من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال محمد بن بشير (٢)
بيضاء آنسة الحديث كأنهاقمر توسط جنح ليل مبرد
موسومة بالحسن ذات حواسدإن الحسان مظنة للحسد
وترى مدامعها ترقرق مقلةسوداء ترغب عن سواد الإئمد
وصف المرأة بإشراق اللون. ومعنى آنسة ذات أنس، لأن الحديث يؤنس ولا يأنس، كقولهم: هم ناصب، والمراد منصب. ثم شبهها بقمر توسط السماء فيما جنح من ليل كان فيه غيم وبرد. والقمر إذا خرج من حلك الغمام في ليلة مطيرة كان أضوأ وأحسن. ويجوز أن يكون قوله ليل مبرد، يراد به ليل ذو برد أو برد، ويكون من باب أشملنا، أي دخلنا في الشمال، وأشتينا، أي دخلنا في الشتاء. ويقال: بردت
الأرض، إذا مطرت البرد، فهي مبرودة. وأبردنا، أي دخلنا في البرد أو البرد، وكذلك قزله شملنا: أصابتنا ريح الشمال، وأشملنا: دخلنا في الشمال. وقال الخليل: يقال أبرد القوم، إذا صاروا في وقت القر في آخر النهار. والأبردان: طرفا النهار. وقال الشاعر:
إذا الأرطي توسد أبرديهخدود جوازي بالرمل عين
يصف بقرة وحشية بأنها تتوسد غصون الأرطي التي تلي الغرب بالغداة، فإذا دارت الشمس دارت معها إلى ناحية الشرق، فتوسدت الغصون التي مالت الشمس عنها. وقوله موسومة بالحسن، يريد أنه جعل سيماها الحسن، فهي ممسوحة به موسومة. وأصل السمة العلامة، ومنه السيما. ومعنى ذات حواسد، أي من يراها من الناس يحسدها، لأن الحسان معلم للحسد. وهكذا كما يقال: إن الحسد يتبع النعم.
وقوله وترى مدامعها ترقرق مقلة، فالمدامع مسابل الدمع من القبائل في الرأس. ومعنى ترقرق مقلة، أي ترقرق الدمع في مقلة. والرقراق: الدمع الذي يترقرق في العين ولا يسيل. قال:
أو الدر رقراقة المنحدر
والمعنى أنها كحلاء، وأن الدمع يتجمع في مقلة لها مستغنية عن سواد الكحل، لكحلها.
وقال آخر:
صفراء من بقر الجواء كأنماترك الحياء بها رداع سقيم
من محذيات أخي الهوى جرع الأسىبدلال غانية ومقلة ريم
وقصيرة الأيام ود جليسهالو دام مجلسها بفقد حميم
وصفها بأنها درية اللون، وأن فيها مشابه من بقر الجواء، وأنها حيية قليلة الحركات لنعمتها، قليلة الكلام لفرط حيائها، فكأن بها نكس سقم لما الفته من الكسل. وقال الخليل: الردع والرداع: النكس؛ ورجل مردوع. وقيل الرداع: الوجع في الجسد. فأما قول الأعشى:
بيضاء ضحوتها وصفراوالعشية كالعراره
فجعل لها لونين: بياضاً في أول النهار، وصفرة في آخره حتى لونها لون العرار. وإنما يريد أنها تقيل فيمتد النوم بها إلى آخر النهار، والقائم من نومه أبداً يكون متغير اللون. ومثل قوله ترك الحياء بها رداع سقيم، قول الآخر:
كأن لها في الأرض نسياُ تقصهعلى أمها وإن تكلمك تبلت
وقوله من محذيات أخي الهوى، يريد أنها من النساء اللاتي تسقى الشبان وهي الحذيا والحذوة. والأسى: الحزن.
وقوله بدلال غانية تعلق الباء منه بمحذيات. والغانية: التي تستغني بجمالها عن الحلي. والريم: الظبي الخالص البياض. والمعنى: أنها تفتنه بعينها وكلامها وغنجها.
وقوله " وقصيرة الأيام " يريد أنها لاتمل، فالأيام في ملازمتها قصيرة، حتى أن مجالسها يود أن يدوم مجلسها له وإن فقد أقاربه. والقصد إلى أنها طيبة الحديث، مؤنسة المجلس، مصرفة الملازم في أصناف الملاذ حتى ينسى كل شيء غيرها، ويبشم جميع المناظر سواها.
وقوله " بفقد حميم " الباء فيه يفيد معنى العوض، فهو كما يقال: هذا لك بكذا، أي عوضاً منه.
وقال آخر:
ونار كسحر العود يرفع ضوءهامع الليل هبات الرياح الصوارد
أصد بأيدي العيس عن قصد أهلهاوقلبي إليها بالمودة قاصد
شبه النار في حمرتها وتصاعدها بسحر العود. والسحر: الرئة وما تعلق بالحلقوم. ويقال لمن نزت به البطنة: انتفخ سحره؛ كما يقال: عدا طوره. وأكثر ما يقال ذلك لمن جبن عن شيء. والعود: الجمل المسن؛ وقد عود، أي نيب، والجميع العودة، وفي لغة: العيدة. ويستعمل العود في السؤدد القديم، والطريق العادي.
وقوله " يرفع ضوءها " يريد أن هبات الرياح الباردة تهيجها، فكأنها ترفع من ضوئها في ظلام الليل ومعه. والصوارد: البوارد، وهي من صفة الهبات.
وقوله " أصد بأيدي العيس " جواب رب.
ويشبه البيت الثاني قول الآخر:
يا بيت عاتكة الذي أتعزلحذر العدى وبه الفؤاد موكل
ومثل البيت الأول قوله:
تنورتها من أذرعات وأهلهابيثرب أدنى دارها نظر عال
وهذا منهم على التشوق والتحفي. ألا إنهم كانوا يتعللون بما كان من نحو أرض الحبيب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع