من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال سوار بن المضرب
يأيها القلب هل تنهاك موعظةأو يحدثن لك طول الدهر نسيانا
إني سأستر ما ذو العقل ساترهمن حاجة وأميت السر كتمانا
عتب على قلبه في عصيانة له، واطراحه مواعظه، وولوعه المستمر على تطاول الدهر، وتقادم الأمر، وقال: هل لين الوعظ منك أو أحداث مواصلة الأيام واستمرارها نسياناً لك، فتكف عما يكره منك، أو تقبل بعض ما تدعى إليه من رشدك.
وقوله " أو يحدثن " زاد النون الخفيفة في المعطوف من غير أن حصل في المعطوف عليه، وهو " ينهاك " مثله؛ وساغ ذلك لأنهم ألفوا زيادة إحدى النونين فيما ليس بواجب من الأفعال، فكأنه قدر أن الأول حصل فيه النون فزاد في الثانية، لتوهم مثله في الأولى، واستمرار العادة بزيادته. وهذا كما عطف في بيت امرىء
القيس:
فظل طهاة اللحم من بين منضجصفيف شواء أو قدير معجل
قوله أو قدير معجل، وهو مجرور، على صفيف شواء وهو منصوب، لنيته حذف التنوين، وجعل الإضافة بدلاً منه في منضج.
وقوله " إني سأستر ما ذو العقل ساتره "، وصف نفسه بحسن التماسك فيما يأتيه، واستعمال العقل في ستر ما يجب إخفاؤه من حاجاته، وضبطه للسر، وقوة كتمانه، حتى يصير السر كالميت الذي لاأثر له. ويشير بذلك كله إلى دوام وفائه، واتصال عهده، وكتم ما يجري بينه وبين محبوبه. وانتصب " كتماناً " لأنه مفعول له، ويجوز أن يكون في موضع الحال، كأنه قال: كاتماً له.
وحاجة دون أخرى قد سنحت لهاجعلتها للتي أخفيت عنواناً
إني كأني أرى من لاحياء لهولا أمانة بين الناس عريانا
يريد: رب حاجة عرضت لها ولأظهرتها وفي النفس خلافها، لأني جعلت المظهر في التوصل به إلى المضمر كعنوان الكتاب الذي يظهر وما ينطوي عليه الكتاب مستور. يصف نفسه بالذكاء وجودة الفطنة، وحسن التأني، والاهتداء فيما يرومه للحيل اللطيفة. وكل ذلك لئلا يقف مةقفاً يوجه إليه الظنون السيئة، ويجلب عليه القالة المنكرة.
والعنوان يجوز أن يكون فعوالاً من عن لي الشيء، إذا اعترض؛ ويجوز أن يكون فعلاناً من عناء كذا. وفيه لغات وكلام طويل أتيت عليه في (شرح الفصيح).
وقوله إني كأني أرى من لا حياء له، يريد: من خلع ربقة الحياء، واطرح حشمة الناس، وعرض الأمانة للضياع، والمروءة للزوال، فحكمة حكم من أظهر عورته، وهتك لعائبيه ستره، ورضى بما نيل منه، وتحيف من عرضه ودينه.
وقال آخر:
أها بك إجلالاً وما بك قدرةعلي ولكن ملء عين حبيبها
وما هجرتك النفس أنك عندهاقليل ولكن قل منك نصيبها
انتصب إجلالاً لأنه مفعول له، جعله علة في تهيبه لها. ويجوز أن يكون في موضع الحال، فيقول: أحتشمك بظهر العيب، وأخافك ليس لاقتدار سلطاني منك علي، وامتلاك لضرى ونفعي في يديك، ولكن رفعاً منك، وإكباراً لقدرك، ولأن العين تمتلىء ممن تحبه استكباراً. واستعظاماً، لأنه يحمدها والضمير من حبيبها للعين، وإن جعلتها للمرأة، أي ما تحبه وترضاه يملأ العين، جاز. والملء: القدر الذي يمتلىء منه الشيء؛ والملء، بفتح الميم: مصدر ملأت.
وقوله وما هجرتك النفس، يريد أن الإخلال بالزيارة؛ والتأخر عن إقامة العادة ليس لزهد ولا لاستقلال للحال، وإزراء بالحق، ولكن قل حظي منك، ودام إعراضك عني، فرمت رضاك في البعد عنك، وترك التثاقل عليك وقوله ملء عين جاز الابتداء به وإن كان نكرة لحصول الفائدة في تعليق الخير.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع