام مالك الجزور بها أغلى الأثمان فيغرمه، ويعد ذلك الغرم غنماً، والصبر على سوء خلقه وإنكاره التبسط في ملكه بغير إذنه كرماً. لذلك قال: له خلق يحاذره الغريم، يريد البخل منه والاستقصاء.
وقد سلك هذا المسلك طرفة فقال ووفى المعنى حقه، وكأنه صب في قالب هذا الشاعر:
وبرك هجود قد أثارت مخافتينواديها أمشى بعضب مجرد
فمرت كهاة ذات خيف جلالةعقيلة شيخ كالوبيل ألندد
يقول وقد تر الوظيف وساقهاألست ترى أن قد أنيت بمؤيد
وقال ألا ماذا ترون بشاربشديد علينا بغية متعمد
فقال ذروه إنما نفعها لهوإلا تكفوا قاصي البرك يزدد
فظل الإماء يمتللن حوارهاويسعى علينا بالسديف المسرهد
قوله فأشبع شربه يعني من النافة المعقورة. وجعل الجاري عليهم بأبريقين والكأس ملأى تقطر؛ لأن شربهم كان بداراً. ثم وصف الخمرة فقال: أحمر فاقع. ويروى مثل ما نصع والمراد خلص. والحميا مصغر لا مكبر له، وقد تقدم القول في بنائه. وكميت: مصغر مرخم، والمراد به تكبيره، وهو أكمت، لذلك جمع على كمت. ومثله فرس ورد، ثم قيل خيل ورد، لأنه أريد به أفعل. ومما جاء مصغراً قولهم كعيت، وهو طائر، وجميل، والثريا، والغبيراء، والمريطاء، واللجين، وهنيدة.
وقوله ترنح شربهم أي لشدتها تويل قواهم، فكأنهم أسارى نزفت دماؤهم. ويقال: ضربته حتى رنحته، أي غشى عليه.
فقمنا والركاب مخيساتإلى فتل المرافق وهي كوم
كأنا والرحال على صواربرمل خزاق أسلمه الصريم
يروى محبسات أي معقولات مناخة بالفناء، وهو الوجه. وروى بعضهم: مخيسات أي مذللات، لكي إذا ركبت للهو، وفي حالة السكر كما فعله هؤلاء، لم تعسف بركبانها، ولم تأت العرضنة فس سيرها. والفتل: جمع أفتل وفتلاء، وهي البعيدة المرفق عن الزور. والكوم: العظام الأسمنة. وقال الخليل. الكوم، العظم في كل شيء. وقوله كأنا والرحال شبه ركائبهم بقطيع من البقر بالرمل الذكور، أسلمه الصريم إلى الصيادين والكلاب، فخفت وعدت. والصريم استعمل في الصبح والليل جميعاً، لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه وقت السحر. وإنما ركبوا بعد الاصطباح للتنزه أو في بطالة حضرتهم.
فبتنا بين ذاك وبين مسكفيا عجبا لعيش لو يدوم
وفينا مسمعات عند شربوغزلان يعد لها الحميم
تبجح بأنهم نالوا أكثر أنواع اللذات، من شرب وقصف، وتنزه ولهو، ومعاشرة وطرب، وتسخ وإفضال، وتند على الندماء وإكرام، وتترف وتعطر، وتمتع بالنساء وتغزل. وقوله فيا عجبا إنما تعجب من استمرار الوقت بمثل العيش الذي وصف، وكيف سمح الزمان به ثم غفل عنه حتى اتصل. والمسمعات: المغنيات. والسماع: الغناء. وذكر الحميم لتنعمهن، ولأن بلادهن كانت صروداً. وعلى هذا قال عمرو بن كلثوم:
مشعشعة كأن الحص فيهاإذا ما الماء خالطها شخينا
قال ابن الأعرابي: سخيناً حال بمعنى مسخن، لأن البرد اقتضاهم بذلك الماء.
وقوله فبتنا بين ذاك يريد أن حاضر وقتهم كان على ذلك ثم تغير.
نطوف ما نطوف ثم يأوىذوو الأموال منا والعديم
إلى حفر أسافلهن جوفوأعلاهن صقاح مقيم
يقول: يكثر الواحد منا التطواف على اللذات، والتجوال في الأطراف لطلب البطالة، وليس مآل الجميع مقترناً وغنينا إلا حفر، يعني بها القبور. ثم وصفها بأنها جوف الأسافل للحودها، وأن أعاليها نصبت عليها حجارة عراض كالسقوف لها، وهي دائمة على هذه أبداً.
وقوله نطوف ما نطوف أي مدة تطوافنا. ويقال: أوى إلى كذا أويا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع