من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
بحيهلا يزجون كل مطيةٍأَمَام المطايا سَيرهَا المتقاذف
على أَن حيهلا بِلَا تَنْوِين محكيٌّ أُرِيد بِهِ لَفظه. قَالَ النّحاس: جعله بِمَنْزِلَة خَمْسَة عشر فَلذَلِك لم ينونه. وَقَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي قَوْله: بحيهلا فَتَركه على لَفظه محكياً. يَقُول: لجعلتهم يسوقون المطايا بقَوْلهمْ: حيهلا. وَمَعْنَاهُ الْأَمر على أَنَّهَا مُتَقَدّمَة فِي السّير متقاذفة عَلَيْهِ أَي: مترامية.
وَجعل التقاذف للسير اتساعاً ومجازاً. انْتهى. قَالَ ابْن السيرافي: المتقاذف: الَّذِي يتبع بعضه بَعْضًا كَأَن كل سيرٍ تسيره هَذِه المطية يقذف بهَا إِلَى سيرٍ آخر. وَمثله قَول عمر بن أبي ربيعَة:
أَخُو سفرٍ جَوَاب أرضٍ تقاذفتبِهِ فلواتٌ فَهُوَ أَشْعَث أغبر
أَي: رمته فلاةٌ إِلَى أُخْرَى. وَقَالَ غَيره: إِن القذاف سرعَة السّير. وَفرس متقاذف: الْعَدو.
وَيجوز أَن يكون المتقاذف الَّذِي يَرْمِي بعضه بَعْضًا لسرعته. والإزجاء بالزاي الْمُعْجَمَة وَالْجِيم: السُّوق. والمطية: الدَّابَّة يُقَال لَهَا لِأَنَّهَا تمطو فِي السّير أَي: تمتد. وأمام بِالْفَتْح قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ: يُرِيد أَنهم مسرعون فِي السّير فهم يسوقون بِهَذَا الصَّوْت لتسرع فِي سَيرهَا. وَقَالَ: أَمَام المطايا لِأَنَّهُ إِذا سبقت الأولى تبعها مَا بعْدهَا بِخِلَاف سوق الْأَوَاخِر. وَقَالَ: سَيرهَا المتقاذف يَعْنِي أَنهم يسوقونها مَعَ كَون سَيرهَا متقاذفاً والتقاذف: الترامي فِي السّير وَإِذا سبق المتقاذف كَانَ سيره أبلغ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ.
وأمام المطايا فِي مَوضِع وصف المطية وسيرها المتقاذف جملَة ابتدائية صفةٌ لِمَطِيَّةٍ وَالْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بيزجون. انْتهى. وأجود من هَذَا أَن يكون سَيرهَا فَاعل الظّرْف لاعتماده على الْمَوْصُوف والمتقاذف صفة لسيرها. وَيجوز أَن يكون سَيرهَا المتقاذف مُبْتَدأ مَوْصُوفا والظرف قبله خَبره وَالْجُمْلَة صفة مَطِيَّة. وَالْبَيْت أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ للنابغة الْجَعْدِي الصَّحَابِيّ وَتَبعهُ عَلَيْهِ خدمَة كِتَابه. وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّادِس والثمانين بعد الْمِائَة. وَنقل ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل عَن السيرافي أَنه من قصيدةٍ لمزاحم ابْن الْحَارِث الْعقيلِيّ. وَأورد هَذِه الأبيات مِنْهَا:
ووجدي بهَا وجد المضل بعيرهبِمَكَّة لم تعطف عَلَيْهِ العواصف
)
رأى من رفيقيه الْجفَاء وَفَاتهبنشدانها المستعجلات الخوانف
وَقَالُوا: تعرفها الْمنَازل من منىوَمَا كل من وافى منى أَنا عَارِف
الوجد: مَا يجده الْإِنْسَان من الْعِشْق. والمضل: اسْم فَاعل من أضلّهُ وَجُمْلَة لم تعطف إِلَخ حَال من المضل. وَهَذَا غايةٌ فِي الْحيرَة. وَلم تعطف عَلَيْهِ
العواطف: جمع عاطفة أَي: لم يرق عَلَيْهِ أحد وَلم يحملهُ على بعير من إبِله وَهُوَ جمع عاطفة. وَيُرَاد بهَا فِي الصداقة وَالرحم والمودة والصحبة وَمَا أشبه ذَلِك. وَرُوِيَ: نَخْلَة بدل مَكَّة وَهِي موضعٌ بِقرب مَكَّة وَعَلَيْهَا يُؤْخَذ الْحَاج بعد انْقِضَاء حجهم وَلذَلِك قَالَ: لم تعطف إِلَخ. لأَنهم آخذون فِي الِانْصِرَاف. أَي: إِنَّه وجد بمفارقته لَهَا كَمَا وجد الَّذِي ضل بعيره فِي هَذَا الْموضع. وَالْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَمحل الشَّاهِد فِيهِ أَنه جعل وجدي: مُبْتَدأ وَوجد المضل: خَبره لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ فَلم يجز نَصبه على المصدرية.
وَأَصله وجدي بهَا وجدٌ مثل وجد المضل بعيره. والخوانف: جمع خانفة وَهِي النَّاقة الَّتِي تخنف برأسها أَي: تميلها إِذا عدت. وَهِي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالنُّون وَالْفَاء. وَقَوله: وَقَالُوا تعرفها الْمنَازل إِلَخ قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: كَانُوا يسمون منى الْمنَازل وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
ثمَّ قَالَ: وَيُقَال للرجل إِذا أَتَاهَا: نَازل. قَالَ عَامر بن الطُّفَيْل:
أنازلةٌ أَسمَاء أم غير نازلةأبيني لنا يَا أسم مَا أَنْت فَاعله
وَقَالَ غَيره: الْمنَازل من منى: حَيْثُ ينزلون أَيَّام رمي الْجمار.
وَالْبَيْت أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي موضِعين من كِتَابه بِرَفْع كل على لُغَة الْحجاز. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَإِن شِئْت حَملته على لَيْسَ يَعْنِي إِن شِئْت جعلت كل مَرْفُوعا بِمَا وَجعلت أَنا عَارِف فِي مَوضِع الْخَبَر وأضمرت فِي عارفٍ هَاء تعود إِلَى كل كَأَنَّك قلت: عارفه. ثمَّ قَالَ: وَإِن شِئْت حَملته على كُله لم أصنع. وَهَذَا أبعد الْوَجْهَيْنِ يَعْنِي: وَإِن شِئْت رفعت كل بِالِابْتِدَاءِ وَجعلت الْجُمْلَة فِي مَوضِع الْخَبَر كَذَلِك على لُغَة تَمِيم كَمَا قلت: كُله لم أصنع فَرفعت كل بِالِابْتِدَاءِ وأضمرت هَاء فِي أصنع. وَمعنى قَوْله: وَهَذَا أبعد الْوَجْهَيْنِ يَعْنِي رفع كل بِالِابْتِدَاءِ وَذَلِكَ لِأَن من يرفعهُ بِالِابْتِدَاءِ لَا يعْمل مَا فَإِذا لم يعملها أمكنه أَن يعْمل عَارِف فِي كل فَإِذا لم يعْمل فقد قبح إِذْ قد وجد السَّبِيل إِلَى الْمُخْتَار وَلَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى غَيره. وَمن رفع كل ب مَا فَهُوَ لَا يجد السَّبِيل إِلَى إِعْمَال عَارِف فِي كل إِلَّا بِحَذْف مَا وحذفها يُغير الْمَعْنى. وَقَالَ النّحاس: وَيجوز أَن ينصب كلاًّ بعارف على أَنَّهَا تميمية. وَقَالَ ابْن خلف: هَذَا الْبَيْت رُوِيَ بِرَفْع كل ونصبه على جعل مَا تميمية وَإِبْطَال عَملهَا. وَنصب كل)
بعارف. وأنشده الْفراء أَيْضا فِي تَفْسِيره مرَّتَيْنِ: الأولى عِنْد قَوْله تَعَالَى: يَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفقُونَ.
قَالَ: أَنْشدني أَبُو ثروان:
وَقَالُوا تعرفها الْمنَازل من منىالْبَيْت
رفعا. قَالَ: وَلم أسمع نصب كل. وَالثَّانيَِة عِنْد قَوْله تَعَالَى: وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره قَالَ: الْعَرَب فِي كل تخْتَار الرّفْع وَقع الْفِعْل على رَاجع الذّكر أَو لم يَقع. وأنشدوني فِيمَا لم يَقع الْفِعْل على راجعٍ ذكره: فَقَالُوا تعرفها الْمنَازل.............. الْبَيْت فَلم يَقع عارفٌ على كل وَذَلِكَ أَن فِي كل تَأْوِيل: وَمَا من أحدٍ وافى منى أَنا عَارِف. وَلَو نصبت لَكَانَ صَوَابا وَمَا سمعته إِلَّا رفعا. وَقَالَ الآخر:
قد علقت أم الْخِيَار تَدعِيعَليّ ذَنبا كُله لم أصنع
رفعا. وأنشدنيه بعض بني أَسد نصبا. انْتهى. وأنشده ابنالناظم فِي شرح الألفية وَابْن هِشَام فِي شرحها وَفِي الْمُغنِي أَيْضا بِنصب كل على إبِْطَال مَا لإيلائها مَعْمُول الْخَبَر وَلَيْسَ ظرفا لِأَن كلا مَعْمُول لعارف. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: ويروى كل بِالرَّفْع على أَنه اسْم مَا وَالْجُمْلَة من قَوْله: أَنا عَارِف خَبَرهَا والعائد مَحْذُوف أَي: عارفه. وَذَلِكَ متسهلٌ إِذا كَانَ الْمخبر عَنهُ كلاًّ كَقِرَاءَة ابْن عَامر: وكلٌّ وعد الله الْحسنى وَكَقَوْلِه:
ثلاثٌ كُلهنَّ قتلت عمدا وَقَول أبي النَّجْم: كُله لم أصنع وانتصاب الْمنزل على إِسْقَاط فِي توسعاً لَا على الظّرْف لِأَنَّهُ مُخْتَصّ. انْتهى. وَهَذَا ردٌّ على ابْن خلف فِي زَعمه أَنه مَنْصُوب على الظّرْف. وتعرفها أَي: أعرف منزلهَا بالسؤال عَنْهَا. قَالَ النّحاس: سَأَلنَا أَبُو إِسْحَاق الزّجاج عَن معنى هَذَا الْبَيْت فَقَالَ: الْإِنْسَان يسْأَل عَن الشَّيْء من يعرفهُ وَمن لَا يعرفهُ فَمَا معنى هَذَا الْبَيْت وَأجَاب فَقَالَ: هَذَا يذكر امْرَأَة يتعشقها فَلَيْسَ يسْأَل عَن خَبَرهَا إِلَّا من يعرفهُ ويعرفها. ومزاحم بن الْحَارِث شاعرٌ إسلاميٌّ من بني عقيل بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة. قَالَ صَاحب الأغاني: وَقيل هُوَ مُزَاحم بن عَمْرو بن مروة بن الْحَارِث. وَهَذَا القَوْل أقرب عِنْدِي إِلَى الصَّوَاب. انْتهى. فَيكون الْحَارِث على هَذَا جد أَبِيه.)
ثمَّ قَالَ: وَهُوَ شَاعِر بدويٌّ فصيح إسلامي كَانَ فِي زمن جرير والفرزدق وَكَانَ جريرٌ يصفه ويقرظه ويقدمه وَيَقُول: مَا من بَيْتَيْنِ كنت أحب أَن أكون سبقت إِلَيْهِمَا غير بَيْتَيْنِ من قَول مُزَاحم الْعقيلِيّ وهما:
وددت على مَا كَانَ من سرف الْهوىوغي الْأَمَانِي أَن مَا شِئْت يفعل
فترجع أيامٌ تقضت ولذةٌتولت وَهل يثنى من الدَّهْر أول
وسرف الْهوى: خَطؤُهُ. وَمثله قَول جرير: مَا فِي عطائهم منٌّ وَلَا سرف أَرَادَ أَنهم يحفظون مَوَاضِع الصَّنَائِع لَا أَنه وَصفهم بالاقتصاد والتوسط فِي الْجُود. وَرُوِيَ أَن الفرزدق دخل على عبد الْملك بن مَرْوَان أَو بعض بنيه فَقَالَ لَهُ: يَا فرزدق أتعرف أحدا أشعر مِنْك قَالَ: لَا إِلَّا أَن غُلَاما من بني عقيل يركب أعجاز الْإِبِل وينعت الفلوات فيجيد ثمَّ جَاءَهُ جرير فَسَأَلَهُ عَن مثل مَا سَأَلَ عَنهُ الفرزدق فَأَجَابَهُ بجوابه فَلم يلبث أَن جَاءَهُ ذُو الرمة فَقَالَ لَهُ: لَا وَلَكِن غلامٌ من بني عقيل يُقَال لَهُ مُزَاحم يسكن الروضات يَقُول وحشياً من الشّعْر لَا يقدر على قَول مثله. فَقَالَ: أَنْشدني بعض مَا تحفظ من ذَلِك. فأنشده:...
خليلي عوجا بِي على الدَّار نسْأَلمَتى عهدها بالظاعن الْمُحْتَمل
فعجت وعاجوا بَين بيداء مورتبهَا الرّيح جولان التُّرَاب المنخل
إِن لواً وَإِن ليتاً عناء هَذَا عجز وصدره: لَيْت شعري وَأَيْنَ مني لَيْت وَيَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله فِي بَاب الْعلم. وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع