تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال أبو الشيص

وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
أجد الملامة في هواك لذيدةحباً لذكراك فليلمني اللوم

يقول: حبسني الهوى في الموضع الذي تستقرين فيه فألزمه ولا أفارقه، فأنا معك مقيمة وظاعنة، لا أعدل عنك ولا أميل إلى سواك، ومن لا منى فيك أستلذ لومه محبة لذكرك، ووجداً باسمك، فليستمر اللائمون في أقوالهم، ولتندم عظاتهم علي وإنكارهم، فإنهم لا يجدون مني اتباعاً ولا رجوعاً، ولا ملالاً ولا قصوراً. وقوله حباً لذكرك، انتصب لأنه مفعول له، وبيان لعلة لذته، بما يجلب على غيره ضجراً، وهو اللوم.

ومثل هذا قول الآخر:

وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي

يريد، أن يستلذ ذكرها.

وقوله حيث أنت، خبر المبتدأ وهو أنت محذوف، كأنه قال: حيث أنت واقفة، لأن حيث في الأمكنة بمنزلة حين في الأزمنة، في حاجته إلى جملتين، والمتأخر والمتقدم بنمزلة التأخر والتقدم، فهما مصدران.

أشبهت أعدائي فصرت أحبهمإذ صار حظي منك حظي منهم
للشاعر أبو الحسن الجعفري، اقرأ القصيدة
وأهنتني فأهنت نفسي صاغراًما من يهون عليك ممن أكرم
للشاعر ابن الصباغ الجذامي، اقرأ القصيدة

يقول: وافقت في مواصلتي أعدائي أخذا فيما أكرهه وأتسخطه، وذهاباً عما أحبه وأرضاه، ولأن حظي منك فيم أرومه يماثل حظي من أعدائي فيما أسومهم فأشرب قلبي حبهم، وانصب إلى جانبهم الميل معهم لمشابهتك لهم، ومماثلة فعالك لفعالهم، وأذللتني فأذللت نفسي على صغر مني، اقتداء بك، ومجانبة للخلاف عليك، ولأني لا أرى كرامة من ترين هوانه، ولا إرضاء من ترين إشخاصه. وانتصب صاغراً على الحال من أهنت. وقوله ممن أكرم العائد إلى الموصول محذوف، كأنه قال: ممن أكرمهم. وقوله حظي منهم يريد به التشبيه، كأنه قال: كحظي منهم، ومنك في موضع الحال، وكذلك منهم.

وقال آخر:

ولا غرو إلا ما بخير سالمبأن بني أستاهها نذورا دمي
ومالي من ذنب إليهم علمتهسوى أنني قد قلت يا سرحة أسلمي
نعم فاسلمي ثم اسلمى ثمت أسلمىثلاث تحيات وإن لم تكلمي

معنى لاغرو لاعجب، وخبر لا محذوف، كأنه قال: لا غرو في الدنيا، أو موجود. وموضع ما يخبر رفع على أنه بدل من موضع لا غرو. وإنما قال بني أستاهها لأنه يريد أنهم مخروون لا مولودن. فيقول متهانفاً: لا عجب إلا ما يخبر به سالم، بأن سقاطها والذين لا عقول لهم فيها، قالوا: لله علينا سفك دمه. ثم قال: هذا اعتقادهم وأقوالهم؛ ولا جناية لي عليهم، ولا ذنب مني اهتدي إليه فيهم سوى قولي: يا سرحة أدام الله لك السلامة - وكان جعل سرحة، وهي شجرة، كناية عن امرأة فيهم - نعم قد قلت وأقوله مكرراً: أسلمي أسلمي. يغايظهم ويناكدهم بهذا المقال. وقوله سوى أنني موضعه من الإعراب استثناء خارج. ويا سرحة إذا ضممته فالضمة الأصل في استعمال المنادى المفرد المعرفة، وإذا فتحته فلاعتيادهم الترخيم في مناداة ما في آخره هاء التأنيث، أتموه ونووا الترخيم فجعلوا حركته حركة المرخم منه. وهي الفتحة. وقوله نعم وإن كان في الأصل حرفاً بوجب به ويجاب في الاستفهام المحض فقد يتوصل به إلى بسط الكلام وصلته. وقوله ثلاث تحيات، انتصب على

المصدر من فعل دل عليه أسلمي، كأنه قال: أحيي ثلاث تحيات، وإن لم ترجعي الجواب إلي. والسرح من العضاه، ويكون دوحه محلالاً يحل الناس تحها في الصيف. وقال الفراء: كل شجرة لا شوك فيها فهي سرحة، ذهب إلى السرح، وهو السهل.

وقال ابن هرمة وكنى بها عن امرأة:

سقى السرحة لمحلال دون سويقةنجاء الثريا مرثعنا هطولها

وقد تسمى المرأة سرحة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.