من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الأربعمائة أعطيهم الْجهد مني بله مَا أسع على أَن الْأَخْفَش أوردهُ فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء قَالَ: بله فِيهِ حرف جر كعدا وخلا بِمَعْنى سوى.
أوردهُ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر وَعقد ل بله بَابا قَالَ: هَذَا بَاب مَا يكون مرّة اسْما وَمرَّة مصدرا وَمرَّة حرف جر. قَالَ الشَّاعِر:
حمال أثقال أهل الود آونةًأعطيهم الْجهد مني بله مَا أسع
قَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي بَاب من الِاسْتِثْنَاء: إِن بله حرف جر. قَالَ أَبُو عَليّ: وَوجه كَونه حرفا أَنه يُمكن أَن يُقَال أَنَّك إِن حَملته على أَنه اسْم فعل لم يجز لِأَن الْجمل الَّتِي تقع فِي الِاسْتِثْنَاء مثل لَا يكون زيدا وَلَيْسَ عمرا وَعدا خَالِدا فِيمَن جعله فعلا لَيْسَ شيءٌ مِنْهُ أمرا وَهَذَا يُرَاد بِهِ الْأَمر وَهُوَ اسمٌ للْفِعْل فَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يجز لِأَنَّهُ لَا نَظِير لَهُ. فَإِن قلت: فَلم لَا تَجْعَلهُ الْمصدر لِأَن الْمصدر قد وَقع فِي الِاسْتِثْنَاء فِي قَوْلك: أَتَانِي الْقَوْم مَا عدا زيدا وَالتَّقْدِير: مجاوزتهم زيدا فَهُوَ مصدر. قلت: يُمكن أَن يُقَال إِن مَا زَائِدَة وَلَيْسَت الَّتِي للمصدر وَعدا إِذا قدرت زِيَادَة مَا كَانَ جملَة فَلَيْسَ فِي ذَلِك دلَالَة لاحْتِمَاله غير ذَلِك. والحروف قد وَقعت فِي الِاسْتِثْنَاء نَحْو: خلا وحاشا وَلَا وَجه لهَذِهِ الْكَلم إِلَّا أَن تكون حُرُوف جر فَإِذا كَانَ بله زيد هُنَا لَيْسَ يَخْلُو من أَن يكون اسْم فعل أَو مصدرا أَو حرفا وَلَيْسَ يجوز وُقُوع اسْم فعل هُنَا لما)
قدمنَا وَلَا الْمصدر لِأَنَّهُ لم يَقع عَلَيْهِ دلَالَة من حَيْثُ جَازَ أَن تكون مَا زَائِدَة فِي مَا عدا كَانَ حرف جرٍ لِأَن حُرُوف الْجَرّ قد وَقعت فِي مَوضِع الِاسْتِثْنَاء. انْتهى كَلَامه. وَحَاصِله أَنه اسْتدلَّ ل بله بِكَوْنِهِ حرف اسْتثِْنَاء بِأَن اسْم الْفِعْل لم يَقع فِي الِاسْتِثْنَاء فَكَذَلِك لم يكن مصدرا لِأَنَّهُ لَا يكون مصدرٌ إِلَّا حَيْثُ يكون اسْم فعل.
ثمَّ اعْترض نَفسه بِمَا عدا زيدا وبابه فَقَالَ: يُمكن أَن تكون مَا زَائِدَة. قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: قلت كزنها مَصْدَرِيَّة أولى وَبِه قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَالْجَمَاعَة.
وَقد حكى أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو الْحسن النصب بعْدهَا فِي الِاسْتِثْنَاء. انْتهى. وَيُرِيد أَبُو عَليّ أَنَّهَا لَيست فِي النصب حرفا لِأَنَّهَا قد جرت وَلَيْسَ فِي الِاسْتِثْنَاء مَا ينصب ويخفض إِلَّا وَهُوَ مُتَرَدّد بَين الحرفية والفعلية وَلَا يكون نصبها كنصب إِلَّا لهَذَا وَلِأَنَّهَا لَا يَقع بعْدهَا الْمَرْفُوع. كَذَلِك قَالَ أَبُو حَيَّان. يُرِيد أَنَّهَا لم تخرج عَن بَابهَا وَإِن دَخلهَا معنى الِاسْتِثْنَاء. فالخفض على أَنَّهَا مصدر وَالنّصب على أَنَّهَا اسْم فعل. وَقَالَ الدماميني فِي شَرحه المزج على الْمُغنِي: ذهب الْكُوفِيُّونَ والبغداديون إِلَى أَن بله ترد للاستثناء كَغَيْر. وَجُمْهُور الْبَصرِيين على أَنَّهَا لَا يسْتَثْنى بهَا. وَاسْتدلَّ ابْن عُصْفُور بأمرين: أَحدهمَا أَن مَا بعد بله لَا يكون من جنس مَا قبلهَا. أَلا ترى أَن الأكف فِي الْبَيْت لَيست من الجماجم. وَالثَّانِي: أَن الِاسْتِثْنَاء عبارةٌ عَن إِخْرَاج الثَّانِي مِمَّا دخل فِي الأول وَالْمعْنَى فِي بله لَيْسَ كَذَلِك. أَلا ترى أَن الأكف مَقْطُوعَة بِالسُّيُوفِ كالجماجم. وَفِيه نظر. أما الأول فلأنا لَا نسلم أَن كل اسْتثِْنَاء يكون مَا بعد الأداة فِيهِ من جنس مَا قبلهَا بِدَلِيل الْمُنْقَطع.
وَأما الثَّانِي فلتحقق الْإِخْرَاج بِاعْتِبَار الْأَوْلَوِيَّة. انْتهى.
وَقد بسط القَوْل أَبُو حَيَّان فِي شرح التسهيل على هَذِه الْمَسْأَلَة فَلَا بَأْس بإيراده هُنَا. قَالَ: مَذْهَب جُمْهُور الْبَصرِيين: لَا يجوز فِيمَا بعْدهَا إِلَّا الْخَفْض. وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ والبغداديون فِيهِ النصب على الِاسْتِثْنَاء نَحْو أكرمت العبيد بله الْأَحْرَار. وَإِنَّمَا جعلوها اسْتثِْنَاء لأَنهم رَأَوْا مَا بعْدهَا خَارِجا عَمَّا قبلهَا فِي الْوَصْف من حَيْثُ كَانَ
مُرَتبا عَلَيْهِ لِأَن الْمَعْنى فِيهِ: إِن إكرامك الْأَحْرَار يزِيد على إكرامك العبيد. وَالصَّحِيح أَنَّهَا لَيست من أدوات الِاسْتِثْنَاء بِدَلِيل انْتِفَاء وُقُوع إِلَّا مَكَانهَا وَأَن مَا بعْدهَا لَا يكون إِلَّا من جنس مَا قبلهَا. وَيجوز دُخُول حرف الْعَطف عَلَيْهَا وَلم يتقدمها اسْتثِْنَاء. قَالَ شَيخنَا ابْن الضائع: وَمِمَّا يضعف إِدْخَال بله وَلَا سِيمَا فِي أدوات الِاسْتِثْنَاء أَنهم لم يَأْتُوا بحتى فِي الِاسْتِثْنَاء.
أَلا ترى أَن قَوْلهم: قَامَ الْقَوْم حَتَّى زيد قد أخرج زيدٌ عَن الْقَوْم لصفةٍ اخْتصَّ بهَا فِي الْقيام لم تثبت لَهُم فَلَو كَانَ هَذَا الْمَعْنى حَقِيقَة فِي الِاسْتِثْنَاء للَزِمَ. وَلَا تذكر حَتَّى فِي أدوات الِاسْتِثْنَاء.)
انْتهى. وَمَا ذهب إِلَيْهِ جُمْهُور الْبَصرِيين من أَنه لَا يجوز فِيمَا بعْدهَا النصب لَيْسَ بِصَحِيح بل النصب بعْدهَا محفوظٌ من الْعَرَب. قَالَ الشَّاعِر: مشي الْجواد فبله الجلة النجبا وَقَالَ جرير:
وَهل كنت يَا ابْن الْقَيْن فِي الدَّهْر مَالِكًالغير بعيرٍ بله مهريةً نجبا
وَقَالَ آخر:
بله الأكف كَأَنَّهَا لم تخلق وَقد رُوِيَ الرّفْع أَيْضا بعد بله على معنى كَيفَ. ذكره قطرب وَأنْكرهُ أَبُو عَليّ. وَفِي مُخْتَصر الْعين: بله بِمَعْنى كَيفَ وَبِمَعْنى دع. فَأَما الْجَرّ بعْدهَا وَهُوَ الْمجمع على سَمَاعه فَذهب بعض الْكُوفِيّين إِلَى أَنَّهَا بِمَعْنى غير فَمَعْنَى بله الأكف غير الأكف فَيكون هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطِعًا.
وَذهب الْفَارِسِي إِلَى أَنَّهَا مصدر لم ينْطق لَهُ بِفعل وَهُوَ مُضَاف وَهِي إضافةٌ من نصب.
وَذهب الْأَخْفَش إِلَى أَنَّهَا حرف جر. وَأما النصب فَيكون على أَنه مفعول وبله مصدر مَوْضُوع مَوضِع الْفِعْل أَو اسْم الْفِعْل لَيْسَ من لفظ الْفِعْل. فَإِذا قلت: قَامَ الْقَوْم بله زيدا فكأنك قلت: تركا زيدا أَو دع زيدا. وَأما الرّفْع فعلى الِابْتِدَاء وبله بِمَعْنى كَيفَ فِي مَوضِع الْخَبَر. وَقَالَ ابْن عُصْفُور: إِذا قلت: قَامَ الْقَوْم بله زيدا إِنَّمَا مَعْنَاهُ عندنَا دع زيدا وَلَيْسَ الْمَعْنى إِلَّا زيدا. أَلا ترى أَن معنى بله الأكف دع الأكف. فَهَذِهِ صفتهَا وَلم يرد اسْتثِْنَاء الأكف من الجماجم. قَالَ شَيخنَا: هَذَا مناقضٌ لقَوْله: كَأَنَّهَا لم تخلق فَإِنَّمَا يُرِيد إِذا كَانَ فعلهَا فِي الجماجم كَذَا فالأكف أَحْرَى بذلك فَكَأَنَّهَا لم تكن قطّ فَيُقَال أَنَّهَا قطعتها. فَلَا بَين معنى لاسيما وبله. انْتهى. هَذَا مَا أوردهُ ابْن حَيَّان. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَمِنْه بله مَا أطلعْتُم أَي: من الِاسْتِثْنَاء بجعله بله بِمَعْنى سوى. وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن أبي هُرَيْرَة فِي تَفْسِير سُورَة السَّجْدَة وَهُوَ: يَقُول الله تَعَالَى:
أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عينٌ رَأَتْ وَلَا أذنٌ سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر ذخْرا بله مَا أطلعْتُم عَلَيْهِ. ثمَّ قَرَأَ: فَلَا تعلم نفسٌ مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعينٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ. وأطلعتم ضَبطه الْقُسْطَلَانِيّ بِضَم الْهمزَة وَكسر اللَّام.
قَالَ: وَلأبي الْوَقْت: أطلعتهم بِفَتْح الْهمزَة وَاللَّام وَزِيَادَة هَاء بعد التَّاء. وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة فِي كتاب الْجنَّة وَصفَة نعيمها وَأَهْلهَا من صَحِيحه وَلَفظه: قَالَ رَسُول الله صلى الله)
عَلَيْهِ وَسلم: يَقُول الله ﷿: أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عينٌ رَأَتْ وَلَا أذنٌ سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر ذخْرا بله مَا أطلعْتُم عَلَيْهِ ثمَّ قَرَأَ: فَلَا تعلم نفسٌ مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين انْتهى. وَفِي رِوَايَة مِنْهُ: بله مَا أطلعْتُم الله عَلَيْهِ. فَقَوْل الْقُسْطَلَانِيّ فِي شرح البُخَارِيّ: إِن هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ سَهْو مَعَ أَن ابْن حجر قَالَ: فِي فتح الْبَارِي: أخرج مسلمٌ الحَدِيث كُله عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم: بله مَعْنَاهَا: دع عَنْك مَا أطلعتكم عَلَيْهِ فَالَّذِي لم أطْلعكُم عَلَيْهِ أعظم. فَكَأَنَّهُ أضْرب عَنهُ اسْتِقْلَالا لَهُ فِي جنب مَا لم يطلع عَلَيْهِ. وَقيل مَعْنَاهَا غير وَقيل مَعْنَاهَا كَيفَ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة: بله اسْم فعل بِمَعْنى دع وَقد يوضع مَوضِع الْمصدر ويضاف. وَقَوله: مَا أطلعْتُم عَلَيْهِ يحْتَمل أَن يكون مَنْصُوب الْمحل ومجروره. انْتهى. وَرَوَاهُ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: بله مَا قد أطلعتكم عَلَيْهِ وَقَالَ: يُرِيد فدع مَا أطلعتكم عَلَيْهِ وَكَيف مَا أطلعتكم. وَتقول الْعَرَب: إِنِّي لَا أركب الْخَيل فَكيف الْحمير يُرِيد: فدع ذكر الْحمير لَا تذكره. فَفِي هَذَا القَوْل دلالةٌ على مُوَافقَة كَيفَ معنى دع فِي هَذِه الْجِهَة.
انْتهى.
وَوَقع فِي أَكثر نسخ البُخَارِيّ من بله مَا اطلعتم عَلَيْهِ بِزِيَادَة من
قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ هِيَ رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت والأصيلي وَابْن عَسَاكِر. قَالَ ابْن حجر: قَالَ الصَّاغَانِي: اتّفقت نسخ الصَّحِيح على من بله وَالصَّوَاب إِسْقَاط كلمة من. وَتعقب بِأَنَّهُ لَا يتَعَيَّن إِسْقَاطهَا إِلَّا إِذا فسرت بِمَعْنى دع وَأما إِذا فسرت بِمَعْنى من أجل أَو من غير أَو سوى فَلَا. وَقد بيّنت فِي عدَّة مصنفاتٍ خَارج الصَّحِيح بِإِثْبَات من. وَأخرجه سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق ابْن مرْدَوَيْه أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش كَذَلِك. وَقد فسر الْخطابِيّ الْجَار وَالْمَجْرُور بقوله: كَأَنَّهُ يَقُول: دع مَا اطلعتم عَلَيْهِ فَإِنَّهُ سهل فِي جنب مَا ادخر لَهُم. وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ لائقٌ بشرح بله بِغَيْر تقدم من عَلَيْهَا. وَأما إِذا تقدّمت من عَلَيْهَا فقد قيل: هِيَ بِمَعْنى كَيفَ وَيُقَال: أجل وَيُقَال بِمَعْنى غير أَو سوى وَقيل بِمَعْنى فضل. انْتهى. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَمن الْغَرِيب أَن فِي رِوَايَة البُخَارِيّ من بلهٍ قد اسْتعْملت معربةً مجرورة ب من وخارجةً عَن الْمعَانِي الثَّلَاثَة. وفسرها بَعضهم بِغَيْر وَهُوَ ظاهرٌ. وَبِهَذَا يتقوى من يعدها فِي أَلْفَاظ الِاسْتِثْنَاء. انْتهى. وَكَذَلِكَ قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ: قد ثَبت جر بله بِمن فِي الْفَرْع الْمُعْتَمد الْمُقَابل على أصل اليونيني الْمُحَرر بِحَضْرَة إِمَام الْعَرَبيَّة أبي عبد الله بن مَالك. قَالَ الدماميني فِي شرح البُخَارِيّ: وَفِي شُرُوح الْمُغنِي: نَص ابْن التِّين على أَن بله ضبط بِالْفَتْح والجر وَكِلَاهُمَا مَعَ وجود من. فَأَما الْجَرّ فقد وَجهه ابْن هِشَام. وَأما تَوْجِيه الْفَتْح مَعَ)
وجود من فقد قَالَ الرضي: إِذا كَانَ بله بِمَعْنى كَيفَ جَازَ أَن تدخله من وَعَلِيهِ تتخرج هَذِه الرِّوَايَة فَتكون بِمَعْنى كَيفَ الَّتِي يقْصد بهَا الاستبعاد.
ومَا مَصْدَرِيَّة وَهِي مَعَ صلتها فِي مَحل رفع على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر من بله وَالضَّمِير من عَلَيْهِ عَائِد على الذخر أَي: كَيفَ وَمن أَيْن اطلاعكم على الذخر الَّذِي أعددته فَإِنَّهُ أمرٌ قَلما تتسع الْعُقُول لإدراكه والإحاطة بِهِ. انْتهى.
وَمثله لِابْنِ حجر قَالَ: وَوَقع فِي الْمُغنِي لِابْنِ هِشَام أَن بله اسْتعْملت معربة مجرورة ب من وَأَنَّهَا بِمَعْنى غير وَلم يذكر سواهُ. وَفِيه نظر لِأَن ابْن التِّين حكى رِوَايَة من بله بِفَتْح الْهَاء مَعَ وجود من فعلى هَذَا فَهِيَ مَبْنِيَّة ومَا مَصْدَرِيَّة وَهِي وصلتها فِي مَوضِع رفع على الإبتداء وَالْخَبَر هُوَ الْجَار وَالْمَجْرُور الْمُتَقَدّم وَيكون المُرَاد ب بله كَيفَ الَّتِي يقْصد بهَا الاستبعاد. وَالْمعْنَى: من أَيْن اطلاعكم على هَذَا الْقدر الَّذِي تقصر عقول الْبشر عَن الْإِحَاطَة بِهِ. وَدخُول من على بله إِذا كَانَت بِهَذَا الْمَعْنى جَائِز كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشريف فِي شرح الحاجبية. وأوضح التوجيهات لخُصُوص سِيَاق حَدِيث الْبَاب أَنَّهَا بِمَعْنى غير. وَذَلِكَ بَين لما تَأمله. انْتهى. وَهَذَا الِاتِّفَاق من الدماميني وَابْن حجر غريبٌ يقل وُقُوع مثله فَإِنَّهُمَا وَإِن كَانَا متصاحبين لم ير كلٌّ مِنْهُمَا شرح الآخر على البُخَارِيّ. أَقُول: كسرة بله يحْتَمل أَن تكون كسرة بِنَاء وَيُؤَيِّدهُ مَا قَالَه أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف بِأَنَّهُ سمع فِي بله فتح الْهَاء وَكسرهَا. وَالْبَيْت الشَّاهِد من قصيدةٍ لأبي زبيد الطَّائِي النَّصْرَانِي. وَقَبله وَهُوَ مطلع القصيدة:...
حمال أثقال أهل الود آونةًأعطيهم الْجهد مني بله مَا أسع
من استفهامية ومبلغٌ متعدٍّ إِلَى مفعولين يُقَال: أبلغته السَّلَام فقومنا مَفْعُوله الأول والنائين: جمع ناء اسْم فَاعل من النأي وَهُوَ الْبعد. وَإِذ ظرفٌ مَعْنَاهُ التَّعْلِيل مُتَعَلق بمبلغ.
وشحطوا بِفَتْح الْحَاء يُقَال: شحط يشحط شحطاً من بَاب منع وشحوطاً وَهُوَ الْبعد. وشيق: مشتاق وَأَصله شيوق بِوَزْن فيعل. وولع بِكَسْر اللَّام: وصفٌ من ولع بِفَتْح اللَّام وَكسرهَا يلع بِفَتْحِهَا مَعَ سُقُوط الْوَاو ولعاً بِسُكُون اللَّام وَفتحهَا بِمَعْنى علق بِهِ من علاقَة الْحبّ. كَذَا فِي الْمِصْبَاح.
وحمال: مُبَالغَة حَامِل خبر لمَحْذُوف أَي: هُوَ حمال. وأثقال: جمع ثقل بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ مَتَاع الْمُسَافِر. وآونة: جمع أَوَان بِمَعْنى الْحِين كأزمنة وزمان وَهُوَ ظرف لحمال أَي: حَملته فِي أزمانٍ كَثِيرَة. وَضمير أعطيهم لأهل الود وَجمعه بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ. والجهد بِالْفَتْح: النِّهَايَة والغاية وَهُوَ مصدر جهد فِي الْأَمر جهداً من بَاب نفع إِذا طلب حَتَّى بلغ غَايَته فِي الطّلب. وَمِنْه اجْتهد فِي)
الْأَمر أَي: بذل وَسعه وطاقته فِي طلبه ليبلغ مجهوده ويصل إِلَى نهايته. والجهد أَيْضا: الوسع والطاقة يفتح فِي لُغَة الْحجاز وَيضم فِي غَيره. وأسع: وسع يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى. يُقَال: وسع الْمَكَان الْقَوْم ووسع الْمَكَان أَي: اتَّسع. قَالَ النَّابِغَة:...
تسع الْبِلَاد إِذا أَتَيْتُك زَائِرًاوَإِذا هجرتك ضَاقَ عني مقعدي
وَالسعَة والوسع: الطَّاقَة وَالْجدّة أَيْضا. وَالْفِعْل وسع بِكَسْر السِّين يسع بِفَتْحِهَا وأصل الفتحة الكسرة وَلِهَذَا أسقطت الْوَاو لوقوعها بَين يَاء مَفْتُوحَة وكسرة ثمَّ فتحت بعد الْحَذف لمَكَان حرف الْحلق. فأسع إِن كَانَ مُتَعَدِّيا فَمَا مَوْصُولَة أَو مَوْصُوفَة والعائد مَحْذُوف أَي: أسعه. وَإِن كَانَ لَازِما بِمَعْنى اتَّسع فَمَا مَصْدَرِيَّة. فالجهد إِن كَانَ بِالْمَعْنَى الأول فالوسع بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَبِالْعَكْسِ لِئَلَّا يتَكَرَّر. وَظهر من هَذَا التَّقْدِير أَن الِاسْتِثْنَاء لَا مساس لَهُ هُنَا وَإِنَّمَا الْمَعْنى على أحد الْأَوْجه الثَّلَاثَة فِي الْبَيْت السَّابِق. فَالْأول أَنِّي أعطيهم فَوق
الوسع فتركاً للوسع أَو فدع الوسع أَي: ذكره أَو فَكيف الوسع لَا أعْطِيه فَتَأمل. وَأنْشد بعده: وقفنا فَقُلْنَا إيه عَن أم سالمٍ تقدم شَرحه قبل بَيْتَيْنِ مِنْهُ.
وَأنْشد بعده:
مهلا فداءٍ لَك الأقوام كلهموَمَا أثمر من مالٍ وَمن ولد
وَهَذَا أَيْضا تقدم شَرحه فِي أول الْبَاب.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع