من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال جميل (٤)
وماذا عسى الوشوان أن يتحدثواسوى أن يقولوا إنني لك وامق
نعم صدق الواشون أنت كريمةعلينا وإن لم تصف منك الخلائق
ماذا في موضع المبتدأ، كأنه قال: أي حديث عسى الواشوان يتدثونه سوى قولهم: إنني لك محب. فهو كقولك: أي ضرب عسى زيد أن يضربه، وسبيله سبيل المصدر والمضاف إلى المصدر إذا ابتدى بهما. ولا يجوز أن ينتصب بيتحدثوا، لأنه في صلة أن، فلا يعمل فيما قبل الموصوف، ولا يجوز أن يكون ذا منه بمنزلة الذي، لأن عسى لا يصلح لكونه غير واجب أن يقع صلة له، وكذلك أخوات عسى. ألا ترى أن الاستفهام والنفي وأخواتهما لا يقعن صلات، إذ كانت الصلات إنما تكون من الجمل الخبرية الواجبة والمعنى أنهم لا يقدرون في وشايتهم على أكثر من قطع القول بأنني لك محب وعاشق. ثم أوجب بنعم فقال: قد صدقوا فيما ادعوا ولفقوا، أنت تكرمين علينا وإن لم يعد علينا منك خير، ولا صادفنا من إحسانك صفاء ولين. كأنه يبري ساحتها، ويرى أن ميله وهواه لا يشبنها مع سلامة طريقتها، واستحكام عفافها.
وقال آخر:
وإذا عتبت على بت كاننيبالليل مختلس الرفاد سليم
ولقد أردت الصبر عنك فعاقنيعلق بقلب من هواك قديم
يبقي على حدث الزمان وريبهوعلى جفائك إنه لكريم
يقول: اليسير من إنكارك ولومك يعظم عندي ويصعب علي، حتى أبقى له ليلتي ساهراً مؤرقاً، وسادماً قلقاً، كأنني لديغ حية، أو مسلم لعارض علة. ولقد رمت التسلي عنك، والتصبر منك، فدفني عن المراد ما علق بقلبي من هواك قديماً وملك قيادي لك، حتى لا أجد دونك منصرفاً ومحياً. ثم يوصف العلق اللازم له، والحب الغالب عليه فقال: إنه يبقى على تغير الزمان، وتلون الحدثان، فلا يعض له فتور ولا نكوص؛ وعلى ما يتجدد عليه في كل حال من جفاء فيك شديد، وإعراض أليم، فلا يبدله قصور ولا نبوء؛ إن هذا العلق لكريم المحتد، محكم العقد، ثابت الأساس والبناء، مقدم الذكر في صحف الوداد والصفا.
وهذا الكلام، اعني قوله إنه لكريم يسمى الالتفات.
وقال آخر:
ألمم على دمن تقادم عهدهابالجزع واستلب الزمان جمالها
رسم لقاتله الغرانق ما بهإلا الوحوش خلت له وخلا لها
ظلت تسائل بالمتيم أهلهوهي التي فعلت به أفعالها
لإلمام: الزيارة الخفيفة. يخاطب صاحباً له ويسأله مساعدته في زيارة دار أحبته، فقال: زر آثار دار متقادمة العهد بسكانها. مسلوبة الجمال لتأثير نوائب الزمان فيها، بالجزع - وهو منعطف الوادي. وروى بعضهم: جلالها، ويكره هذا لما حكاه الأصمعي من أنه لا يقال الجلال إلا في الله تعالى، ولأنه وإن جاء في غيره ﷿ فهو قليل في العرف والاستعمال.
وقوله رسم لقاتلة الغرانق، ابتداء كلام، أي هو رسم دار لامرأة كانت تصيد الغرانق وتقتتلهم بالحب. والغرانق: الشاب الناعم الحسن، بضم الغين، وجمعه الغرانق بفتحها العراعر، والجوالق والجوالق. وقد استبدلت بأهلها وحوشاً فهي خالية لها، وهي رائعة فيها، لا تعدل عنها. وقوله ظلت تسائل، أي تبقى نهارها تسأل عشيرة العاشق عنه وعن استهتاره وعلته، وهي أعرف الناس بأخباره، إذ كانت المتولية لفتنته وخباله. والمتيم: المعبد؛ يقال: تيمه الحب، أي عبده واستعبده. وقوله خلت له، في موضع الصفة للرسم.
وقال آخر:
وما برح الواشون حتى ارتموا بناوحتى قلوبنا عن قلوب صوادف
وحتى رأينا أحسن الوصل بيننامساكتة لا يقرف الشر قارف
قد تقدم القول في ما برح وأنه في معنى ما زال. فيقول: لم ينفك السعاة عن الوشاية والتقاط الأحاديث للنميمة، واستدراج المختلطين بنا، واستشفاف المتبلغين بأخبارنا وأخبار غيرنا، حتى فرقوا بيننا، فأققبلوا يرمي بعضها بعضاً بمصاير أمورنا، وحتى صدفت القلوب، فمال كل من عشيرتنا إلى الاستبدال بموضعه، والانتقال عن جوار صاحبه، وإلى أن رأينا أحين المواصلة بيننا ملازمة السكوت، واطراح الإيحاء والرموز، توقياً من فرقة تتوجه، وتفادياً من تهمة تتسلط. هذا إذا رويت لا يقرف بضم الفاء. ويروى لا يقرف بكسر الفاء، ويكون في موضع الجزم جواباً للأمر الذي يدل عليه قوله مساكتة، لأنه في هذا الوجه مصدر في معنى الأمر، والجملة في موضع النصب على أن يكون مفعولاً ثانياً لقوله رأينا. والمساكتة تكون مواصلة تجعل بدلاً منها. ويكون هذا مثل قول الآخر:
تحية بينهم ضرب وجيع
ويكون المعنى: رأينا أحسن المواصلة بيننا تواصينا بأن ساكتوا الأحبة ومن يختلف بيننا وبينهم، لا يقرف الشر قارفه. وفي الوجه الأول يكون مساكتة مفعولاً ثانياً. والمعنى سكوتاً من الجانبين، أي كفافاً لا يتولد منه قرف ولا تهمة، ويكون قوله لا يقرف الشر، تفسيراً للمساكتة، وبياناً لاختيارهم لها. ويروى صوارف بالراء، والمعنى قلوب تصرف الود بما تأتيه وتستعمله عن القلوب الأخر.
وقال آخر:
فإن ترجع الأيام بيني وبينهابذي الأثل صيفاً مثل صيفي ومربعي
أشد بأعناق النوى بعد هذهمرائر إن جاذبتها لم تقطع
رجع هذا معدى، لأنه بمعنى رد. يقال: رجعته رجعاً فرجع رجوعاً. وصيفاً انتصب على المفعول من قوله ترجع. وكان الواجب أن يقول: صيفاً ومربعاً مثل صيفي ومربعي، أو يقول: بذي الأثل صيفي ومربعي، أي أياماً كأيامها، فلما لم يلتبس المراد قال: صيفاً مثل صيفي ومربعي. وقوله أشد بأعناق النوى، أشد في موضع الجزم، لأنه جواب الشرط. ولك أن تضم الدال منه إتباعاً للضمة الضمة، وأن تكسرها لالتقاء الساكنين وأن تفتحها، لأن الفتحة أخف الحركات. والمعنى إن ردت الأيام الدائرة بيني وبينها ربيعاً مثل مربعي، وصيفاً مثل مصيفي معها، استظهرت على النوى بأن أوثق أواخيها، وأمر حبالها التي أربطها بها، حتى إن جاذبتها قاومتك فلم تتقطع. وهذا مثل. والمراد أنى أحكم التألف والتجمع بما يؤمن معه تعقب الآراء بالمزايلة والافتراق.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع