من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
أبو حية النميري
رمته أناة من ربيعة عامررقود الضحى في مأتم أي مأتم
فجاء كخوط البان لا متتابعولكن بسيما ذي وقار وميسم
أناة أصله وناة، لأنه من الونى: الفتور والكسل.
والواو المفتوحة لم تبدل منها الهمزة إلا في أحرف قليلة، وهي أناة في صفة المرأة الثقيلة الناعمة؛ وأحد صفة وإسماً للعدد؛ وما جاء في الحديث من قولهم: أي مال أديت زكاته فقد ذهبت أبلته، يراد وباله. وقال أبو زيد: الأبلة في الطعام
أصله الوبلة. ويقال: أجمعت أجوماً، في وجمت. فهذه الأحرف جاءت على ما ترى.
وقوله رقود الضحى وصفها بالترفة، وأنها مكفية الخدمة، فهي تنام القيلولة. وهذا كما قال امرؤ القيس:
نؤوم الضحى لم تنطلق عن تفضل
والمأتم: النساء يجتمعن في الخير والشر. يقول: نظرت إلى هذا الرجل امرأة طلعت عليه في جملة نساء، مترفة منعمة سمينة، تنام عن شؤونها أوقات الضحى، لأن لها من يكفيها كل ما تهتم له ففتنته، ثم اقتص كيف نصبت الحبالة له، ومن أين وقع فيها حتى اصطادته، فقال: جاء الرجل وكأنه غصن بان لحسن شطاطه وطراءة شابه، لا متهافت في مشيه وتصرفه، ولا خفيف طائش في وروده وصدره، ولكن بعلامة ذي سكون، وميسم ذي صلاح وهدو. والتتابع يوصف به الحيران والسكران إذا رمى بنفسه. وتتابع البعير في مشيته، إذا حرك ألواحه حتى كأنه يتفكك. والمأتم أصله من الأتم، وهو أن تلتقي الخرزتان فتصيرا واحدة. وموضع كخوط نصب على الحال من جاء. والخوط: الغصن الناعم لسنة. وقوله لا متتابع ارتفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: لا هو متتابع. وقوله ولكن استدراك بعد نفي، أي جاء غير متتابع ولكن بهذه السيما.
فقلن لها سراً فديناك لا يرحصحيحاً وإن لم تقتليه فألمى
فألقت قناعاً دونه الشمس واتقتبأحسن موصولين: كف ومعصم
وقالت فلما أفرغت في فؤادهوعينيه منها السحر قلن له قم
قوله سراً يجوز أن يكون مصدراً في موضع الأمر، كلأنه قال ساريه. مسارة، فوضع السر موضع المسارة، ويكون على هذا قوله لا يرخ جواب الأمر الذي دل عليه سراً. ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال، ويكون لا يرح مجزوماًبلا النهي. وجعل النهي في اللفظ للرجل والمرأة هي المنهية، كما يقال: لا أرينك هنا. والمعنى: لا تكن هناك فأراك، والمراد: لا تدعيه يروح صحيحا. يقول قالت النساء
المحتفة بالاناء المذكورة لها: أشيري إليه في السر إشارة تفتنه، واعرضي عليه محاسنك ما يخبل قلبه بعد تعرضه لنا في سمته ووقاره حتى لا يروح عنا صحيحاً، وإن لم تبالغي في استغوائه وفتله عن رشاده، وإهلاكه، فكوني منه على أوفى محل. فائتمرت لهن وألقت قناعاً وراءه الشمس، أي وجه إشراقه كإشراق الشمس، فعرضت وجهها ثم سترته فأيدت كفها ومعصمها - وهو موضع السوار من يدها - أيضاً، وتكلمت بكلام كالمنكرة من نفسها ما اتفق عليها، والمستححية المتذممة من حالها، فلما علم النساء أنها أفرغت في فؤاده بالكلام، وفي عينيه بالكف والوجه السحر أي صبت - قلن للشاب المتعرض: قم عنا فابك لما نابك وأنت لا تعلم. والسحر: إخراج الشيء في أحسن معراضه حتى يفتن، لذلك قيل للرائق المعجب: هو السحر الحلال. يقال: سحرت الفضة، إذا طليتها بالذهب. إن قيل: أين مفعول قالت؟ قلت: إنه هنا في معنى تكلمت، فاستغنى عن المفعول، ومثله قول عمر بن أبي ربيعة:
لحاجة نفس لم تقل في جوابها
أي لم تتكلم.
فود بجدع الأنف لو أن صحبهتنادوا وقالوا في المناخ له نم
يقول: انصرف عنهن وهو يتمنى أن جدع أنفه في وقت ما هم بالخروج إليهن، ويمنعه أصحابه من التعرض لهن، وقالوا له: نم في المناخ ولا تبرح، ويجوز أن يكون معناه: ود أن يتركه صحبه ويقولوا له: نم في المناخ ولا تتبعنا، وأن أنفه قطع. والباء من قوله بجدع هو الذي يفيد معنى العوض. تقول: هذا بذاك، أي عوض من ذاك.
وقوله تنادوا يجوز أن يكون معناه تجمعوا، من الندى وهو المجلس؛ ويجوز أن يكون من النداء، أي تداعوا وقالوا له ذلك.
وقال آخر:
نظرت كأني من وراء زجاجةإلى الدار من فرط الصبابة أنظر
فعيناي طوراص تغرقان من البكافأعشى وحيناً تحسران فأبصر
يقول: وقفت بدار الأحبة فتوهمت آياتها، ثم عرفتها فتمثل لي من كان بها، وتطرى ما كان دار بيني وبينها، فأغرورقت عيناي من الدمع تحسراً وتوجعاً، وبقيت إذا نظرت إلى الدار كأني أنظر من وراء زجاجة فلا أتبين الآثار، وإذا انهملتا بما فيهما عدت في صحة الإدراك بهما إلى ما كنت عليه من قبل. وقد مر القول في حقيقة النظر.
فأما تحسران فيجوز أن يكون من قولهم: حسر البحر، إذا نضب الماء عن ساحله؛ ويجوز أن يكون من حسرت القناع، ويكون على هذا مفعوله محذوفاً. والأول أحسن. ومن الثاني قولهم: امرأة حسنة المحاسر، كما يقال حسنة المعاري. وتلخيص البيت الأول: كأني من فرط الصبابة أنظر إلى الدار من وراء زجاجة. والطور: التارة. ويقال: الناس أطوار، أي على أحوال شتى.
وقال آخر
فما شنتا خرقاء واهية الكلىسقى بهما ساق فلم يتبللا
بأضيع من عينيك للدمع كلماتوهمت ربعاً أو تذكرت منزلا
الخرقاء: التي لا رفق لها في الأعمال ولا بصيرة. والشنة، أراد بها هنا الدلو الخلق، وهي السقاء البالي في الأصل. ويقال: لقطران الماء من الشنة شيئاً بعد شيء: الشنين، ثم يستعمل في الدمع. قال:
يا من لدمع دائم الشنين
ولم يرض بأن جعل الدلو خلقاً حتى يجعلها لامرأة لا تحسن عملاً من خرز وغيره، فكانت تصلحها، ثم جعل سقى الإبل بها قبل تهللها وانسداد خرزها وثقبها. فيقول: ما دلوان هذه صفتهما بأشد إضاعة للماء من عينيك للدمع كلما توهمت دار الحبيب وهي مأهولة، أو تذكرت منزلاً من منازل سفرها وهي منتجعة.
وقوله بأضيع من عينيك، كان الواجب أن يقول: بأشد إضاعة للدمع، فجاء به على حذف الزوائد، أو على طريقة سيبويه في جواز بناء التعجب مما كان على أفعل مما زاد على الثلاثي خاصة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع