من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عبد الله بن الدمينة
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجدفقد زادني مسراك وجداً على وجد
أأن هتفت ورقاء في رونق الضحىعلى فنن غصن النبات من الرند
بكيت كما يبكي الوليد ولم تزلجليداً وأبديت الذي لم تكن تبدي
الصبا: القبول. يقال: صبت الريح تصبوا صبواً. ومتى هجت، أي متى ثرت واهتجت. يقال: هاج الفحل والريح هياجاً. وهم يخاطبون الريح والبرق إذا كانا من نحو أرض المحبوب. فيقول: متى اهتجت من أرضي نجد فقد زادني سيرك شوقاً، وجدد لي هبوبك على ماكنت أكابده من الوجد وجداً.
وقوله: أأن هتفت، يخاطب نفسه مبكتاً فيقول. ألأن صاحت حمامة ورقاء في أول الضحى واقعة على غصن غض من شجر الرند بكيت بكاء الصبى إذا أعياه مطلوبه، وأظهرت العجز عما حملته، وعهد الناس بك فيما مضى من أيامك ولم تزل ثابت القدم فيما ينوبك، دائم الصبر على بلواك، إن هذا منكر.
وقد زعموا أن المحب إذا دنايمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بناعلى ذاك قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافعإذا كان من تهواه ليس بذي ود
يقول: زعم الناس أن الاستكثار من المحبوب والتداني منه يكسب المحب ملالاً، وأن الاستقلا من زيارته والتنائي عن محله وداره ينتج له سلواً، فداويت بكل واحد من ذلك فلم ينجع؛ إلا أنه على الأحوال كلها وجدت قرب الدار منه خيراً من بعدها عنه، لما توسوس به النفس في الوقت بعد الوقت من طمع فيه، ولتطلع المجاورين له، وتجدد الحديث عنه، إلى كثير مما يعدم في البعاد. ثم رجع فيما أعطى فقال: على أن تقارب الديار لا يكاد ينفع إذا كان المحبوب لا ود له، ولا ميل له. ويروى: ليس بذي عهد، أي لا يبقى على ما عهده عليه.
آخر:
إذا مشت أن تسلى خليلاًفأكثر دونه عدد الليالي
فما سلى خيلك مثل نأىولا بلى جديدك كابتذال
معناهما ظاهر بما تقدم، ويقال: بمعنى سلوت. قال:
لو أشرب السلوان ما سليت
وقال آخر:
ألا طرقتنا آخر الليل زينبعليك سلام هلى لما فات مطلب
وقالت تجنبنا ولا تقربننافكيف وأنتم حاجتي أتجنب
يقول: أتتنا هذا المرأة سحراً فقلت مسلماً عليها: عليك سلام الله هل لما فات من أيام الوصال والإقبال على الإحسان مطلب لي فأسأله. فقالت لي مجيبة: جانبنا ولا تدنون منا. فقلت: أنى يكون مني مجانبة وأنتم في الدنيا حاجتي ومناي، ولا اختيار مع الضرورة، كما أنه لا غنى عن الفاقة. هذا هو ظاهر الكلام. وقد رأيت من يفسره على أن المراد بآخر الليل آخر أيام الشباب. وكان يروى: عليك سلام بفتح الكاف، ويجعل الخطاب والتسليم من المرأة للرجل، ويقول: إنما حيته بتحية الموتى لتولي أيامه، وتناهي عمره، وقولها: هل لما فات مطلب من كلامها معاتبة، كأنها أنكرت التعرض لها وقد فاته دالة الشباب، وشفاعة النضارة والإقتبال. والأولى ما قدمته.
يقولون هل بعد الثلاثين ملعبفقلت وهل قبل الثلاثين ملعب
لقد جل خطب الشيب إن كنت كلمابدت شيبة يعرى من اللهو مركب
المضمر في يقولون المتعصبون للمرأة والناس. يريد: عيروني بتعاطي الصبا واللهو واللعب، بعد تقضي الثلاثين من أيام عمري فقالوا: هل بعد الثلاثين ملعب، أي لا ينبغي اللهو لمثلك، فقلت لهم: وهل قبل الثلاثين ذلك. والمعنى أن من عد ما دون الثلاثين فهو في عداد الصبيان، لا يعرف اللذات، ولا يصلح للبطالات. ويجوز أن يكون المراد: وهل تسهل لي قبل الثلاثين شيء من مباغي اللهو واللعب فينكر مني طلبي إياه بعده.
وقوله: لقد جل خطب الشيب، لقد جواب يمين مضمرة، ولك أن تروي أن كنت كلما، والمعنى لأن كنت كلما. ولك أن تكسر الهمزة فتكون إن المفيدة للشرط، والمراد: إن كنت كلما بدت في رأسي لمعة من الشيب يلزم منها أن أعرى مركباً من مراكب اللهو، فلقد عظم خطب الشيب، ويكون جواب إن في قوله لقد جل خطب الشيب، وكلما في موضع الظرف.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع