تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال أو دهبل الجمحي

أأترك ليلى ليس بيني وبينهاسوى ليلة إني إذا لصبور
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «عفا الله عن ليلى الغداة فإنها»

قوله: أأترك، لفظه الاستفهام والمعنى معنى الإنكار، كأنه أنكر من نفسه أن يترك التعريج على ليلى وبينهما مسيرة ليلة، فقال: أأخل بزيارتها وأداء واجبها مع قرب المسافة بيني وبينها؟ إني إذاً لمتناه في الصبر عن الأحباب، كسول عن البر بذوي الأذمة والأسباب. وإنما قال هذا باعثاً لصحبه على مساعدته، وطالباً منهم تمكينه من من مراده. لذلك قال:

هبوني امرأ منكم أضل بعيرهله ذمةإن الدمام كبير
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أأترك ليلى ليس بيني وبينها»
وللصاحب المتروك أعظم حرمةعلى صاحب من أن يضل بعير
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أأترك ليلى ليس بيني وبينها»
عفا الله عن ليلى الغداة فإنهاإذا وليت حكماً على تجور
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «عفا الله عن ليلى الغداة فإنها»

قوله هبوني، معناه احسبوني واجعلوني، وهو يتعدى إلى مفعولين. وحكى ابن الأعرابي: وهبني الله فداءك بمعنى جعلني فداءك. وقوله أضبل بعيره، يقال

في الشيء الزائل عن مكانه إذا فقد: أضللته، فإن ثبت في مكانه ولم يهتد إليه قيل: ضللته. وقوله: إن الذمام كبير، كالتفات، وقوله: أضل بعيره في موضع الصفة لامرأ، وكذلك له ذمة صفة أخرى. ومعنى منكم من خاصتكم وبطانتكم، وهو يفيد معنى الوصف أيضاً، والمعنى: أجروني مجرى رجل منكم ند له بعير، وله ذمام الصحبة والنسب والقرابة، فإن للذمام حقه، وحرمه المرافقة كبيرة، ودعوني أقض من حق ليلى واجبه، ولا تستعجلوني في ذلك ولا تمنعوني عنه، ثنم قال: فإنكم إذا تركتموني ولم توفروني على ماأهم به فيما يختص بي لها، كنتم وتركتم رفيقاً لكم وضيعتموه أشد ما كان حاجة إليكم، والرفيق أعظم حرمة في صاحبه المتروك من ضلال بعير. يريد: وإذا عد ترك الاستبناء بمن أراد نشدان ضالته، تجوزا في المحافظة، وتعديا في حكم المرافقة كان مثل ذلك إذا فعل مع من يروم تجديد العهد بروحه، والاستبقاء على لبه، أعظم في الجناية، وأقبح في الأحدوثة.

وقوله: عفا الله عن ليلى الغدة، تشك وتألم من سوء معاملتها وأنها متى حكمت فيه وفيما يتعلق به جارت ولم تنصف. وهذا الكلام منه إيذان بأنها تستعظم الصغير إذا وقع منه، بل تعده كبيرة وتغلظ العقوبة عليها، والمؤاخذة بها.

وقال آخر:

أآخر شيء أنت في كل هجعةوأول شيء أنت عند هبوبي
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
مزيدك عندي أن أقيك من الردىوود كماء المزن غير مشوب
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

قوله: في كل هجعة، العامل فيه أآخر، وكذلك عند هبوبي العامل فيه أول شيء. يقول: لا أخلو من ذكراك ساعة؛ لأني إن نمت كان خيالكسميري مدة هجوعي، وإن أوقظت كنت لزيم ذكراك مدة يقظتي، فأنت في النوم آخر شيء لي، ولا فاصل بين الحالين. ثم قال: والذي يزيدك من عندي ألا أشهر بك، ولا أبوح بسرك، ولا أعلن النسيب بإسمك، إذ كان في جمعية تنفيرك، وتعريضك للردى: فضيحتك، فأنا أقيك من ذلك، وأنا أصفي لك الود حتى لا يشركك في قلبي أحد، فيصير ثاوي الود مشوباً، وصافي الهوى مكدراً ويجوز أن يكون المراد: مزيدك عندي أن أدعو الله تعالى بالصيانة لك، وتوفير الحياطة عليك من كل ما تكرهينه، أو يؤدي إلى شينك فيما ترومينه.

والذي يشهد لقوله من الردى وأن المراد به الفضيحة قول امرىء القيس:

صرفت الهوى عنهن من خشية الردىولست بمقلي الخلال ولا قال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

ألا ترى أنه كان ملكاً لا يخاف معارضاً له فيما يتعاطى من اللهو، ويختاره من الصبا والبطالة مع من كان وفيمن اتفق، فكيف ما يتعداه من طلب الغوائل له، لكنه عند انتشار الحديث فيه، وقيام الناس وقعودهم يذكره هلاكاً وعطباً. وقوله أن أقيك في موضع خبر المبتدأ وهو مزيدك، وانعطف عليه قوله وود كماء المزن.

وقال آخر:

ما أتصف ذلفاء أما دنوهافهجر وأما نأيها فيشوق
تباعد ممن واصلت فكأنهالآخر ممن لا تود صديق

يقول: جارت هذه المرأة علي في حكم الهوى ولم تنصف، لأني إن طلبت التداني منها هجرتني واطرحتني، وإن رمت التنائي منها شوقتني وهاجتني، وإذا كانت من مواصلها متباعدة، ولموادها مهاجرة، فكأنها تصادق معاديها، وتخالص منابذها من دون مواصلها ومقاربها، وهذ عجب من مثلها. وقوله أما دنوها فهجر، المعنىى في دنوها فتهجر. ألا ترى أنه قال وأما نأيها فيشوق، كأنه: وأما في نأيها فتشوق. إلا أنه جعل فعلها منسوباًإلى دنوها ونأيها.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.