من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال زياد بن حمل، وقيل زياد بن منقذ
حبذا انت يا صنعاء من بلدولا شعوب هوى مني ولا نقم
ولن أحب بلاداً قد رأيت بهاعلماً ولا بلداً حلت به قدم
صنعاء: مدينة اليمن. وشعوب ونقم: موضعان باليمن. وعنس وقدم: حيان من اليمن. وقوله لا أحبذا أنت، ذا اشير به إلى لفظة الشيء، والتقدير: لا محبوب في الأشياء أنت يا صنعاء من بين البلاد، وكما أنت لست بمحبوب إلي، فكذلك شعوب ونقم ليسا بهوى مني، أي لا أهواهما ولا أحن أليهما. وقوله ولن أحب بلاداً، يريد: ولن أحب أيضاً منازل هذين الحيين. كأنه كره المواضع بأهلها فاجتواها وذمها. وقوله بلاداً قد رأيت بها عنساً، ضم إلى لفظة بلاد من الصفة ما يخصصها.
وقوله حبذا حب فعل، والأصل في حبب، وذا أشير به إلى الشيء، ولذلك وقع للمذكر والمؤنث على حالة واحدة فقلت: حبذا زيد، وحبذا هند؛ لأن لفظة الشيء يشمل المذكر والمؤنث، والواحد والجمع. فهو كما، وضع للجنس.
إذا سقى الله أرضاً صوب غاديةفلا سقاهن إلا النار تضطرم
لما كان القصد في الدعاء بالسقيا بقاء المدعو له على نضارته، والزيادة في طرواته، واستمرار الأيام به سالماً، مما يؤثر في عنفوان حسنه، أو يغير رونق مائه، جعل عند الدعاء على المذموم عنده السقيا بالنار، لكون النار ضداً للماء ومميتاً لما يجيبه. فيقول: إذا أطال الله تعالى جده تنعم أرض بما يقيم من خصبها، ويديم من رفاغتها ورفاهتها، بتأتي الأمطار عليها، وتبكير الغوادي نحوها، فلا سقى هذه الديار إلا ناراً يهيج ضرامها، ويؤجج لهبا وسعارها، لتبيد خيرها، وتفيت حسنها وزهرتها. وقوله تضطرم في موضع الحال للنار.
وحبذا حين تمسي الريح باردةوادي أشى وفتيان به هضم
الواسعون إذا ما جر غيرهمعلى العشيرة والكافون ما جرموا
والمطمعون إذا هبت شاميةوباكر الحي ن صرداها صرم
قوله وحبذا حين تمسي الريح باردة، جعل ما نفاه من الحب والحمد عما قدم ذكره من البلدان ثابتاً لوادي أشي وأهله، ونبه على انهم في أوان الجدب والقحط يشركون غيرهم من العشيرة في خيرهم، ويستنفذون الأموال التي يتنافس فيها فيما يجلب الحمد، وبيب النشر، إذا هبت الريح باردة، واقتشعرت البلاد هامدة، حتى يصير وسعهم مبذولاً لهم يتوسعون فيه إذا جر غيرهم الجرائر على عشيرته، وذوي لحمته، ثم من اكتسب جريمة منهم تكلفوا باستنقاذة منها، وأقاموا ظل الحماية والصيانة عليه فيها.
وقوله والمطعمون حذف مفعوله، وإنما يصقهم بأنهم يقيمون القرى للأضياف إذا هبت الريح شمالاً، وغادي الحي السحائب الباردة طوائف وفرقا. وقوله هضم جمع هضوم، وهو المنفاق في الشتاء. وقوله هبت شامية انتصب على الحال. وقوله الواسعون مأخوذ من الوسع وهو الطاقة، ويقال: لا يسعك كذا، أي لست منه في سعة. والصرم، أصله في أقطاع الإبل، فاستعاره.
وشتوة فللوا أنياب لزبتهاعنهم إذا كلحت أنيابها الأزم
حتى انجلى حدها عنهم وجارهمبنجوة من حذار الشر معتصم
فللوا: كسروا. واللزبة: السنة المجدبة، وجعل الأنياب مثلاً لشدائدها. والكلوح: بدو الأسنان عند العبوس. والأزم: جمع أزوم، وهي العواض، وقوله وجارهم بنجوة، أي عز ومنعة. والنجوة: المرتفعة من الأرض لا يبلغها السيل، فضربه مثلاً للملاذ الذي أووا إليه في فنائهم حذراً من الشر، فيقول: دب شتوة دفعوا أذاها ومعرتها عن العشيرة أشد ما كانت، بما قاموا به من إصلاح أمورهم، وإزالة ضررها عنهم، إلى أن انكشف حدها عنهم، وجارهم معتصم فيهم بأحمى مكان، وأمنع عز وملاذ.
هم البحور عطاؤ حين تسألهموفي اللقاء إذا تلقى بهم بهم
وهم إذ الخيل حالوا في كوائبهافوارس الخيل لا ميل ولا قزم
انتصب عطار على التمميز، ويجوز أن يكون مفعولاً له. وارتفع بهم بالابتداء، وخبره في اللقاء، ومفعول تلقي محذوف، كأنه قال: إذا تلقى بهم الأعداء. والبهم: جمع بهمة، وهو الشجاع الذي لا يدري كيف يوتى له، لاستبهام شأنه وتناهى شجاعته. والمعنى: هم البحور إذا اجتداهم المجتدى، لكثرة عطائهم، أي لا ينفذ عطاؤهم على كثرة الاجتداء، كما لا ينفد ماء البحر على كثرة الوراد، وهم بهم في اللقاء إذا لقيت بهم الأعداء، وإذا ركب الفرسان الخيل وثبتوا في كواثبها - والكاثبة: قدام المنسج منها - ففرسانها لالثام ضعاف صغار الأجسام، ولا ماثلون عن وجوه الأعداء. والميل: جمع أميل، وهو الذي يعرض عن وجه الكتيبة عند الطعان، وقيل: هو الذي لا يثبت على ظهر الدابة. ويقال: حال في ظهر دابته، إذا ركبها. وارتفع ميل على أن يكون معطوفاً على فوارس الخيل، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: لاهم ميل ولا قزم. وقد مضى القول في فوارس وشذوذه:
لم ألق بعدهم حياً فأخبرهمإلا يزيدهم حياً إلى هم
كم فيهم من فتى حلو شمائلهجم الرماد إذا ما أخمد البرم
يقول: لم أخالط بعد فراقي لهم حياً من الأحياء فخيرتهم إلا وازدادوا في عيني ورجحوا، إذا قستهم بمن سواهم في قياسي ونظري، كمال آلة وتناهى رياسة،
وتوفراً على من متحرم بذمة، أو مدل بقرابة. وارتفع هم الأخير بيزيد، وقد وضع الضمير المنفصل موضع المتصل لأنه كان لوجه أن يقول: إلا يزيدونهم حباً إلي. وهذا كما يوضع الظاهر موضع المضمر والمضمر موضع الظاهر إذا أمن الالتباس. وانتصب فأخبرهم لأنه جواب النفي بالفاء، والعامل أن مضمرة بين الفاء والفعل.
وقوله كم فيهم من فتى حلو شمائله فكم للكتثير، وموضعه رفع بالابتداء وخبره من فتى. ومعنى جم الرماد أي كثير الأضياف، لأن الرماد إنما يكثر بحسب اتساع ضيافته، وكثرة غاشيته. والبرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر، ومفعول أخمد محذوف، والمراد ما أخمد البرم النار لبخله ولشدة الزمان ونكده. فجعل الفتى حلو الشمائل، وهي الطبائع؛ لأن الضيافة إنما تكرم وتشرف بحسن خلق المضيف وخفته في الخدمة، وملاطفته لضيوف، وتحفيه وبره بهم.
تحب زوجات أقوام حلائلهإذا الأنوف امترى مكنونها الشيم
وصف النساء منهم بحسن التوفر على أشباههن، وكمال التفقد بما يهدين إليهن إذا قلت الهدايا واشتد الزمان، وبلغ البرد حداً يستخرج مكنون الأنوف من الرعام فيقول: زوجات الأبرام ومن يشبههم من ذوي الحاجة، أو الممتنعين من الميسر، يحببن أزواج هؤلاء الفتيان إذا أمحل الزمان واشتد القحط والجدب، لحسن تعطفهن عليهن، وصرف العناية وجميل التفقد إليهن. وامترى: استخرج. والشيم: البرد. وأراد بالمكنون المخاط. والحلائل: النساء المتزوجات سمين بذلك لأنها تحال أزواجها، أي تنزل معها؛ والواحدة حليلة وفعيلة بمعنى مفاعلة، كقعيدة، وجليسة.
ترى الأرامل والهلاك تتبعهيستن منه عليهم وابل رزم
كأن أصحابه بالقفر يمطرهممن مستجير غزير صوبه ديم
الأرامل: جمع الرمل والأرملة، لأنه يقع الذكر والأنثى، وهم الذين قد انقطع زادهم وضاقت الأحوال بهم. والهلاك، هم الفقراء الذين أشرفوا على الهلاك، وإنما قال تتبعه لأنهم كانوا يتفيئون بظله، ويعيشون في أفنيته من خيره. وقوله يستن منه عليهم وابل، مثل لما كانوا ينصب عليهم ويجري ويدوم، من إحسانه لهم، لأن الحيا يحي الأرض، كما أن معروف هؤلاء كان يحييهم.
والرذم السائل. ومعنى: يستن ينصب. سنت الماء وأسنته بمعنى. والوابل: المطر الضخم القطر. وقوله كأن أصحابه بالقطر يمطرهم، يريد أنهم في دورهم ومحلهم ذك فعلهم مع عشيرتهم، ومع روادهم ومؤمليهم، فإذا سافروا ترى الصحابة في المكان الخالي يمطرهم من نواله ما يجري مجرى الصوب من سحاب متحير ممتلىء ماء، غزيزر النوء، دائم السيل. والديم: جمع ديمة، وهي المطر يدوم بسكون، والمستحير والمتحير. بمعنى واحد. وهذا التحير إنما هو كناية عن الامتلاء. ويقال: استحار شبابه.
غمر الندى لا يبيت الحق بثمدهإلا غدا وهو سامي الطرف يبتسم
إلى المكارم يبنيها ويعمرهاحتى ينال أموراً دنها قحم
الغمر: الواسع العطاء. ومعنى بثمده يكثر عليه حتى يفنى ما عنده. والماء المثمود: المزدحم عليه حتى ينزر نزفاً. وقوله وهو سامي الطرف، أي لا يكسبه امتداد العطاء منه، ودوام الإحسان، غضاضة طرف وانكسار نشاط، بل يرى بعقبه ضحوكاً عالي النظر. وقوله لا يبيت الحق يثمده إلا غدا، يشتمل على معنى الشرط والجزاء، أي كلما بات الحق يثمدها عنده غدا سامي الطرف مبتسماً.
وقوله يبنيها ويعمرها، في موضع الحال، أي بانياً عامراً. وقوله إلى المكارم، اتصل إلى بقوله إلا غدا. والقحم: الشدائد، واحدتها قحمة، والمعنى أنه بذال سخي جم المعروف، لا يبيت تورد الحقوق نحوه يستغرق ماله إلا ابتكر وهو ضحاك عالي النظر إلى ابتناء المكارم، جرياً على العادة وألفاً لها، وهو يعمرها ويصل جوانبها بأمثالها حتى يصيب أموراً تحول بينها وبين من يريد نيلها والوصول إليها شدائد وتكاليف. وقحم الطريق: ما صعب منها، وفي الحديث: إن للخصومة قحماً، أي يتقحم على المهلك.
تشقى به كل مرباع مودعةعرفاء يشتو عليها تامك سنم
ترى الجفان من الشيزى مكللةقدامة زانها التشريف والكرم
ينوبها الناس أفواجاً إذا نهلواعلوا كما على بعد النهلة النعم
المرباع: الناقة التي من شأنها أن تضع ولدها في الربيع، وهي المحمود من النتاج، ولذلك قال:
أفلح من كان له ربعيون
ومرباع: بناء المبالغة. والمودعة: المكرمة الموفرة على التناسل لا تعمل ولا تحمل. والعرفاء: التي لسمنها صار لها كالعرف. والتامك: تلسنام المشرف. والسنم: العالي، ويقال: بعير سنم، أي مشرف السنام، والمعنى: تبقى شتوتها سمينة لا يغيرها الجدب والقحط، وإنما قال تشقى به، وهو يريد الفتى لأن المراد لا ينحر من الجزر إلا ما يتنافس فيه مثل ناقة هذه صفتها. وقوله ترى الجفان من الشيزى مكللة، يريد أن الجفان المعدة للأضياف عليها كالأكاليل من فدر اللحم، وقد زينها كرم بارع، وتشريف فاخر، وهذا بما يستعمله من اللطف والتأنيس مع الأضياف، ومن توفر خدمة الخدم عليهم، ولكمال بهاء المجلس وكونه مشحوناً بما يروق ويعجب. وقوله ينوبها أي ينتابوها طائفة بعد طائفة، وفوجاً بعد فوج، فإذا تنالوا النهل رجعوا فأعقبوه العلل، كما يفعل ذلك النعم عند وروده الماء. وانتصب أفواجاً على الحال. والنعم يقع على الأزواج الثمانية، والغالب عليها الإبل.
زارت رويقة شعثاً بعدما هجعوالدى نواحل في أرساغها الخدم
وقمت للزور مرتاعاً وأرقنيفقلت أهي سرت أم عادتي حلم
وكان عهدي بها والمشي يبهظهامن القريب ومنها النوم والسأم
يصف الخيال فيقول: زارت خيال هذه المرأة قوماً غبراً، أنضاء مرها، بعدما ناموا عند إبل ضوامر مهازيل، شدت في أرساغها سيور الغد، لشدة سيرها وتأثير الكلال فيها، فقمت من مضجعي للطيف الزائر خائفاً، وطار النوم عني، وأخذني القلق، ووساوس النفس والزمع، فميلت الفكر بين شيئين أحدهما زيارتها بنفسها، والثاني حلم نائم اعتادني فأرانيها، وصرت أراجع نفسي وأقول: كيف يجوز مجيئها،
وكنت أعهدها وقطع المسافة القريبة كانت تتكلفه بشق النفس، وتحمل الثقل والكد. هذا والغالب عليها الملال مما يتعب وإن خف، وطلب الراحة بالنوم ليسير الخطب منها ببال ولو قل. وانتصب مرتاعاً على الحال.
وقوله أم عادني حلم، أم هذه هي المعادلة، والمعنى أي هذين الأمرين كان. وقوله أهي سرت، أسكن الهاء من هي مع ألف الاستفهام، لأنه أجراها مجرى واو العطف وفائه، فكلما يسكن معها لأنها لا تقوم بنفسها ولا تستقل كذلك أسكن مع الألف. ومعنى يبهظها: يثقل عليها ويشق. وقوله: والمشي يبهظها، خبر كان فيه. وقوله: وكان عهدي بها الواو واو الحال من قوله أهي سرت.
وبالتكاليف تأتي بيت جارتهاتمشي الهوينا وما تبدو لها قدم
سود ذوائبها بيض ترائبهادرم مرافقها في خلقها عمم
يقول: ومما عهدتها عليه أنها كانت تأتي بيت جارتها قضاء لذمام، او أداء لواجب حق، بعد الجهد والشدة، ومداورة النفس على أدنى الكلفة والمشقة، ومشيتها الهوينا، أي على رفق لا استعجال فيها ولا تهافت، ولا تقاذف في أعضائها ولا تتابع، ولذيلها على الأرض سحب وجر، فقدمها لا تبدو، ووقراها المتسبب من كبرها وعجبها لا يهفو. والهوينا: تصغير الهوني والهوني: تأنيث الأهون، وموضعها من الإعراب نصب على المصدر. وقوله تمشي الهوينا، في ضمنه ما يوصف به مثلها من الترفة وفرط الحياء، كما قال:
كأن لها في الأرض نسياص تقصهعلى أمها وإن تكلمك تبلت
وقوله سود ذوائبها يصفها بأنها في عنفوان شبابها، ففرعها أسود، وصدرها بما حواليه أبيض، ومرافقها لا حجم لها لكثرة لحمها، وخلقها تام لاستكمالها.
روبق إنى وما حج الحجيج لهوما اهل بجنبي نخلة الحرم
قوله: وما حج الحجيج له يجوزأن يكون ما بمعنى الذي، كأنه أقسم بالبيت الذي حج إليه الحجاج، وبإهلال الحرم، وهو رفع الصوت بالتلبية، بجنبي نخلة،
وهو مكان بقرب مدينة الرسول ﵇ يقال له بطن نخلة. ويجوز أن يكون ما موضوعاً موضع من، على ما حكى أبو زيد من قولهم: سبحان ما سبح الرعد بحمده، ويكون الله تعالى المقسم به.
وقوله ما أهل يراد به وما أهل له، فحذف له لتقدم ذكره وطول الكلام به. ويجوز أن يكون الضمير من له يعود إلى الله تعالى وإن لم يجر ذكره، لأن المراد مفهوم، أي حجوا له إقامة لطاعته، وابتغاء لمرضاته. وجواب القسم في قوله لم ينسني. ويقال: أحرم الرجل بالحج فهو محرك، وقوم حرام وحرم ومحرمون.
لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكمعيش سلوت به عنكم ولا قدم
ولم تشاركك عندي بعد غانيةلا والذي أصبحت عندي له نعم
حلف بما حلف أنه لم يشغله عن ذكرهم منذ حصل الفرق بينهم، لا عيش استطابة لمساعدة الزمان له بما سره فتسلى عنهم، ولا بلى ما كان يستجده كل وقت من الوجد بهم وتذكار عهودهم تقادم أيام فتناساهم، ولا شاركها في مستوطن هواها ومقر حبه لها امرأة غانية، فتضايق عنها حماها. ثم ثنى اليمين توكيداً فقال: لا والله الذي أصبحت له عندي نعم مقابلتها بالشكر واجبة للأمر كما قلت، فحذف لأن المراد مفهوم.
وقوله لم ينسني ذكركم يجاب اليمين من حروف النفي بما، ولكنه اضطر فوضع لم ينسى موضع ماأنساني. ولا يمتنع أن ينفرد القسم الأول به جواباً، ويكون جواب القسم الثاني: ولم تشاركك عندي، لأنه خبر ثان، فقدم المقسم له على المقسم به، كما تقول: ما فعلته والله.
متى أمر على الشقراء معتسفاًخل النقا بمروح لحمها زيم
والوشم قد خرجت منها وقابلهامن الثنايا التي لم أقلها برم
قوله: متى أمر استبعاد واستعجال بما يتمناه من العود إلى هذه الأماكن التي ذكرها. وراوه بعضهم حتى أمر، ويتعلق حتى بقوله لا والذي أصبحت عندي له
نعم، أي حصلت له نعم عندي كي أمر، لأن لحتى موضعين، والفعل بعدهما منصوب: أحدهما أن يكون بمعنى لأن وكي، والثاني أن يكون بمعنى إلى أن، تقول: جئتك حتى تكرمني، والمعنى لأن تكرمني، وكي تكرمني. وتقول: انتظر حتى تخرج، والمعنى إى أن تخرج. والشقراء، قال الأصمعي: يعني فرسه، وعلى هذا يكون الشقراء والمروح فرساً واحداً. والباء من بمروح، يتعلق بقوله معتسفاً، وعلى الشقراء بأمر، ويكون في موضع الحال، أي راكباً الشقراء. وانتصب معتسفاً على الحال. والاعتساف: الأخذ على غير هداية ولا دراية. يقال: فلان يتعسف الناس، أي يأخذهم بغيرالحق. والخل: الطريق في الرمل. والنقا: الرمل. والمروح: النشيط. ومعنى زيم: متفرق. ووشم وبرم: موضعان. والثنايا: العقاب. ويروى: من العقاب التي لم أقلها ثرم، وهي جمع ثرمة، وهي صدع يكون في الثنية. ومنه قولهم: فلان أثرم، إذا سقط بعض ثناياه فصارت بينهما فرجة. ولم أقلها: لم أبغضها. وقد قيل في الشقراء: إنه موضع أو هضبة. وانعطف الوشم عليه، وبمروح حينئذ يتعلق الباء منه بحتى أمر. وعلى الوجه الأول تنصب الوشم وتعطف على خل النقا.
ياليت شعري عن جنبي مكشحةوحيث يبني من الحناءة الأطم
عن الأشاءة هل زالت مخارمهاوهل تغير من آرامها إرم
وجنة ما يذم الدهر حاضرهاجبارها بالندى والحمل محتزم
قوله ياليت شعري يا حرف النداء، والمنادى محذوف. وهذا الكلام تحسر في إثر ما فاته من أمر الأرضيين المذكورة. وشعري أسم ليت، وخبره محذوف لا يظهر البتة، ومفعولاً شعري قوله هل زالت مخارمها. وقوله عن جنبي مكشحة بيان ما تمنى علمه، وفي أي جانب هو. ويروى: عن جزعي مكشحة وحوث. والجزع: جانب الوادي. ومكشحة: أرض. وحوث لغة في حيث، لأن فيه أربع لغات: حيث، وحيث، وحوث، وحوث. فالضم تشبيهاً له بالغايات قبل وبعد، والفتحة لخفته. والحناءة: أرض. والأطم: الحصن وكل بناء مرتفع، والجمع آطام.
وقوله عن الأشاءة، فإن كان الأشاءة موضعاً وبعض ما يقع عليه مكشحة فإنه بدل من عن جنبي مكشحة، وقد أعيد حرف الجر معه. وإن كان النخلة فإنه يجوز أن يريد بقعتها، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ولا يمتنع أن يكون أراد: وعن الأشاءة، فحذف العاطف كما تقول: رأيت زيداً، عمراً، خالداً. وأنشدنا أبو علي الفارسي:
كيف أصبحت كيف أمسيت ممايزرع الحب في فؤاد الكريم
فيقول: ليت علمي كان واقعاً بأحوال هذه المواضع، وهل هي باقية على ما عهدتها من قبل، أو هل تغيرت أعلامها وزالت مخارمها. وإنما يدل على حنينه إليها، وتأسفه على البعد عنها. وقوله وجنة يريد وعن جنة حاضرها يرضي عن الدهر ويحمده، فلا يتسخط أيامه، ولا يذم عوارضه. والجبار من النخل: ما فات اليد طولاً. وقوله بالندى والحمل محتزم تنبيه على الخصب فيها، وعلى غضارة عيش سكانها. والاحتزام كالالتفاف، ويروى جبارها بالندى والخير.
فيها عقائل أمثال الدمى خردلم يغذهن شقا عيش ولا يتم
ينتابهن كرام ما يذمهمجار غريب ولا يؤذي لهم حشم
مخدمون ثقال في مجالسهموفي الرحال إذا صاحبهم خدم
قوله فيها أي في الجنة. عقائل، أي نساء كريمات، كأنهن الصور المنقوشة حسناً، منعمات لم تمسهن فاقة وفقر، ولا جهدن بأيام أدبرت عنهن، ولا شقين بمناكدة عيشهن، ولا أصبن بموت كافلهن أو قيمهن، عفيفات، حييات، لا يعرفن منكر الأخلاق، ولا مايشين من الأفعال، فهن ربائب النعم، وغرائر الزمن، ومدللات العشائر والسكن.
وقوله: ينتهابهن كرام مدح الرجال عطفاً على مدحهن فقال: يدبر هؤلاء النسوة رجال كرام أعزاء، يحمدهم الجار الغريب، لوفائهم له بالعقد، وحسن تعطفهم عليه عند البلاء والجهد، ويرضى عنهم الخليط النسيب لجمال عشرتهم،
وكرم أخلاقهم، لا كبر فيهم، ولا ترفع نعهم، ثم ترى حشمهم يسالمهم في الحضر رزان سادة يخدمهم من يغشاهم، وفي السفر خفاف لطاف يكرمون الصابة والمرافقة، ويخدمون الغاشية والمجاورة، ويتحملون في أحوالهم المؤن المجحفة، وفي أموالهم النوب المثقلة. والحشم: خدم الرجل ومن يحتشم له، أي يغضب عند النازلة، ويدافع دونه لطروق الكائنة. وقوله ينتابهن، يروى: يأتابهن يفتعل من الإياب.
بل ليت شعري متى أغدوا تعارضنيجرداء سابحة أو سامح قدم
نحو الأميلح من سمنان مبتكراًبفتية فيهم المرار والحكم
ليست عليهم إذا يغدون أرديةإلا جياد قسى النبع واللجم
بل: حرف يدخل للإضراب عن الأول والإثبات للثاني، كأنه لما صرف الكلام عما كان فيه وشغله بغيره أتى ببل، إيذاناً بذلك. فيقول: ليت علمي واقع بما يقتضي هذا السؤال، وهو متى ابتكر من سمنان نحو الأميلح - وهما موضعان - وتعارضني في السير حجر قصيرة الشعر، تسبح في عدوها، أو ذكر سابق يسبق أصحابه ويتقدمها من حيث جرى، ومعي فتيان فيهم هذان المذكوران، ثم وصف الفتيان بأنهم لا يهمهم إلا الفروسية وركوب الخيل، وإعداد آلات الحرب، والصيد والطرد. وقوله إلا جياد رفعة والوجه الجيد النصب، لأنه منقطع مما قبله، لكن بني تميم يرفعون مثل هذا على البدل. وهذا يشبه بدل الغلط، لهذا ضعف في الإعراب.
والبيت يشبه قول لبيد:
فرط وشاحي إذ غدوت لجامها
وانتصب مبتكراً على الحال. وقسى مقلوب، وأصله قووس، ويروى: قياس النبع. والمرار قيل هو أخوه. والحكم: ابن عمه، كذا ذكره الأصمعي.
من غير عدم ولكن من تبذلهمللصيد حين يصيخ القانص اللحم
فيفزعون إلى جرد مسحجةأفنى دوابرهن الركض والأكم
قولهمن غير عدم ولكن، تعلق من بقوله ليست عليهم إذا يغدون أردية. والمعنى أن إخلالهم بلبس الأردية واستسرائها والتأنق فيها، لا لفقر وفاقة، لكن لولعهم بالصيد، وتبذلهم له في الوقت الذي يستمع الصائد القرم إلى اللحم إلى أصحابه، في اختيار مواضع الصيد، وافتقاره لقلته. ويروى: حين ينادي السائف اللحم. قال الأصمعي: يريد يرتدون بقسيهم ولجم خيلهم إذا ابتكروا، لا هم لهم غيره. والسائف: الذي يحوش الصيد على أصحابه، أي ينادي أصحابه باعثاً على الأخذ، ومحذراً من الفوت. وقوله فيفزعون إلى جرد مسحجة أي يلتجئون إلى خيل قصيرة الشعر، نشيطة، قد سحج بعضها بعضاً بالعض والاستنان. ويجوز أن يريد أن العمل والكد سحجها، ألا ترى أنه قال: أفنى مآخير حوافزهن ركض الفرسان لها، واستحثاثهم إياها، وتأثير الإكام في حوافرها، لأن جريها كان عليها. ويقال: أكمة وأكم، وإكام وأكم.
يضرحن صم الصفا في كل هاجرةكما تطايح عن مرضاحه العجم
يغدو أمامهم في كل مربأةطلاع أنجدة في كشحه هضم
أصل الضرح الرمي. وإنما وصف الخيل بصلابة الحوافر، وأنها تكسر ما تطأه من صلاب الصفا إذا سارت في الهاجرة. ثم شبه ما يتطاير من حوافرها من الحصي بما يتطاير من النوى عن مرضاحه. والمرضاح: الحجر الذي يكسر عليه النوى أو به. ومعنى تطايح: تطاير. وقوله: يغدو أمامهم يعني في التصيد. والمربأة: المحرسة. وقوله طلاع أنجدة جمع كفرخ وأفرخة، ولا يمتنع أن يكون أنجدة جمع نجاد، ونجاد جمع نجد، فيكون أنجدة جمع الجمع. ويقال: طلع الجبل، إذا علاه. والهضم: انضمام الضلوع. يصف خفته وشهامته، وابتذاله نفسه في الصيد والفروسية.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع