أَمن أَجلِ دارٍ بالأغَرّ تأَبّدَت
الشاعر: مزاحم العقيلي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر مزاحم العقيلي، من العصر الأموي، وتقع في 102 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الفاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَمن أَجلِ دارٍ بالأغَرّ تأَبّدَت ... من الحىّ واستنَّتـ عليها العواصفُ
صباً وشمالٌ نَيرَجٌ تعتريهما ... أَهابىٌّ أَرواحِ المصيفِ الزفازف
ورائحــــة غُــــرٌ وجُــــونٌ يَــــقودُها ... بأَنجية الماءِ الرّواءِ الدوالف
وقفت بها لا قاضياً لى لبانةً ... ولا أَنا عنها مستمرٌّ فصارِف
ضُحى ناقتى حتى أَلاذ بخُفِّها ... بقيّةَ محذوٍّ من الظلِّ صائف
وقال خليلى بعد طول إقامةٍ ... على أَىِّ شىءٍ أَنت فى الدار واقف
وقفت بها حتى تعالت لى الضحى ... وملّ الوقوف المبرياتُ العوارفُ
ومــــلّ زميلاى الوقوف وراوحت ... يداً بيد جلذيةُ الخلقِ شارِفُ
فقلت حَلٍ طالَ الوقوفُ وسامَحَت ... قرينةُ مَن عاتبتُ والقلبُ آلِفُ
لمَهرِيّةٍ ما بين مقبِصِها الحصى ... وبين الذُرى منها مهاوٍ متالِفُ
تُباصر سوطى حيث دار بمقلةٍ ... مُسِرّةُ عِتقٍ طرفُها متشارفُ
كقارورة العطار في مستقرِّها ... بقيةُ أَحوى خَنَّقَ المِلءَ ناصَف
وركبٍ عُجالَى قد تضمنتُ سيرَهم ... بجدَّاءَ حيث امتدَّ منها التنائِفُ
فلاةِ فَلاً لمَّاعةٍ مَن يَجُر بها ... عن القصد تَمحَقهُ المنايا الجواحِفُ
تناديهمُ والليلُ داج وقد مضت ... برُكبانهِنَّ المعجلاتُ الخوانفُ
بحيَّهلا يتبعنَ حرفاً رمى بها ... أَمام المطايا سَدوها المتقاذِفُ
مُبانانِ عن رحّاءِ تُضحى وعَرضُها ... حبيسٌ إِذا ارتادَ البطون الستائف
زِوَرَّةِ أَسفارٍ تنقيتُ طِرقَها ... كما يتنقَّى جِدَّةَ النعلِ طائف
مذكَّرةِ الثُنيا مسانَدةِ القَرا ... لمجتمع اللَّحيينِ منها قفاقِفُ
رَمِىٌّ بذِكرٍ من حبيبٍ أَصابَهُ ... على النأى والهجرانِ فالقلب شاعفُ
حَننتُ إِلى جَدوى كما حنَّ والِهٌ ... دعاه الهوى واستطربته الأَلائفُ
كــــأَنَّ زكىَّ المِسكِ البانِ ذَافَهُ ... بأَعطافِ جَدوى آخر الليلِ ذائفُ
فما حقُّ جدوى أَن يكون خَبَالُها ... عــــلىَّ وأَقــــوالُ الوشاةِ القذائفُ
ويُغلَقُ دونى بابُ سترٍ وراءَه ... لغيرى كرامات المحبِّ اللطائف
فوجدى بها وَجدُ المضلِّ بعيرَهُ ... بمكَّةَ لم تعطف عليه العواطف
رأى من رفيقيهِ خُفوفاً وفاته ... بقُرفته المستعجلات الخوانف
وقالوا تَعَرَّفها المنازلَ من مِنًى ... وما كلُّ من وافى مِنىً أنا عارف
وماجونةُ المِدرَى خَذولٌ بدا لها ... بقُرّى ملاحِىٌّ من المَردِ ناطِف
أُصيب طلاها فهى قبّاءُ شَفَّها ... تَدُّرُ حول العهدِ مالا تصادف
ثلاثَ ليالٍ ثُمّ لم يُسلِ وجدَها ... إِهابٌ مُشَلًّى فى كُراعين شاسف
تضمنَّها أَحشاءُ وادٍ وغَيضَةٍ ... وظِلِّ كِناسٍ لاذَ بالساقِ جانِف
كصَعدَةِ مُرّانٍ جرى فوق متنِها ... خليجٌ أَمرّتهُ البحورُ الزغارِفُ
تَأَوّدَ منها كلما هَبّتِ الصبا ... أَنابيبُ حوٌّ لم تحنُهنَّ قاصف
بأحسن من جَدوى ولا ضوءُ مُزنةٍ ... تلألأَ فى دانى الربابةِ صائف
وما أُمُّ مكحولِ المدامعِ طالعت ... ركائبنا من منزل وهى عاطف
مبتَّلةُ المتنين أَدماءُ باكَرت ... كِناس الضحى والعرق ريّانُ صائف
بأَحسنَ من جدوى مناطَ قِلادةٍ ... ولا مقلةٍ إِن أَحسنَ النعتَ واصفُ
تريك على غِرّات أَشوَس يتَّقى ... يرى الطير لو يحذو له الطير عائف
يبيت وبُعدُ الدارِ بينى وبينه ... وعهدٌ قديمٌ وهو وجلانُ خائف
ترائبَ جُمّىً فى أَسيلٍ ومقلَةٍ ... كما شاف دينارَ الهرقلّى شائف
تريك ذراعى بكرةٍ حارثيّةٍ ... بنجرانَ صِينت أَخلصتها المعاكف
ومتنين كالخُوطَينِ في بطن حيّةٍ ... يَقُدنَ قطاةَ أثقلتها الردائف
ومبتسماً غُرَّ الثنايا كأَنَّه ... بما اسودَّ من ماء اليرندج راشف
روادفُ مُرتَجٍّ ينوءُ بخصرِها ... كما اهتزَّ من حُرِّ السَنامِ السَّدائف
كدِعصٍ برابى بُهرةٍ عَمِدِ الثرى ... أَجمَّ فلا ينهال والدِعصُ راجفُ
وكَفًّاـ بها الحِنَّاءُ لم يعدُ أَن جلا ... أَكمّتَهُ بعد التبيُّتِ قارِفُ
ومَن يَر من جدوى الذى قد رأيتُه ... يشِقهُ ويَجهَدهُ إِليها التكالِفُ
ولم تَحل عينى بعد جدوى بمنظر ... فكلَّ غداةٍ دمعُ عينى ذارفُ
فما عنب جَونٌ بأَعلى تبالة ... خضير أَمالته الأَكفُّ القواطف
بأَطيب من فيها وما ذقتُ طعمَهُ ... ولكننى بالطير والناسِ عارِف
وما أَمُّ أَحوى الجُدَّتينِ تعرَّضَت ... أَمامَ المطايا فهى فى الشرقِ عاطِفُ
بأَملحَ منها يوم قالت وصحبتي ... بجنب الغضا منهم منيخٌ وواقف
دع الناسَ ما شاءُوا يقولوا ولا تكن ... معنًّى بعورانِ الكلامِ القذائفُ
ولكنما هارُوك بالبذل وارتمى ... بك القوم حتى كلهم لك خائفُ
بأشياءَ مما يأشِبُ الناسُ لو رَمَوا ... بها البدرَ أَضحى لونه وهو كاسفُ
أَلم تر أَنَّ النَّاسَ ما يعلمونه ... يكن مثل ما تُذرى الرياحُ العواصفُ
يهيج علّى الشوقَ بعد اندمالِهِ ... منازلُ جدوى والحمام الهواتف
وإلفانِ ريعا بالفراقِ فمنهما ... مُجِدُّ ومقصورٌ له القيدُ راسف
بدت لَهُ أَعقاب الأَلائف بعدما ... مَلَسنَ ويثنيهِ مع القيدِ واقف
فردَّد سجعاً من حنينٍ وتحته ... سَقامٌ أَكنَّته الضلوع العطائفُ
ذهبن فلا هُنَّ ارعوين لجَرسِهِ ... ولا القيد منحلٌّ ولا هو راسف
فإن نظرَ الباقى تهلَّل دمعُه ... وإن نظرَ الماضى فللعين طارف
وهَيفٌ تُزَّجِى التُرب لتدرجُ الحصى ... لها بعد نومِ السامرين عوارفُ
يمانية هبَّتــ طُروقاً فزعزعت ... فروعَ الغضا هزَّ القنا المتراجِف
أَتانا بريعان الخطاطيف بالضحى ... وخُضر القوارى ناجُها المتقاذفُ
بهرجابَ حيث استخضَدَ السِّدر والتقى ... حمامٌ أَعالى القيضةِ المتهاتف
تلعَّبَ بِى حبّيكِ حتى تشابهت ... عظامى وأعوادُ الشكاعى الضعائف
ولا يَنشَبُ الجيرانُ أَن يتفرَّقوا ... إِذا لم يزل داع إِلى الهجر هاتفُ
وما بَرِحَ الواشون حتى ارتَموا بنا ... وحتى قلوبٌ عن قلوبٍ صوارِفُ
وحتى رأَينا أَجملَ الوصلِ بيننا ... مُساكتةً لا يعرف القرح قارف
فواكبدى من زفرةٍ تنفض الحشا ... كنفض الخلا أَشلى له الخيل عالف
فلا يستوى اَحشاءَ من لا هوى له ... وليفةُ أَحشاءِ المحبِّ اللواهف
ومَن لا يريمُ الحبُ ثُغرةَ نحره ... ومَن هو تبكيه الحمام الهواتف
أَبينى أَتعويلٌ علينا فتُعتَبى ... صدودُكِ هذا أَم لعينيك طارف
يقول غداة الأَجرعينِ ابنُ بَوزَلٍ ... وهنّ بنا صُعرُ الخدود حوائف
ضُحيًّاــ وعيدىُّ المهارى كأَنَّه ... برُكبانِهِ سِربٌ من الكُدرِ هائف
يساقِطنَ وَغلاً بعدما وَقَدَ الحصى ... بخضَّمَ وانقادت لهُنَّ الأَعارف
تمتَّعـ من السِيدان والأَوقِ نظرةً ... فــــقلبك للسيدان والأَوقِ آلفُ
وما حُزىَ السيدان فى ريِّقـ الضحى ... ولا الأَوق إِلاَّ أَفرطَ العينَ واكف
وإنى من لا يجمعُ الزادُ بيننا ... على ثَمَدِ السيدان يوماً لخائف
وقد عاف لى والبُردُ يثنى فضُولَه ... يـــــوم العـــــقــــنــــقــــيــــن عــــائف
بإِنَّهُ لا جدوى لك العام فاعترف ... بصبر عسى من قابلٍ ستساعف
وياليت شعرى حين تغترب النوى ... ويعترُّ جدوى المترفون الغطارف
أَتحفَظُ جدوى سِرَّنا أَم تُضيعُه ... أَصـــــاب اذن جـــــدى أذىً وعــــجــــارِف
ولو بَذَلت أُنساً لأَعصمَ يرتقى ... بلوذِ الشَرى قد جرّدته المحارف
ربيبِ قَراً كالكَر يُضحى ودونَه ... من اللائى يجتبنَ العماءَ مُتالف
يظل كذى الأَزلامِ فى رأسِ مَرقَب ... ويرعى إذا لم تستغله المخاوف
بَشاماً ورَنفاً ثم مُلقى سِبالِهِ ... مدامعُ أَوشالٍ سقَتها الزحالِفُ
وشاخسَ فاهُ الدهرُ حتى كأنَّه ... مُقابل صِيرانش الكِناسِ الأَلائف
لظلّ إِليها رانياً أَو لحطَّه ... تخلَّبُ جَدوى والكلامُ الطرائف
وما أَنِسَ منها ليلةَ الجِزع إِذ مشت ... إِلّى وأَصحابى مُنيخٌ وواقفُ
فمدَّت بناناً للصفاح كأَنَّه ... بناتُ النَقَا مالت بهنّ الأَحاقف
به نَضحُ حِنَّاء جديدٌ كأَنَّه ... لما استشربَت منه الأَناملُ راعف
فيا جدوَ إِن قادتك عين زهيدةٌ ... لأُذنى وشرُّ الوصلِ فى من يلاطف
وإن كنتِ قد أَزمعتِ صومى وأَصبحت ... قوى الحبل بُتراً جَذّمَ الوصلِ جاذف
فإيّاك موصوماً به صدعُ وَقرَةٍ ... تُخاف ولا نِكسٌ من القوم زائف
ولا عــــضِــــلٌ كــــزٌّ كأَنَّ بضِبعِهِ ... صَلاءَ حشا الجنبينِ شَشنٌ جُنادف
وطــــيــــرى لمــــخــــراقٍ أَشمَّ كأَنَّه ... سليلُ رماحٍ لم تنله الزعانف
إِذا ساحنَ النَعماءَ لاقت بسيّدٍ ... كــــــــريـــــــمٍ وزولٌ أَلمَّ الجـــــــوارف
جوادٌ إِذا حوضُ الندى دَغدغت به ... بأَيدى اللهاميم الطوال المعارفُ
ويُحسنُ لَسنَ القومِ بالقوم بالتى ... يُهابُ المُزجّى والحرونُ المخالف
ويُطرقُ إطراقَ الشجاع وعنده ... إِذا كانت الهيجا نِزال مناقف
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الفاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الرواء: روأ: روَّأَ فِي الأَمرِ تَرْوِئةً وتَرْوِيئاً: نَظَرَ فِيهِ وتَعَقَّبه وَلَمْ يَعْجَلْ بِجَواب. وَهِيَ الرَّوِيئةُ، وَقِيلَ إِنما هِيَ الرَّوِيَّةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، ثُمَّ قَالُوا رَوَّأَ، فَهَمَزُوهُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ … (لسان العرب)
- المبريات: برأ: البارئُ: مِن أَسماءِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وَاللَّهُ البارئُ الذَّارِئُ. وَفِي التنزيلِ العزِيزِ: الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ. وقالَ تعَالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ. قَالَ: البارئُ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ لَا عَنْ … (لسان العرب)
- المصيف: صيف: الصَّيْفُ: مِنَ الأَزمنةِ مَعْرُوفٌ، وَجَمْعُهُ أَصْيَافٌ وصُيُوفٌ. ويومٌ صَائِفٌ أَي حارٌّ، وَلَيْلَةٌ صَائِفَة. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَرُبَّمَا قَالُوا يَوْمٌ صَافٌ بِمَعْنَى صَائِفٍ كَمَا قَالُوا يَوْمٌ راحٌ ويو … (لسان العرب)
- الوقوف: قوف: قُوفُ الرَّقَبَةِ وقُوفَتُها: الشَّعَرُ السَّائِلُ فِي نُقْرتها. ابْنُ الأَعرابي: يُقَالُ خُذْ بقُوف قَفاه وبقُوفَة قَفَاهُ وبقَافِيةِ قَفاه وَبِصُوفِ قَفاه وَصُوفَتِهِ وبظَليفه وبصَلِيفه وبصَلِيفَتِه كُلُّهُ بِمَعْ … (لسان العرب)