تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال ابن ميادة

كأن فؤادي في يد ضبئت بهمحاذرةً أن يقضب الحبل قاضيه
وأشفق من وشك الفراق وإننيأظن لمحمول عليه فراكبه
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

الضبث: القبض على الشيء؛ ومنه ناقة ضبوث، أي لايشك في سمنها إذا ضبث على سنامها. وانتصب " محاذرة " لأنه مفعول له، وموضع " أن يقضب " نصب من محاذرةً. فيقول: كأن قلبي يعصر بقبض قابض عليه، لخوفي من أن يقطع الوصل قاطعه من البين، ومع ذلك أخاف من وقوعه سريعاً لقوة الأمارات، وتتابع المحذرات المنذرات. وإنما قال " أظن لمحمول عليه، والظن بمعنى اليقين، فهو مثل قوله تعالى: " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ". وقوله " لمحمول عليه " إيذان بأنه ليس يقع عن اتفاق معه أو مشاركة في تدبيره. وأظن مقعوله الأول، والثاني مستدل عليه، لأن المراد ذلك في ظني أو علمي، فهو ملغىً. والقضب: القطع، ومنه سيف مقضب وقضاب. ووشك الفراق: سرعة القطيعة. ويقال أوشك هذا أن يكون، أي أسرع.

فوالله ما أدري أيغلبني الهوىإذا جد البين أم أنا غالبه
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فإن أستطيع أغلب وإن يغلب الهوىفمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه

يقول: شارفت فراق الأحبة بالدلائل اللائحة، وأحلف بالله ما أعلم من حالي إذا وقع، أأجزع أم أصبر.

وقوله " إذا جد جد البين " يجوز أن يكون المراد: إذا ازداد جده جداً، كأنه يظهر من جلية أمره ما يزول اللبس والشبهة معه. ويجوز أن يريد: إذا صار هزله جداً، فسماه بما يؤول إليه، كما يقال: خرجت خوارجه، وريع روعه. والمراد أنه

التبس عليه إذا باغته الفراق حاله معه، فلا يدري أي الأمرين يقع: أيغلبه الهوى فيسلبه التجمل، ويلبسه التهتك، أم يغلب بدوام مسكته وكمال تثبته الهوى فيستمر حال السلامة به. ثم قال كالمتسلي والمنقاد لخاتمة الكائنة: فإن أطقت وكان في مقدوري - إذا اجتهدت - غلب الهوى فهو المراد؛ وإن جرى القدر بخلافه فمثل ما أقاسيه يغلب معانيه، ويجتذبه إلى ما يكرهه، وعذره لائح.

وقال آخر:

فيا أهل ليلى أكثر الله فيكممن أمثالها حتى تجودوا بها ليا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فمامس جنبي الأرض إلا ذكرتهاوإلا وجدت ريحها في ثيابيا

بنى الكلام على أن عشيرتها والمالكين أمرها إنما ضنوا بها لأنها معدومة النظير فيهم، وأقبل يستعطفهم ويدعو لهم بأن يكثر الله أمثالها وأشباهها فيهم، حتى يتركوا المنافسة، وتحتمل قلوبهم الجود له بها. وقوله فما مس جنبي الأرض إلا ذكرتها يريد: ما اضجعت للمنام خالياً بنفسي إلا امتنع النوم فقام ذكرها مقام خيالها، ثم صرت من الشوق والتحفي أتصورها معي، وأجد رائحتها في ثيابي. وهذا المعنى هو مخالف لمعنى الأنس بالخيال.

وقال آخر:

تقول العدى لا بارك الله في العدىقد أقصر عن ليلى ورثت وسائله
ولو أصبحت ليلى تدب على العصالكان هوى ليلى حديثاً أوائله
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تقول العدا لا بارك الله في العدا»

يروى: وارثت وسائله. المراد بالعدى الوشاة المفسدون. وأصل البركة الثبات مقترناً بالنماء ومنه مبرك الإبل، وبراكاء القتال. ويقال: أقصر عن الشيء، إذا كف عنه وهو يقدر عليه؛ وقصر عنه، إذا عجز؛ وقصر، إذا فرط. يقول: ادعى الوشاة أني قد كففت عن ليلى وزال ولوعي بها، وأن وسائلي لديها قد أخلقت وتقطعت، فلا بارك الله فيهم فإنهم ادعوا باطلاً، واختلفوا إفكاً، ومرادهم إفساد قلبها علي، وصرفها عن الإنطواء على الجميل لي وفي. ثم ذكر ما دل به على بقائه على العهد، واستمراره في

عمارة الود، وعلى بطلان قولهم فيما صنفوه، وبهتهم وتمويههم فيما نسبوه إليه ووضعوه، فقال: لو شاخت ليلى حتى يصير مشيها دبيباً وهي متوكئة على عكاز، لكان هواها في قلبي جديداً أوائله، شديداً أركانه وقواعده.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.