تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال الشماطيط الغطفاني

أرار الله مخك في السلاميإلى من بالحنين تشوقينا
فإني مثل ما تجدين وجديولكني أسر وتعلنينا
وبي مثل الذي بك غير أنيأجل عن العقال وتعقلينا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أرار الله مخك في السلامى»

قوله: " أراد الله " يخاطب ناقته ووجدها تحن فقال داعياً عليها: جعل الله مخك ريراً. والرير: الرفيق من المخ. والقصد في الدعاء إلى أن يجعلها الله نضواً مهزولاً، وخص اللامى لأنها والعين آخر ما يبقى فيه المخ عند الهزال. لذلك قال الشاعر:

لايشتكين ألماً ما أنقينمادام مخ في السلامي أو عين

وقوله: " إلى من بالحنين تشوقينا "، يجوز أن يكون إنكاراً منه على الناقة في حنينها، ويجوز أن يريد تفخيم شأن المشتاق إليه، كأنه قال: تشوفينني بحنينيك إلى إنسان وأي إنسان، ويكون " من " اسماً نكرةً، ويكون الكلام خبراً، وفي الأول يكون استفهاماً. وإنما أنكر ضجراً بها، لأنه لم يدر أحنينها إلى ولد أو وطن أو صاحب.

وقوله: " فإني مثل ما تجدين " يجوز أن يكون " وجدي " في موضع النصب، على أن يكون بدلاً من المضمر في إني، ويكون مثل في موضع خبر إن، فكأنه قال: إن وجدي مثل ما تجدين، ويجوز أن يكون وجدي في موضع الرفع على الابتداء،

ومثل خبر له مقدم، والجملة في موضع خبر إن، كأنه قال: إني وجدي مثل ما تجدين.

وقوله: " ولكني أسر وتعلنينا " يريد إن عقلي يمسكني، وإن كان وجدي مثل وجدك وبرحي مثل برحك، عن إظهار التألم، وفي القلب ما فيه، وأنت تعلنين وتصيحين.

وقوله: " وبي مثل الذي بك " يقول: إن نزاعي مثل نزاعك، ولكني يؤمن مني أن أهيم على وجهي، إذ كنت أضبط نفسي بما أعطيت من تمييزي وإبقائي، وأنت تعقلين مخافة أن تندي على وجهك، إذ لا مسكة بك، ولا رقبة لك، ولا حياء يردعك، ولا رعة تمسكك.

وقال:

ولما أبى إلا جماحاً فؤادهولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ولما أبى إلا جماحا فؤاده»
تسلى بأخرى غيرها فإذا التيتسلى بها تغري بليلى ولاتسلي
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ولما أبى إلا جماحا فؤاده»

يقول: لما عصى قلبه وتأبى إلا جماحاً في لجاجته، وخروجاً عن طاعته، ولم تنصرف نفسه عن ليلى شغلاً بتئمير مال، وترقيح عيش، ولا بإرضاء أهل واستصلاح عشيرة، أخذ يطلب السلو عنها في مواصلة غيرها من النساء وشغل القلب بحبها دونها، فإذا التي طلب التسلي بها تبعث على الرجوع إلى ليلى، وتحض على ترك الإيثار عليها، لأنه يظهر من زيادات محاسنها، وأنواع ما توحدت به من فضائلها، ما يدعو إلى التشبث بها، وعمارة هواها. وجواب لما أبى " تسلى ". والجماح من قولهم: جمح الفرس، إذا جرى جرياً غالباً لراكبه. وقوله " فإذا التي تسلى بها " إذا هي هذه التي للمفاجأة، ومن الظروف المكانية لا الزمانية، وما بعده مبتدأ وخبر، فإنه لم يجعل مستقراً.

اخر:

عجبت لبرئى منك يا عز بعدماعمرت زمانا منك غير صحيح
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عجبت لبرئي منك يا عز بعدما»
فإن كان برء النفس لي منك راحةًفقد برئت إن كان ذاك مريحي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عجبت لبرئي منك يا عز بعدما»
تجلى غطاء الرأس عني ولم يكدغطاء فؤادي ينجلي لسريح
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عجبت لبرئي منك يا عز بعدما»

يقول: قضيت العجب من انصراف قلبي عنك، وبرئي من الداء فيك، بعد ما بقيت زماناً مبتلي النفس في هواك، عليل القلب بوجدك، مبرحاً بي حبك؛ فإن كان برء النفس يعقب لي راحةً منك وفي هواك فقد برئت والراحة منتظرة، إن كانت من نتائجه ومسبباته. ثم قال " تجلى غطاء الرأس " يريد شبت واستبدلت بلون وسواد شعري لوناً آخر حديثاً، فكأن المتقدم كان كالغطاء على رأسي، تكشف بالتأني، ولم يكد ما تغشى قلبي من حبك ينكشف بالهويني.

فإن قيل: في ظاهر هذا الكلام تناقض، لأن القائل إذا قال كدت أفعل كذا معناه شافهت فعله وشارفته، ولا يكون قد فعله؛ وإذا قال: لم يكد فلان يفعل كذا، معناه يقرب وقوع ذلك منه. فإذا كان كذلك فقد نفى عن نفسه ما أثبته بقوله " تجلى غطاء الرأس " لقوله: ولم يكد غطاء فؤادي ينجلي لسريح؟ قلت: لو أمسك عند قوله " ولم يكد غطاء فؤادي ينجلي " لكان الأمر على ما قلت، لكنه لما قال " لسريح " بين أنه لم يكن عن سهولة وبعجلة، وقلة تعب ومشقة، فنفيه في الحقيقة لقلة التعب والسهولة لا للانجلاء، وإذ كان كذلك يكون الغطاء قد انجلى عن القلب، لكنه انجلى بعد طول مزاولة نصب، ومقاساة كمد، وعن شدة تفاقم، وبلاء ملازم. ويقال في الدعاء للمرأة إذا طلقت عند الولادة: اللهم اجعله سهلاً سرحاً. فالسراح والتسريح والسريح كلها في طريق واحد، وهو السهولة والعجلة. ويقال: سرحه اللهتعالى للخير، أي وفقه له وعجله. وفي المثل: " السراح من النجاح ".

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.