تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال معدان بن مضرب

إن كان ما بلغت عني فلامتنيصديقي وشلت من يدي الأنامل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إن كان ما بلغت عني فلامني»
وكفنت وحدي منذراً في ردائهوصادف حوطاً من أعادي قاتل

قد مضى تفسيره في باب الحماسة.

وقال آخر:

صفا ود ليلى ما صفا لم نطع بهعدواً ولم نسمع به قيل صاحب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «صفا ود ليلى ما صفا لم نطع به»
فلما تولى ود ليلى لجانبوقوم تولينا لقوم وجانب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «صفا ود ليلى ما صفا لم نطع به»
وكل خليل بعد ليلى يخافنيعلى الغدر أو يرضى بود مقارب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «صفا ود ليلى ما صفا لم نطع به»

سلك في هذا مسلك ذي الرمة حين قال:

فيا مي هل يجزى بكاي بمثلهمراراً وأنفاسي إليك الزوافر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لمية أطلال بحزوى دوائر»

وقد زيف النقاد هذا وقالوا: ذو الهوى لا يستدعي ممن يهواه المكافأة على ما يتحمله فيه، وقد عاب ابن أبي عتيق على كثير قوله:

ولست براض من خليلي بنائلقليل ولا راض له بقليل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألا حييا ليلى أجد رحيلي»

وقال: هذا كلام مكاف لا كلام محب. فقوله ود ليلى، يجوز أن يكون الود مضافاً إلى المفعول، والمراد ودنا لليلى، فينتصب موضع قولهما صفا، لكون

ظرفاً، والمعنى: صفا ودنا لليلى مدة بقائه خالصاً مما يشوبه ويفسده من طاعة عدو لها، وإصغاء إلى قيل ناصح يتنصح فيها. ويجوز أن يكون المراد: صفا ودنا لليلى مدة صفاء ودها لنا، فحميناه من قدح الأعداء فيه والإصغاء إلى قيل اللائمين وعتبهم له. ويدل على هذا التفسير قوله من بعد:

فلما تولى ود ليلى لجانبوقوم تولينا لقوم وجانب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «صفا ود ليلى ما صفا لم نطع به»

فإن قيل: كيف زعمت أن المعنى ما صفا ودها لنا، وقد ذكرت أن الود مضاف إلى المفعول؟ قلت: إن المضمر في الثاني هو ود ليلى، والمصدر كما يضاف إلى المفعول يضاف إلى الفاعل أيضاً، واللفظ لفظ واحد. وإذا كان كذلك صلح أن ينوي في قوله ما صفا عود الضمير إلى ود ليلى، ويكون ليلى فاعلة لأن اللفظ ذلك اللفظ، فيكون التقدير: صفا ود ليلى ما صفا ود ليلى. والمعنى: صفا ودنا لليلى ما صفا ودها لنا، أي صافيناها ما دامت تصافينا. ويجوز أن يكون ود ليلى أضاف الود إلى ليلى، وهي الفاعلة، لكنه حذف لمضاف وأقام المضاف إليه مقامه، والمراد: صفا جزاء ود ليلى منا ما صفا هو في نفسه لنا. وقد روى: لم تطع بها عدواً فيعود الضمير إليها، وكذلك ولم نسمع بها. وإذا رويت به يعود الضمير إلى الود. وقوله: فلما تولى ود ليلى، يرد: ود ليلى لنا. والمعنى: لما مالت إلى جنبة غير جنبتي، وقوم غير قومي، نفضت يدي من الاعتماد عليها، وأخليت قلبي من هواها، وصرفت نفسي إلى جنبة أخرى غير جنبتها، وطائفة أخرى غير طائفتها، لأني كما أصل أقطع، وكما أخالط أزايل، ولست ممن يقتل نفسه في إثر من لا يريدني إذا تولى عني. وقوله تولى، يجوز أن يكون من التولي الإعراض والذهاب، ويجوز أن يكون من الولاء والطاعة.

وقوله: وكل خليل بعد ليلى يخافني، يريد أن الناس لما رأوا ولوعي بليلى، وصفاء عقيدتي في الميل إليها والبقاء على العهد معها، ثم رأوا بعده انصرافي عنها في أقرب المدد، ولأدنى السبب، صار كل خليلي فيما بيني وبينه يخافني على الغدر. ويتهمني في الود، فلا يطلب مني التناهي فيما يجمعني وإياه، خوفاً من الإعراض عنه، أو يرضى معي ومن جهتي بود قريب لا سرف فيه ولا اشتطاط.

وقال آخر:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةوذكرك لا يسري إلي كما يسري
وهل يدع الواشون إفساد بينناوحفرا لنا العاثور من حيث لا ندري

هذا كلام متبرم بالهوى، مستقيل من الوشاة وإفسادهم، متفاد من تحريشهم وألبهم، متمن أن تنقطع أسباب الهوى، وتنقلع أغراس الود.

وقوله " ليت شعري " موضع شعري نصب لأنه اسم ليت. وقوله " هل أبيتن ليلةً " سد مسد مفعولي شعري، لأن معناه علمي، وبتعدي تعديه، وخبر ليت مضمر لايظهر. والتقدير: ليت علمي واقع، وما يجري مجراه والمعنى: أتمنى أن أعلم هل أبقى أنا ليلةً من ليالي الدهر وخيالك لايسري الساعة، وهل أرى نفسي سليمةً من رمي الوشاة وطلبهم إفساد ما بين وبينك، وحفر المغواة لنا إذا غبنا عنهم من حيث لانشعر ولاندري فنتقيه ونحذره. فإن قيل: كيف جاز أن يكنى عن الخيال بالذكر حتى قال: " وذكراك لايسري إلي "؟ قلت: إن الخيال في المنام لايكون إلا عن التذكر في اليقظة، يشهد لذلك قول أبي تمام الطائي.

نم فما زارك الخيال ولكنك بالفكر زرت طيف الخيال

وهذا ظاهر وعليه مباني وصف الخيال.

والعائور: مصيدة للبهائم، ويجعل اسماً للمتالف، وهو فاعول من العثار والعثور، وكذلك استعير للنقص في الحسب، لأن صاحبه يعثر به عن غاية السابق. وانتصب قوله " العاثور " من المصدر المنون وهو حفراً، وأقوى ما يكون المصدر في العمل إذا كان منوناً، إذ كان شبه الفعل فيه أقوى. وقال بعض أصحاب المعاني: إنما يتمنى أن يملكها على حد يسقط تسوق المفسدين فيه، ويأمن التبعة معه، ويرتفع العشق والهوى من بينهما.

آخر:

إن كان هذا منك حقاً فإننيمداوى الذي بيني وبينك بالهجر
ومنصرف عنك انصراف ابن حرةطوى وده والطى أبقى من النشر

يقول: إن كان هذا الذي يظهر منك موافقاً لما يبطن، وهذا الإعراض عن جفاء وقلىً لادلال وهوى، فإني سأداوي ما بيني وبينك بالتهاجر، وقاعد عنك قعود حر لايصبر على الجفاء والتدابر، ولايرضي من وديده بالمماذقة دون الصفاء، فأطوي ودي معه وأصونه عن النشر، لأن الطي أوقى فيه، وصيانته عن الإبتذال أوعى له.

وإنما قال: ابن حرة، والقصد إلى الكريم من الرجال، الذي يصون نفسه ونفس صاحبه فلا يوحش مع التهاجر، ولا يفحش على التنكر والتباغض، لكنه يلزم المجاملة والمساترة في كل حال، لأن الأم إذا كانت متملكة تبعها الولد في الرق، فيحصل الرق والهجنة معاً، ومتى كانت حرة لم يتبع الولد أباه في الرق وإن كان عبداً مملوكاً، ولكنه يكون هجيناً غير عربي خالص.

آخر:

وفي الجيرة الغادين من بطن وجرةغزال كحيل المقلتين ربيب
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة»
فلا تحسبي أن الغريب الذي نأىولكن من تنأين عنه غريب
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وفى الجيرة الغادين من بطن وجرة»

كان شعبا الشاعر وصديقته مجتمعين ببطن وجرة زماناً، فوقعت الألفة بينهما ثم افترقوا، فقال متأسفاً في إثرها، ومتلهفاً لما فاته من الاجتماع بينهما: وفي الخلطاء الباكرين من هذا المكان امرأة كأنها غزال مكحل العينين مريب في البيوت، منعم بالاقتناء، ملك قلبي. ثم قال مخاطباً لها: لا تظني أن الغريب من بعد عن سكنه، ونأى عن إلفه ووطنه، ولكن الغريب هو من تبعدين عنه وفي يدك قياده، فعلى البعد تجذبينه، ومن مراده تمنعينه، وقد ضاق عنه مكانه حتى صار فيه كمن نأى عن أهله، وحصل في غير أرضه ومنزله.

وقال آخر:

بنفسي وأهلي من إذا عرضوا لهببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أمنك أميم الدار غيرها البلى»
ولم يعتذر عذر البريء ولم تزلبه سكتة حتى يقال مريب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أرى أهل ليلى أورثوني صبابة»

تعلق الباء من قوله " بنفسي " بفعل مضمر، كأنه قال: أفدي بنفسي وعشيرتي إنساناً - ويعني به محبوبه - إذا اجتمع عليه اللوام، وتصرفوا في فنون الغض منه والعتب عليه، فآذوا قلبه وضيقوا صدره، ارتبك في الجواب وحار، ولم يدر لغرارته بماذا يجيب، ولسوء اهتدائه بوجود الحيل كيف يتخلص، فلا عذره عذر من لا جناية له، ولاسكوته سكوت من لااحتفال بهم معه، فهو في إطراقه وخفوته إذا قضيتم نفذت فيه بأنه مريب، مرتكب، ولما رمى به مكتسب، استدلالاً بسكوته على الذنب، وبإمساكه عن إقامة المعاذير على صحة القرف.

وقال آخر:

أرى كل أرض دمنتها، وإن مضتلها حجج، يزداد طيباً ترابها
ألم تعلمن يا رب أن رب دعوةدعوتك فيها مخلصاً لو أجابها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أرى كل أرض دست فيها وإن مضت»

يقول: أرى كل مكان أقامت فيه هذه المرأة زمناً فأثرت فيه أثراً يزداد على استمرار السنين والأحقاب ترابه طيباً، وإن لم يكن لإقامتها أوان ممتد وزمان متصل، فقوله " يزداد " في موضع المفعول الثاني لأرى. ودمنتها: فعل مبني من الدمنة: أثر الدار وما سود بالرماد وغيره، فكأن معنى دمنتها أثرت فيها بالإقامة. وانتصب " طيبا " على التمييز، وقد نقل الفعل عنه لأن الأصل يزداد طيب ترابها، فجعل الفعل للتراب فأشبه " طيباً " المفعول. وعلى هذا: قررت به عيناً. فإن قيل: هل في هذا دلالة على صحة قول المخالف لسيبويه في جواز تقديم التمييز إذا كان العامل فيه فعلاً، وهل يفصل بين هذا البيت وبين ما استدلوا به من قول الآخر:

وما كان نفساً بالفراق تطيب

قلت: لادلالة في هذا الذي نحن فيه وإن كان البيت الذي أوردته أمكن التعلق به، حتى ذكر أصحاب سيبويه أن الرواية على غيره، وهو:

وما كان نفسي بالفراق تطيب

وذلك أن " طيباً " لم يقدم على العامل وهوالفعل، وإنما قدم على ما صار فاعلا، وإذا كان كذلك لم يصح الاحتجاج به له، لأن الموضع المختلف فيه هو جواز تقدمه على العامل فيه وامتناعه منه لاغير، فأما مادام واقعاً بعد الفعل فلا مستدل به على موضع الخلاف.

وقوله " ألم تعلمن يا رب أن رب دعوة "، أن مخففة من أن الثقيلة، والتقدير: أنه رب دعوة. وفي رب لغات: إحداها التخفيف. وكأنه يتضرع في هذا الكلام إلى خالقه ومن يستغيث به فيما يقاسيه، ويقرر في الدعاء عليه أنه قد ضمن الاستجابة في قوله تعالى: " ادعوني استجب لكم " فقال: إنك تعلم يا رب أني قد أخلصت دعاءك في أوقات كثيرة لطلبتي لو اقترن بالدعاء إجابة وإسعاف، وضمانك الأصح الأوفى، فاستجب. وفيه أيضاً ما يجري مجرى الاستزادة إذا توجه إلى غيره تعالى. وانتصب " مخلصاً " على الحال. وقوله " لو أجابها " يريد به لو أجاب فيها.

وأقسم لو أني أرى نسباً لهاذئاب الفلا حبت إلى ذئابها
لعمر أبي ليلى لئن هي أصبحتبوادي القرى ما ضر غيري اغترابها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أرى كل أرض دست فيها وإن مضت»

قوله " أقسم " جملة تنوب عن اليمين، والجواب " حبت إلى ذئابها " متعلقاً بالشرط المذكور، وهو أن تكون مناسبة. وجواب لو هو ما صار جواباً لليمين، وكذا يقع الشرط والجزاء بعدها، تقول: والله لئن جئتني لأكرمنك ويروى: " حبت " بفتح الحاء والأصل حببت، وفعل في المضعف قليل. ويروى " حبت " بضم الحاء، وهو بناء لما لم يسم فاعله. ويقال: حببته فهو محبوب، لغة في أحببته.

وقوله " لعمر أبي ليلى " إقسامه بأبيها تعظيم لها، وتنبيه على محله من قلبه، وأنه إلى من يجمعه وإياها علقة وإن ضعفت، فكيف أبوها والمختص بها. وفي هذا زيادة على ما قاله الآخر، وهو:

ومن بينات الحب أن كان أهلهاأحب إلى قلبي وعيني من أهلي
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

واللام من " لئن " موطئة للقسم، وجواب القسم ما ضر، والمعنى: إن عادت هذه المرأة إلى موضعها من وادي القرى لم يضر غير ي البعد منها، والاغتراب عنها. وقوله " اغترابها " يريد اغترابي عنها، ويجوز أن يريد تباعدها

وقال آخر:

لعمرك ما ميعاد عينيك والبكابداراء إلا أن تهب جنوب
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة
أعاشر في داراء من لا أحبهوبالرمل مهجور إلى حبيب
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة
إذا هب علوي الرياح وجدتنيكأني لعلوي الرياح نسيب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لعمرك ما ميعاد عينك والبكا»

يقول: وبقائك ما الموعد بين البكاء وأنت بداراء إلا عند هبوب الجنوب، وإنما قال هذا لأن الجنوب كان مهها من أرض صاحبته، فعلى هذا التأويل يكون " والبكا " في موضع الجر عطفاً على عينيك. ولا يمتنع أن يكون المراد. ما ميعاد عينيك مع البكا بهذا المكان إلا إذا هبت الجنوب؛ فيكون مفعولاً معه. ولإنما قال ذلك لأنها تهدي إليه أريجتها، أو يعتقد أنها رسولها، فتجدد ذكراها، وتطري الوجد بها، فيبكي شوقاً إليها. وقال الخليل: الميعاد لايكون إلا وقتاً أو موضعاً. وإذا كان كذلك فالميعاد مبتدأ وخبره أن تهب، والمراد وقت هبوبها، حتى يكون الآخر هو الأول، إلا أنه حذف المضاف.

وقوله " أعاشر في داراء من لا أوده " شكو من الدهر حين جمع بينه في داراء وبين من لاهوى له معه، وفرق بينه وبين محبوبه فجعله بالرمل.

وقوله " إذا هب علوي الرياح " يريد: إذا هبت الريح من نحو عالية نجد، فكأني يجمعني وإياها نسب، لاهتزازي لها، وارتياحي لهبوبها، فأنا أنتظرها ترقب المسافر وقد دنا موافاته.

آخر:

هل الخب إلا زفرة بعد زفرةوحر على الأحشاء ليس له برد
وفيض دموع العين يا مي كلمابدا علم من أرضكم لم يكن يبدو
للشاعر أبو وجزة السعدي، اقرأ القصيدة

الاستفهام هنا في معنى النفي، كأنه حاجته صاحبته أو إنسان لائم أو غيرهما، فيما يدعيه من الحب، فقال راداً عليه حين كذبه في دعواه: ما الحب إلا تتابع الزفرات تحسرا، والتهاب توجدفي الحشا لايتعقبه ابتراد، وسيلان دمع من العين لا

يرقئه انقطاع، في كل وقت ظهر في مرأى العين له جبل من أعلام ارضكم لم يكن يبدو من قبل، وجميع ذلك أعتاده من نفسي، ويدركه من يتأمل حالي، وتصدقه المشاهدة مني.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.