من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال ابو القمقام الأسدي
إقرأ على الوشل السلام وقل لهكل المشارب مذ هجرت ذميم
سقياً لظلك بالعشي وبالضحىولبرد مائك والمياه حميم
لو كنت أملك منع مائك لم يذقما في قلاتك ما حييت لئيم
الوشل هاهنا: ماء معروف في أرض محبوبه. وقال الدريدي: الوشل: موضع معروف بعينه. والوشل: الماء القليل يترقرق على وجه الأرض. وقال صاحب العين: الوشل محرك: الماء القليل يتحلب من صخرة أو جبل، يقطر منه قليلاً قليلاً. والوشل: القاطر، يقال: جبل واشل: يقطر منه الماء. والشاعر أهدى إليه التحية، وراسله أن المشارب كلها مذمومة عنده منذ تحول عنه وترك وروده. ثم دعا لظله بالسقيا فقال: سقيا لظلك بالعشى وبالضحى. والظل يكون للشجرة وغيرها بالغداة، والفيء بالعشى، فكان في الواجب أن يقول: سقيا لظلك بالغداة، ولفيئك بالعشى. ألا ترى قول الآخر:
فلا الظل من برد الضحى نستطيعهولا الفيء من برد العشى نذوق
إلا أنه سمى الفيء ظلاً لتشابههما في منظر العين والغناء. فلما تساويا وأجرى عليهما معاً لفظة الظل، وكان الواو يفيد الجمع من دون الترتيب - لم يبال أن يقول بالعشى وبالضحى، فيقدم بالعشى، وإن كان الظل أليق بأن يليق بالضحى لو جرد. ولم يشبه هذا قول القائل: فلان أشعر الجن والإنس، لتركه فيما تقدمه من المعطوف والمعطوف عليه طلب المطابقة والموافقة. ألا ترى أن الوجه في هذا أن يقال: فلان أشعر الإنس والجن ليصح لفظ الأول، ويضاف أشعر إلى ماهو بعضه ثم يجيء الثاني؛ وأن قولك: سقياً لظلك وقد نويت إجراء الظل للفيء أيضاً صار حكمه حكم
اللفظة الموضوعة لشيئين، فإذا كان كذلك فأيهما أوليته من العشي والضحى فقد وقع إلى جنب ما يطابقه ويوافقه. فإن قيل: لو سلم لك ما نقوله وتدعيه من الاستعارة لما سلم الكلام المتنازع من أنه جاء على غير حده؛ وذاك أن الظل يكون في الضحى حقيقة علىالمجاز. قلت: إن الظل فيما حكاه الخليل ضد الضح، ويقال: أفاء الظل وتفيأ. وفي القرآن: " يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل "، فهو ظل قبل التفيؤ وبعده، وإنما نسخة للشمس هو الذي صار به فيئاً، وإذا كان كذلك لم يكن من باب ما يكون حقيقة في شيء، ومجازاً في آخر. وهذا بين. وقوله والمياه حميم فالواو فيه للابتداء، وهو واو الحال.
وقوله لو كنت أملك منع مائل جواب لو هو قوله لم يذق. وهذا الكلام فيه إظهار الضنانة بالماء المذكور، واستمراره في الحسد إلى كل حد معلوم بسببه، حتى كان بزعمه يمنع اللئام مدة حياته، ويعني به أربابه فيما أظنه، لأنهم أعداؤه. والقلات: جمع القلت، وهي حفرة في الجبل يستنقع فيها ماء المطر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع