من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عروة بن أذينة
إلفان يعنهما للبين فرقتهولايملان طول الدهر ما اجتمعا
مستقبلان نشاصاً من شبابهمإذا دعا دعوةً داعي الهوى سمعا
لايعجبان بقول الناس عن غرضويعجبان بما قالا وما صنعا
البين يقع على وجوه: أحدهما أن يكون مصدر بان يبين وبينونة. والثاني أن يكون ظرفاً، تقول: بين القوم كذا، وهو لشيئين يتباين أحدهما ن الآخر فصاعداً. والثالث أن يفيد معنى الوصل، على ذلك قوله تعالى: " لقد تقطع بينكم ". ألا ترى معناه تقطع وصلكم، ولا يصح أن يكون المراد تقطع افتراقكم، لفساج المعنى. وعلى هذا قولهم: سعى فلان لإصلاح ذات البين من عشيرته، لأن المراد إصلاح الوصل لا الافتراق. والذي في البيت هو الثالث، لأن المعنى: هما متحابان قد ألف كل منهما صاحبه، والذي يهمهماويعنيهما للوصل ما يخشى تعقبه له من الفرقة، فخوفها منها وفكرهما فيها، ولا يكتسبان ملالاً من اتصال طول الدهر. فقوله طول الدهر يجوز أن يكون مفعول يملان، أي لا يملان تطاول الوقت إذا اجتمعا، ومدة اجتماعهما. ويجوز أن يكون طول الدهر. وقوله مستقبلان نشاصاً فالنشاص أصلهالسحاب إذا ارتفع من قبل العين حين ينشأ ويعلو، فاستعير هنا لما يقتبل من الشباب وأيام الصبا واللهو. كأنه يمطرهما النشاط والسرور كما يمطر السحاب الغيث. وجعل ذلك فيهما بحيث يسمعان قريباً دعاء منادى اللهو ويحييانه؛ لأن الوقت وقت التصابي والبطالة. وإلى هذا أشار أبو النواس في قوله:
قد عذب الحب هذا القلب ما صلحافلا تعدن ذنباً أن يقال صحا
وقوله لا يعجبان بقول الناس عن عرض، هو من قولهم: نظرت إليه عن عرض، أي عن ناحية. والمعنى أنه لا يعجبها من مقال الناس وفعالهم شيء، ولا يأخذ قلبهما وعينيهما حديث ولا إبلاع ممن كان عن ناحية وشق، لكن الحسن عندهما فيما يتفاوضانه أو يتقارضانه، والإعجاب يتعلق بما يصنعانه ويؤثرانه؛ إذ كان كل واحد منهما قد صار في ملكة هوى صاحبه، وفي رفاق قبيله، فلا يبصر إلا بعينه، ولا يسمع إلا بأذنه.
وقال:
ولما بدا لي منك ميل مع العدىسواى ولم يحث سواك بديل
صددت كما صد الرمى تطاولتبه مدة الأيام وهو قتيل
قال سيبويه: معنى سوى بدل ومكان تقول. عندي رجل سوى زيد، معناه ومكان زيد وبدل زيد، وعلى ما فسره يكون معنى البيت: ولما بدا لي ميلك مع الأعداء بدل ميلكك إلى ومكان ميلك، ولم يحدث لي بديل مكانك وعوضاً منك أعرضت عنك إعراض المرمى من الصيد المصاب بسهم الصياد، وهو قتيله، لأن الإصابة عملت عملها، لكن المدة تطاولت به، فهو رهين بإصابته. يريد: صددت عنك صدود يأس لا صدود مقلبة، وأنا أعلم أن هواك قاتلي كهذا المرمى الذي لا يشك في كونه قتيلاً وإن طال نفس مهلته، ومد من أمد منيته.
وقال آخر:
أحبا على حب وأنت بخيلةوقد زعموا أن لا يحب بخيل
بلى والذي حج الملبونيتهويشفي الهوى بالنيل وهو قليل
وإن بنا لو تعلمين لغلةإلي كما بالحائمات غليل
الألف من قولهأحبا لفظه الإستفهام ومعناه التوبيخ. وانتصب حبا باضمار فعل، كأنه قال: أتجمعين على حبا على حب، أو أتزيدينني حبا بعد حب، مع بخلك وإيثار زهدك، وعند الناس وفي أحكامهم واعتقادهم أن البخيل لا يكون محبوباً. كأنه عاتبها وقرعها من أمر الذي بينهما، وأنهما من أجله في طرفي نقيض، وفي لون من العشق طريف، وذلك أن معاملتها له معاملة من لا ينتدى عليه ولا يرحمه، ولا يتسخى بشيء له، وأن جذبها إياه في الهوى جذب من لا يكتفي معه بعفوه حتى يجهده ويزيده وجداً على وجد، وألما بعد ألم. قال: هذا حالي معك، وفي زعمات الناس أن القلوب جبلت على حب المحسنين الباذلين، لا المسيئين الباخلين، ثم استدرك فقال: بلى والله المحجوج بيته، المعظم حرمه، المداوي من داء الهوى باليسير الخفيف من النيل، إن البخيل ليحب. ودل على المقسم له بقوله: وإن بنا لو تعلمين لغلة، وهي حرارة العطش، كما يكون غلة الحائمات، وهي الطيور التي تحوم على الماء وتدور من شدة العطش ثم تقع عليه، وقد تكون العطاش أنفسها. وقوله: وأنت بخيلة، الواو واو الحال. وقوله ألا يحب إن شئت جعلت أن الناصبة للفعل فنصبت يحب به، وإن شئت جعلته المخففة من الثقيلة فيرتفع يحب، يريد أنه لا يحب. ثم قال: بلى، وهو جواب استفهام مقرون بنفي. على ذلك قول
الله ﷿: " أليت بربكم قالوا بلى ". كأنه قيل له مستفهماً منه: أيحب البخسيل الممسك؟ فقال: بلى وأقسم أيضاً، تأكيداً. والحج: القصد. والنيل: مصدر فلته أناله. وقوله لو تعلمين، كالعذر لها، وقد أقامه مستعطفاً، يصورها بأنها لو علمت ما به كانت لا تستجيز ما يجري عليه.
وقال آخر:
إذا كنت لا يسليك عن من تودهتناء ولا يشفيك طول تلاق
فهل أنت إلا مستعير حشاشةلمهجة نفس آذنت بفراق
يخاطب نفسه متوجعاً لها، ومستوحشاً من الحالة التي منى بها، فيقول: إذا لم تستوفق مع من تحب التباعد عنه، وأخذ النفس بالتفصى منه، ليورثك سلوا دونه، ولم يقرب شفاءك من الداء فيه طول الاجتماع معه، واتصال التردد منه، والمريض في العرف والعادة إذا اشتكى من دواء عولج به نقل إلى ما يضاده، فإن لم يغن سلم لعلته، فكذلك أنت إذا لم ينفعك فيما تقاسيه لا التنائي ولا التداني، فما ذاك إلا غرام، وما أنت فيه إلا مستعير حشاشة، وهي روح القلب، ورمق من حياة النفس وقد آذنت بالمفارقة. والمهجة: خالصة النفس؛ ومنه لبن أمهجان.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع