من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال ابن الدمينة (٢)
وقد كتب بها إلى أمامه:
وأنت التي كلفتني دلج السرىوجون القطا بالجلهين جثوم
وأنت التي قطعت قلبي حزازةوقرفت قرح القلب وهو كليم
وأنت التي أحفظت قومي فكلهمبعيد الرضا داني الصدود كظيم
قوله دلج السرى، فالسرى: سير الليل، والدلج: السير في بعض الليل. ويقال: سار دلجة، أي ساعة من أول، فلذلك أضاف الدلج إلى السرى، فجرى مجرى إضافة البعض إلى الكل. والشاعر يعدد عليها ما ناله حالاً بعد حال من ضروب المشقات والمتالف فيها، فيقول: تجملت فيك كل عظيمة وبلية، فأنت التي
كلفتني السرى والسير، وركوب الخطر بالليل والطيور ساكنة في عششتها لم تبرح، وأنت التي قطعت جوانحي، وصدعت جوانب كبدي حزازة بدوام تمنعك وتشددك، واتصال جفائك واطراحك - والحزازة: وجع في القلب - فنكأت الكلم من قلبي قبل اندماله، وقشرت جلبته عند صلاحه والتئامه، فأراه أبداً دامي الظاهر فاسد الباطن؛ وأنت التي أغضبت على معشري، وأفسدت على رهطي وأعزني، فكل واحد منهم إذا خبر واستكشف بعيد الرضا عني، قريب الهجران لي، ممتلىء الصدر من بغضي، يكظم غيظه تجملاً، ويسر نكره تصبرا. وقوله جون القطا، جمع جونية. قال:
جونية كحصاة القسم
وهذا كما يقال عربي وعرب، وهذا الجمع كالجمع الذي ليس بينه وبين واحده في اللفظ إلا طرح الهاء نحو تمرة وتمر وما أشبهه. وجثوم: جمع جاثم. وجم الطائر، إذا ألصق صدره بالأرض، ويستعمل في السبع وغيره، ومنه الجثمان لجسم الإنسان. وقال الأصمعي: الجثمان الشخص، والجسمان الجسم. والجلهلة: ما استقبلك من الوادي. ومعنى قرفت: قشرت ولم بكن رأ. ويقال: كطم غيظه، إذا جرعه. وكظم البعير جرته، إذا ابتلعها. والظم: مخرج النفس. ويقال للمحزون: إنه لمكظوم وكظيم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع