تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال ابن الدمينة

ألا لا أرى وادي المياه يثيبولا النفس عن وادي المياه تطيب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا لا أرى وادي المياه يثيب»
أحب هبوط الواد بين وإننيلمشتهر بالواد بين غريب

قوله يثيب أي يجعل لي ثواباً، ويقسم لي لتوفري عليه رداءا ونفعا، ويجوز أن يكون من قولهم: بئر لها ثائب، إذا كان ماؤها ينقطع أحياناً ثم يعود؛ فيكون أثاب بمعنى صار لها ثائب، كأن الوادي كان كان اتفق فيه مواصلة بينه وبين محبوبه ثم انقطع، فكان لا يثوب خيره، وهذا الذي قلناه في أثاب ذكره أبو زيد. ويجوز أن يكون ذكر الوادي كالكناية عنها، فيقول: ليست تسلو نفسي عن وادي المياه وما يتصل به وعن أحبتي فيهما، وأراه لا يوجب لي مثل ما أوجبه، ولا يرضخ لي جزاء على ما أتحمله، وأنا أحب النزول بالواديين والانتعاش بزيارتهما، لكني مشتهر بهما غريب لا ناصر لي فيهما، فأحتاج أن أحاذر الرقباء خوفاً على نفسي، وتفادياً مما يلحق صاحبي من المروه والإعنات بسبي.

أحقا عباد الله أن لست وارداًولا صادراً إلا على رقيب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا لا أرى وادي المياه يثيب»
ولا زائراً فرداً ولا في جماعةمن الناس إلا قيل أنت مريب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا لا أرى وادي المياه يثيب»

هذا شرح للاشتهار الذي أجمله، والاغتراب الذي اشتكى منه. وقوله أحقا، في موضع الظرف، كأنه قال: أفي حق. وأن لست أن مخففة من الثقيلة، وموضعه بما يعده موضع الابتداء، وأحقا في موضع الخبر. وقوله فرداً، انتصب على الحال، والعامل ما دل عليه ولا زائراً، من الفعل، فيقول: أفي حق يا عباد الله أنى لا أراد الوايين، يعني وادي المياه، وما ذكره فيما بعد من ذكر الكئيب الفرد، ولا أصدر عنهما إلا وعلى رقيب محافظ، يعد لحظاتي وأنفاسي، ويتأمل قصودي وإرادتي، ولا أزورهما منفرداً ولا في صحابة إلا وسلطت على التهم، ونسبت فيما أتعاطاه إلى الريب، حتى ضاق علي المجال، وأظلم لي المسرح والمطاف.

وقوله إلا قيل، في موضع الحال، أي لا أزورهما إلا مقولاً فيه ذلك. وموضع أنت مريب، الجملة رفع على أنه قام مقام فاعل قيل.

وهل ريبة في أن تحن نجيبةإلى إلفها أو أن يحن نجيب
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أمنك أميم الدار غيرها البلى»
وإن الكئيب الفرد من جانب الحمىإلى وإن لم آته لحبيب

قوله هل ريبة، لفظه استفهام ومعناه النفي، فيقول: لا ريبة في حنين أحد المتألفين الكريمي العهد إلى الآخر، ولا استنكار فيما تنطوي عليه النفس من الهوى والود، ولا محاسبة فيما يوجب المتحابان ويؤثرانه من المصافة على البعد، وإن موضع الحبيب من جانب الحمى قلبي موكل به وإن لم أزره، إذ كان مجانيتي إياه، وتأخرى عنه، لإبقائي على الحال بيني وبين من أحتشمه، ولإيثاري صيانته من تحدث الوشاة فيه، لا لغيره.

لك الله إني واصل ما وصلتنيومثن بما اوليتني ومثيب
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أمنك أميم الدار غيرها البلى»
فلا تتركي نفسي شعاعاً فإنهامن الوجد قد كادت عليك تذوب
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أمنك أميم الدار غيرها البلى»
وإني لأستحييك حتى كأنماعلي بظهر الغيب منك رقيب
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أمنك أميم الدار غيرها البلى»

قوله لك الله، يجوز أن يكون جعاء لها، والمعنى: إحسان الله لك، وحفظه مشتمل عليك. ويجوز أن يكون قسماً، كما يقال أعطيك الله، وجوابه إني واصل.

وكأنه أقسم لها أو دعا لها بأنه يبقى على العهد لها مدة دوام مواصلتها وبقائها على المصافاة والإيثار له، وأنه يوجب من إعظامها والثناء عليها، ومكافأتها بالحسنى فيما تسدى إليه وتوليه ما ينتفي عنه سمة التقصير والإقصار. ووجه الدعاء لها استعطافها وترقيق قلبها، ويكون كالتشبيب من السائل.

وقوله فلا تتركي نفسي شعاعا، فالشعاع: المنتشر، وكذلك الشع والفعل منه شع. ويقال: تطاير القوم شعاعاً، أي متفرقين. فيقول: أحفظي نفسي عن الانتشار والزوال، فإنها شارفت الذوب والسيلان وجداً بك، وشافهت التلف والبوار شوقاً إليك. ثم قال: وإني مستحي منك على البعد، إعظاماً لك، وتهيباً منك، حتى كلأن لك رقيباً معي في كل حال، فأتفف عن المنكرات، وأتنزه عن ذميم المقالات، فكوني لي على ما توجبه صورتي، وتقتضيه قصتي. ومثل هذا قول الآخر:

وإني لأستحي فطيمة طاوياًخميصاً وأستحي فطيمة طاعما
وإني لأستحييك والخرق بيننامخافة أن تلقي أخا لي لائما
للشاعر المرقش الأصغر، من قصيدة «ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما»

وقال آخر:

تحمل أصحابي ولم يجدوا وجديوللناس أشجان ولي شجن وحدي
أحبكم ما دمت حيا فإن أمتفوا كبدا ممن يحبك بعدي

الشجن: الحاجة، والجميع الأشجان والشجون. قال:

والنفس شتى شجونها

وموضع وحدي نصب على المصدر، وهو موضوع موضع الإيحاد. يقول: ارتحل أصحابي ولم ينلهم من الوجد ما نالني، وفي نفوس الناس حاجات وقد أوحدت نفسي بحاجة إيحاداً. ثم أقبل على المحبوب مفسراً لشجنه الذي تفرد به، فقال أحبكم مدة حياتي، وإذا مت فواكبدا ممن يلي حبكم بعدي. وهذا تحسر في إثر ما يفوته من الهوى إذا فارق الدنيا. ويروى: من ذا يحبكم بعدي.

وقد عيب الشاعر بهذا فقيل: لم يرض بأن جعل لها محباً حتى صار يتحزن له. وقال بعض أصحاب المعاني: في هذا ظلم للشاعر، وذلك أن غرضه في التماسه محباً لها إشادة ذكرها، وإعلاء قدرها، وتشهيرها عند الناس حتى يصير لها الجاه عند السلاطين. قال: وكثير من نساء العرب طلبن التشبيب من الشعراء مع العفة، كعزة، وليلى، ومية. ولخلفاء بني أمية وأقرانها من الأمراء معهن محاورات.

ويروى عن بعض السلف الصالحين أنه حج، فلما قضى نسكه قال لصاحب له: هلم نتمم حجنا! ألم تسمع قول ذي الرمة:

تمام الحج أن تقف المطاياعلى خرقاء واضعة اللثام
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «تمام الحج أن تقف المطايا»

والطريقة في تصرفه وتحسين قوله ما قدمته.

وأشنع من هذا قول الآخر:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمتأوكل بدعد من يهيم بها بعدي

وقد قيل في هذا أيضاً: إنه لو قال:

فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي

لكان صواباً، سالماً مما يهجنه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.