من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال جميل (٣)
وقد حارب الفخذ الين منهم بثينة:
تفرق أهلانا بثين فمنهمفريق أقام واستقل فريق
فلو كنت خواراً لقد باخ ميسمىولكنني صلب القناة عتيق
كأن لم نحارب يا بثين لو انهاتكشف غماها وأنت صديق
قوله أهلانا أراد شعبيهما. وقال الخليل: أهل الرجل: أخص الناس به. وأهل البيت: سكانه. وأهل الإسلام: من يدين به. وبثين: نداءمفرد مرخم. وقوله فمنهم فريق أقام، تفصيل لما أجمله في تفرق. وإنما افترقوا حتى ارتحل قوم وأقام قوم للخلاف الواقع كان بينهما.
وقوله فلو كنت خواراً، تنبيه على كراهته لما حدث، وإظهار أن ميله مع أهل بثينة، فقال: لو كنت ضعيف المسكة منحل العقدة، لكان ميسمي وقد بخ، أي زالت حرارته، وسكنت حميته، بما أقاسيه وأشاهده حالاً بعد حال، من عوارض الدهر ونوائب الزمان، ولكنني عتيق النبع، صليب القناة. وهذا مثل ضربه لإبائه، وبقائه على طريقة واحدة في العهد والوفاء. ثم اعتذر بعد ذلك فقال: كأن لم نحارب يا بثين، يريد أن جميع ما يجرى عليه يخف ويهون إذا بقيت له على ما فارقها عليه، وتعاقدا له، حتى كأنه لم يقع تجاذب بين الحيين، ولا تحارب بين الأهلين، إذا انكشفت الغيابة الحاصلة، وارتفعت العناية الراكدة، وتلك باقية على المصافاة. ويقال: باخت النار بوخا وبؤوخاً، إذا خمدت. والغمى، هي الخصلة المظلمة. ولك أن تروى تكشف بالرفع، يريد تتكشف، فحذفت إحدى التاءين استثقالاُ لاجتماعهما. وإنما عدل عن الإدغام إلى الحذف؛ لأنه كان يحتاج عند الإدغام لسكون أول الحرفيين، إلى جانب ألف الوصل، وألف الوصل لا تدخل على الفعل المضارع. ولك أن تروى تكشف على أن يكون التاء للماضي. وجواب لو في قوله كأن لم نحارب، والواو من وانت واو الحال. وذكر صديق لأن المراد ذات
صداقة، ولو قال صديقه لجاز. قال:
إذ الناس ناس والزمان بغرةوإذ أم عمار صديق مساعف
وقال آخر:
شيب أيام الفراق مفارقيوأنشزن نفسي فوق حيث تكون
يقول: أثرت أيام الفراق في فأبدلني بالشاب مشيباً، وبالجدة والقوة خلوقة ووهناً شديداً، وأزعجت نفسي من مقرها فارتفعت من مركزها إلى ما فوقها، فالشيب وإن جاء قبل حينه يؤذنني باقتراب المهل، ونشوز النفس يبشرني بدنو الأجل. هذا إلى ما اعانيه من حوادث الفراق، ولواذع الاشتياق. وقوله فوق حيث تكون جعل حيث اسماً وأضاف فوق إليه. وحيث في الأمكنة بمنزلة حين في الأزمنة. ولذلك احتاج إلى جمليتن. وتكون: مستقبل كان التامة، ومعناه يقع ويحصل. ويقال للرجل إذا تزحف عن مجلسه فارتفع فويق ذلك: نشز نشوزاً، وأنشزته إنشازا. وقوله أيام الفراق مفارقي، يسمى التجنيس الناقص. وفرق الرأس ومفرق واحد.
وقد لان أيام اللوى ثم لم يكدمن العيش شيء بعدهن يلين
يقولون ما أبلاك والمال غامرعليك وضاحي الجلد منك كنين
فقلت لهم لا تعذلوني وانتظرواإلى النازع المقصور كيف يكون
حمد أيامه باللوى إذ كان فيه اجتماع مع الأحبة، ومساعفة من المقدار والأقضية. ثم تعقب بزعمه ما صعب منها وخشن، لما حدث من البعاد فيه فاستنكر، فلم يستوفق بعدها شيئاً من الأوقات، ولا ارتضى حالاً من الأحوال، لتعسر العيش، ونكد الفراق.
وقوله: يقولن ما أبلاك والمال غامر، يريد أن الناس متعجبون من شأني وأمري، مستنكرون ما يشاهدون من حؤولي وضمري، فيرجعون بالسؤال علي، ويقولون: ما الذي بلاك، وهزلك وأنضاك، وفي مالك وفور، والضاحي من جلدك بالكسوة مستور، فلا تبذل للحرور اعتراك، ولا إضافة في المعاش تغشاك. قال:
فأجبتهم بأن اصرفوا عني العقب والملام، واعتبروا حالي بالنظر إلى البعير الحان إلى وطن، مع أنه أغلظ ما خلقه كبداً، وأثبت على الشدائد نفساً وجلداً، كيف يضج، ولو خلى كيف يهيم على وجهه ويند. واعلموا أن ما يبلغ به من العجة والغباوة، حقيق بأن يكمد مثلي ما توحدت به من التمييز والتحصيل، والفرق بين أحناء الأمور وأبحاثها. وقد أخذ أبو تمام هذا المعنى فنقله إلى الدار وقد خلت من السكان فقال:
إن شئت الا ترى صبراً لمصطبرفانظر على أي حال أصبح الطلل
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع