من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال العباس بن مرداس (٤)
قليلة لحم الناظرين يزبنهاشباب ومخفوض من العيش بارد
أرادت لتنتاش الرواق فلم تقمإليه ولكن طأطأته الولائد
تناهى إلى لهو الحديث كأنهاأخو سقطة قد أسلمته العوائد
الناظران: عرقان في مدمع العينين: يصفها بأنها ليست بجهمة الوجه، لكنها أسيلة الخدين، ويزينها شباب مقتبل، ورفاهة من العيش ودعة، ويقال: عيش خفض، وخفضت عيشه فهو مخفوض. والبارد: الثابت. ويقال: برد لي على فلان حق، أي ثبت.
وقوله أرادت لتنتاش الرواق، فالانتياش: التناول. يصفها بأنها مخدمة لا تبتذل نفسها في مهنة، ولا في عارض خدمة، حتى أنها إذا أرادت تناول رواق البيت - والرواق: ما مد مع البيت من ستارة - لم تترك والقيام إليه، ولكن قدمته الولائد، وأملنه لها حتى نظرت إلى ماوراءه، فإذا كانت في مثل هذا تودع وتكفي، فما هو أثقل منه أبعد من استعمالها فيه. والطأطأة: خفض الرأس وغيره عن الاشتراف. ويقال للفارس إذا ضبط فرسه بفخذيه ثم حركه للحضر: طأطأ فرسه. وقوله: تناهى إلى لهو الحديث أراد أنها تنصب من كل أحوالها إلى اللهو، وتنتهي إليه، إذ كان ما عدا اللهو قد كفيت، فهي منعمة لا تتعلل إلا باللعب والهزل، فكأنها عليل يترفرف عليه ويشفق، حتى يترك لا يهمه شيء، ولا يشغله شأن، يعني أنها في توفرها على الحديث والملاهي على نعمتها وكسلها، كذلك العليل في توفره على مقاساته ما به.
آخر:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمتعلى ودوني تربة وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أوزقاإليها صدى من داخل القبر صائح
واعبط من ليلى بمالا أنالهألا كل ما قرت به العين صالح
يقول: لو أن هذه المرأة سلمت علي وقدمت فحال بيني وبينها صفائح القبر، وثرى اللحد، لتسرعت إلى جوابها، وقابلت سلامها ببشاشة مني لها وطلاقة وجه، لتلقيها وإجابتها. فإن حصل منع دون المراد صاح إليها صدى لي من داخل قبري بدل جواب مني. وهذا على اعتقادهم كان، أن عظام الموتى تصير هاماً وأصداء. وقوله: وأغبط من ليلى، يقول: إني مرموق ومحسود منذ عرفت بلبلي وإن لم أنبل منها مطلوباً، ولا حصلت من الشقاء بها طائلاً. ثم قال: ألا كل مافرت به العين صالح، يريد أني قرير العين بأن أذكر بها وتعرف بي دون طلابها، وهذا القدر نافع وإن تجرد مما سواه.
وقال آخر:
فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثهافلن تمنعوا مني البكا والقوافيا
فهلا منعتم إذ منعتم حديثهاخيالاً يوافيني على النأي هاديا
يقول: إن حلتم بيني وبين ومنازعتها الكلام، والتأنس بحديثها، وحبس النفس على التزود منها ومن مغازلتها، فإنكم لا تقدرون على ما أنا بصده من البكاء لها وجداً فيها، ومن قرض الشعر في النسيب بها؛ وإذ قد منعتم حديثها والدنو منها، فهلا حبستم عني خيالاً عارفاً بالطريق على البعد بيني وبينها، حسن الاهتداء إلى حيث ذهبت عنها، يزورني في المنام فيطري من الشوق ما أخلق، ويعيد من الهوى مادرس. وهذا الكلام تحسير لهم، وتشهير بمكايدتهم، وتذكير بما يسوؤهم، وإعلام أن العهد بينهما مرعي، والهوى مما يقدح فيه من الجانبين
محفوظ، بدلالة أنه لو استجفاها لامتنع خيالها، لزوال نومه، وذهاب هدوه. ألا ترى الآخر يقول:
وكان يزورني منه خيالفلما أن جفا منع الخيالا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع