تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال أبو حية النميري

رمتني وستر الله بيني وبينهاونحن بأكناف الحجاز رميم
فلو أنها لما رمتني رميتهاولكن عهدي بالنضال قديم

رميم: اسم المرأة، وارتفع لأنها فاعلة، وقد بنى على رمتني. وأراد بستر الله الإسلام. فيقول: نظرت إلى رميم، ى فكأنها رمتني بسهم، ونحن مقيمون بأكناف الحجاز، والإسلام حاجز بيني وبينها، يمنع من مغازلتها ومراودتها. ومثل قول الهذلي:

فليس كعهد الدار يا أم مالكولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائلسوى الحق شيئاً واستراح العواذل

كنى عن الإسلام في منعه عن القبائح وأنواع الفحش والظلم بالسلاسل في الأغلال المحيطة بالأيدي والأعناق. وقوله فلو أنها لما رمتني رميتها، جواب لو محذوف، والمراد لو تعرضت لها وقابلتها في عرض محاسنها بمثل ما يكون للشبان بمنزلة الشفعاء عند النساء، لحق الأمر وكان القدر يجري إلى القدر، ولكني قد شخت وكبرت، فعهدي بمناضلة النساء قديم.

؟ وقال آخر:

أسجناً وقيداً واشتياقاً وعبرةًونأى حبيب إن ذا لعظيم
وإن امرأ دامت مواثيق عهدهعلى كل ما قاسيته لكريم

انتصب سجناً بإضمار فعل، كأنه قال: أتجمع علي حبساً وتقييداً، واشتياقاً إلى حبيب وبكاء، مع بعد بيني وبينه، إن ذلك أمر منكر فظيع، يتضايق نطاق الصبر عن احتماله والبقاء معه، وأشار بذا إلى اجتماع هذه الأشياء عليه، ونبه على عجزه في احتمالها لولا كرم عرقه، واستحكام عقده. ألا ترى أنه تحمد بحاله، واعتد على حبيبه بقاءه على العهد له. ودوام وده على اجتماع هذه الأحوال عليه، فقال: إن امرأ دامت مواثيق عهده، يريد: إن رجلاً ثبت على أولية شأنه، ومبادىء مواثيقه،

مع ما يقاسيه من تزاحم هذه البلايا على قلبه، لكريم المهد، نببه الشأن، وثيق العقيدة.

ويروى: أسجن وقيد بالرفع، والمراد: أتجمع هذه الأشياء على طريق التفظيع والتهويل.

وقال آخر:

رعاك ضمان الله يا أم مالكولله أن يشفيك أغنى وأوسع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «رعاك ضمان الله يا أم مالك»
يذكرنيك الخير والشر والذيأخاف وأرجو والذي أتوقع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «رعاك ضمان الله يا أم مالك»

أشار بقوله: ضمان الله إلى ما في القرآن من قوله تعالى: " أدعوني أستجب لكم "، فقال: أنا أدعو بأن يشفيك الله ﷿ يا أم مالك، وقد ضمن الإجابة للداعي فرعاك ضمانه. ثم قال: ولله بأن يشفيك، فحذف حرف الجر، والجار يحذف مع أن كثيراً، لأن حذفه حذفه أظهر غناء وأوسع قدرة. ونبه بهذا الكلام أنه في كلته الأمر إلى الله تعالى الغني القادر اعتمد على ما لا بد من وقوعه. وقوله يذكرنيك الخير والشر، يريد: أنه لا ينساها في شيء من الأحوال والأوقات، فما يتقلب فيه من خير باكر، أو شر طارق، فهو يذكره، وكذلك ما يخاف وقوعه أو يرجوه، ولم يصر منهما على يقين يذكره أيضاً، وكذلك ما صار منه على يقين، فهو يتوقعه، يذكر أيضاً. وإذا تأملت حوادث لدهر وجدتها لا تنقسم إلا إلى قسمته، لأنها لا تخلو من أن تكون محبوبة أو مكروهة، أو واقعة أو منتظرة، أو مخوفة أو مرجوة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.