من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الأربعمائة
يَا أَيهَا المائح دلوي دونكاإِنِّي رَأَيْت النَّاس يحمدونكا
على أَن مَعْمُول اسْم الْفِعْل يجوز تقدمه عَلَيْهِ كَمَا هُنَا فَإِن قَوْله: دلوي مفعول دونكا وَالْمعْنَى: خُذ دلوي وَمنعه البصريون فَجعلُوا دلوي مُبْتَدأ ودونك ظرفا لَا اسْم فعل أَي: دلوي قدامك فَخذهَا فدونك ظرف خبر الْمُبْتَدَأ. وَقد بَين الْفراء مَذْهَب الْكُوفِيّين فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: كتاب الله عَلَيْكُم من سُورَة النِّسَاء قَالَ: قَوْله: كتاب الله عَلَيْكُم كَقَوْلِك: كتابا من الله عَلَيْكُم. وَقد قَالَ بعض أهل النَّحْو: مَعْنَاهُ عَلَيْكُم كتاب الله. وَالْأول أشبه بِالصَّوَابِ. وقلما تَقول الْعَرَب: زيدا عَلَيْك أَو زيدا دُونك وَهُوَ جَائِز كَأَنَّهُ مَنْصُوب بِشَيْء مُضْمر قبله. وَقَالَ الشَّاعِر: يَا أَيهَا المائح دلوي دونكا الدَّلْو رفع كَقَوْلِك: زيد فَاضْرِبُوهُ: هَذَا زيدٌ فَاضْرِبُوهُ. وَالْعرب تَقول: اللَّيْل فبادروا. وتنصب الدَّلْو بمضمر فِي الخلفة كَأَنَّك قلت: دُونك دلوي دُونك. انْتهى. وَتعقبه الزّجاج فِي تَفْسِيره قَالَ فِي كتاب الله: مَنْصُوب على التوكيد مَحْمُول على الْمَعْنى لِأَن الْمَعْنى: حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم كتب الله عَلَيْكُم هَذَا
كتابا. وَقد يجوز أَن يكون مَنْصُوبًا على جِهَة الْأَمر وَيكون عَلَيْكُم مُفَسرًا لَهُ فَيكون الْمَعْنى: الزموا كتاب الله عَلَيْكُم. وَلَا يجوز أَن سُكُون مَنْصُوبًا ب عَلَيْكُم لِأَن قَوْلك: عَلَيْك زيدا لَيْسَ لَهُ ناصب فِي اللَّفْظ متصرف فَيجوز تَقْدِيم منصوبه. وَقَول الشَّاعِر:
يَا أَيهَا المائح دلوي دونكا)
يجوز أَن يكون دلوي فِي مَوضِع نصب بإضمار: خُذ دلوي وَلَا يجوز أَن يكون على: دُونك دلوي لما شرحنا. وَيجوز أَن يكون دلوي فِي مَوضِع رفع الْمَعْنى: هَذِه دلوي دُونك. انْتهى.
وَقد أورد هَذِه الْمَسْأَلَة ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف فَقَالَ: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن عَلَيْك وعندك ودونك يجوز تَقْدِيم معمولاتها كَمَا فِي الْآيَة وَالْبَيْت وَلِأَنَّهَا قَامَت مقَام الْفِعْل فتعمل كعمله. وَمنعه البصريون وَالْفراء وَقَالُوا: إِن كتاب الله مَنْصُوب بكتب مُقَدرا وَإِن دلوي خبر مُبْتَدأ مُقَدّر أَو مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف كخذ يفسره دُونك لَا بدونك. وَأَجَابُوا عَن الثَّانِي بِأَن الْفِعْل متصرف فِي نَفسه فتصرف فِي عمله وَهَذِه الْأَلْفَاظ لَا تسْتَحقّ عملاٍ وَإِنَّمَا أعملت لقيامها مقَام الْفِعْل وَهِي غير متصرفة فِي نَفسهَا فَلَا تتصرف فِي عَملهَا فَلَا يقدم معمولها. انْتهى.
وَقَوله: إِن الْفراء تبع الْبَصرِيين مُخَالف لنَصّ كَلَامه فَإِنَّهُ صرح بِجَوَاز عمله مُؤَخرا ومحذوفاً.
وردهما الزّجاج وَجعل دلوي مَنْصُوبًا بِفعل مَحْذُوف يفسرهدونك. فدونك على هَذَا اسْم فعل قد حذف مَفْعُوله أَي: دونكه. وَيكون فِي جعله دلوي خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف دُونك ظرفا فِي مَوضِع الْحَال لَا اسْم فعل. وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ غير مَا وَجه بِهِ الشَّارِح الْمُحَقق وَإِنَّمَا حَكَاهُ عَن الْبَصرِيين لِأَنَّهُ تخريجٌ مُوَافق لقواعدهم. وَقد وَجه بِهِ أَيْضا ابْن هِشَام فِي: شرح الْقطر وَفِي الْمُغنِي.
وَقَول الشَّيْخ خَالِد فِي التَّصْرِيح: وَفِيه نظرٌ لِأَن الْمَعْنى لَيْسَ على الْخَيْر الْمَحْض حَتَّى يخبر عَن الدَّلْو بِكَوْنِهِ دونه لَا وجد لَهُ كَمَا قَالَ عبد الله الدنوشري: وَمَا الْمَانِع من أَن يكون خَبرا مَحْضا قصد بِهِ التَّنْبِيه على أَن الدَّلْو أَمَامه وَيكون الدَّال على الْأَمر بِأخذ الدَّلْو مُقَدرا.
وَالتَّقْدِير: فتناوله. وَجوز ابْن مَالك أَن يكون دلوي مَنْصُوبًا بدونك مضمرة مدلولاً عَلَيْهَا بدونك الْمَذْكُورَة مُسْتَندا لقَوْل سِيبَوَيْهٍ فِي زيدا عَلَيْك: كَأَنَّك قلت: عَلَيْك زيدا. وَقد رده الزّجاج وَغَيره. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: شَرط الْحَذف أَلا يُؤَدِّي إِلَى اخْتِصَار الْمُخْتَصر فَلَا يحذف اسْم الْفَاعِل دون معموله لِأَنَّهُ اخْتِصَار للْفِعْل. وَأما قَول سيبوبه فِي: زيدا فاقتله وَفِي: شَأْنك وَالْحج وَقَوله: يَا أَيهَا المائح دلوي دونكا إِن التَّقْدِير: عَلَيْك زيدا وَعَلَيْك الْحَج ودونك دلوي فَقَالُوا: إِنَّمَا أَرَادَ تَفْسِير الْمَعْنى لَا الْإِعْرَاب وَإِنَّمَا التَّقْدِير: خُذ دلوي والزم زيدا والزم الْحَج. وَيجوز فِي دلوي أَن يكون مُبْتَدأ ودونك خَبره.
انْتهى. وَظَاهره أَن الْبَيْت ذكره سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه. وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لم يُورِدهُ فِي الْبَتَّةَ. وَلم يُورد)
الدماميني هُنَا شَيْئا سوى مَا نَقله عَن الشَّارِح الْمُحَقق من أَنه لَا يجوز تقدم مَعْمُول اسْم الْفِعْل عَلَيْهِ. والمائح: فَاعل من الميح بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة والحاء الْمُهْملَة قَالَ صَاحب الصِّحَاح: المائح الَّذِي ينزل الْبِئْر فَيمْلَأ الدَّلْو وَذَلِكَ إِذا قل مَاؤُهَا وَالْجمع ماحةٌ وَقد ماح يميح. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَأما الماتح بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة فَهُوَ الَّذِي يَسْتَقِي المَاء يُقَال: متح المَاء يمتحه متحاً
من بَاب فتح إِذا نَزعه بالدلو. وبئر متوح للَّتِي يمد مِنْهَا باليدين على البكرة. والبيتان لراجز جاهلي من بني أسيد بن عَمْرو بن تَمِيم وَلَهُمَا قصَّة أوردهَا أَبُو رياش وَأَبُو عبد الله النمري وَأَبُو مُحَمَّد الْأسود الْأَعرَابِي فِي شروحهم لحماسة أبي تَمام. قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأسود: أمْلى علينا أَبُو الندى قَالَ: كَانَ وَائِل بن صريم الغبري ذَا منزلَة من الْمُلُوك وَمَكَان عِنْدهم وَكَانَ مفتوق اللِّسَان حلوه وَكَانَ جميلا فَبَعثه عَمْرو بن هِنْد اللَّخْمِيّ ساعياً على بني تَمِيم فاخذ الإتاوة مِنْهُم حَتَّى استوفى مَا عِنْدهم غير بني أسيد بن عَمْرو بن تَمِيم وَكَانُوا على طويلع فَأَتَاهُم فَنزل بهم وَجمع النعم وَالشَّاء فَأمر بإحصائه وَفِيمَا هُوَ قاعدٌ على بئرٍ أَتَاهُ شيخٌ مِنْهُم فحدثه فَغَفَلَ وَائِل فَدفعهُ الشَّيْخ فَوَقع فِي الْبِئْر فَاجْتمعُوا فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلُوهُ وهم يرتجزون وَيَقُولُونَ:
يَا أَيهَا المائح دلوي دونكاإِنِّي رَأَيْت النَّاس يحمدونكا
إِنَّمَا هَذَا هزءٌ بِهِ فَبلغ الْخَبَر أَخَاهُ باعث بن صريم فعقد لِوَاء ونادى فِي غبر فَسَارُوا وآلى أَن يقتلهُمْ على دم وَائِل حَتَّى يلقِي الدَّلْو فتمتلئ دَمًا فَقتل باعث مِنْهُم ثَمَانِينَ رجلا وَأسر عدَّة وَقدم رجلا مِنْهُم يُقَال لَهُ: قمامة فذبحه حَتَّى ألْقى دلوه فَخرجت ملأى دَمًا. وَلم يزل يُغير عَلَيْهِم زَمَانا وَقتل مِنْهُم فَأكْثر حَتَّى أَن الْمَرْأَة من بني أسيد كَانَت تعثر فَتَقول: تعست غبر وَلَا لقِيت الظفر وَلَا سقيت الْمَطَر وعدمت النَّفر. وَقَالَ باعث فِي ذَلِك:
إِذْ أرسلوني مائحاً لدلائهمفملأتها حَتَّى الْعِرَاقِيّ بِالدَّمِ
انْتهى. والغبري: نِسْبَة إِلَى غبر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْمُوَحدَة قَبيلَة. وَأسيد بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين وَتَشْديد الْيَاء الْمَكْسُورَة. وَقد أنشدتهما جاريةٌ من بني مَازِن وضمت إِلَيْهِمَا بَيْتَيْنِ آخَرين. وَقَالَ الصغاني فِي الْعباب فِي مَادَّة الميح وَنَقله الْعَيْنِيّ: وَمِنْه حَدِيث الْبَراء بن عَازِب ﵁: أَتَى رَسُول الله ﷺ َ على بئرٍ ذمةٍ فنزلناها سِتَّة ماحةً وَنزل فِيهَا نَاجِية بن جُنْدُب الْأَسْلَمِيّ ﵁ بِأَمْر رَسُول الله ﷺ َ فأدلت جاريةٌ من بني مَازِن دلوها وَقَالَت:)
يَا أَيهَا المائح دلوي دونكاإِنِّي رَأَيْت النَّاس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجدونكخُذْهَا إِلَيْك اشغل بهَا يمينكا
فأجابها نَاجِية:
قد علمت جَارِيَة يمانيهأَنِّي أَنا المائح واسمي ناجيه
وطعنةٍ ذَات رشاشٍ واهيهطعنتها تَحت صُدُور العاديه
انْتهى. وبئر ذمَّة بِالْوَصْفِ أَي: قَليلَة المَاء أَي: إِنَّهَا تذم لقلَّة مَائِهَا. والذميم: المَاء الْمَكْرُوه.
ومازن: اسْم ثَلَاث قبائل فِي عدنان. وَهَذَا يُخَالِفهُ قَول نَاجِية: فَإِن أهل الْيمن كلهم من قحطان. وَأثْنى عَلَيْهِ خيراُ من الثَّنَاء وَهُوَ الْوَصْف الْجَمِيل فَعَلَيْك فِي الرجز مقدرَة. ويمجدونك: يذكرونك بالمجد وَهُوَ الْعِزّ والشرف وَالْكَرم. وشغل من بَاب نفع.
وطعنة أَي: رب طعنة. ورشاش الطعنة بِالْفَتْح: الدَّم المتطاير مِنْهَا. وأرشت الطعنة بِالْألف: نفذت فأنهرت الدَّم. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. وَزعم الشَّامي فِي السِّيرَة أَنه بِالْفَتْح جمع رش وَالْمرَاد بِهِ الْمَطَر الْقَلِيل. هَذَا كَلَامه.
وواهية: صفة طعنة أَي: منشقة مسترخية. والعادية قَالَ الشَّامي: هم الَّذين يعدون: يسرعون الجري. وَأخذ الْعَيْنِيّ من ظَاهر نقل الصَّاغَانِي أَن الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين لتِلْك الْجَارِيَة وَلَيْسَ كَذَلِك. وروى السُّيُوطِيّ فِي شَوَاهِد الْمُغنِي عَن الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن إِسْحَاق قَالَ: زعمت أسلم أَن جَارِيَة من الْأَنْصَار أَقبلت بدلوها عَام الْحُدَيْبِيَة وَنَاجِيَة بن جُنْدُب الْأَسْلَمِيّ صَاحب بدن رَسُول الله ﷺ َ فِي القليب يميح على النَّاس فَقَالَت. وَأنْشد الشعرين: خُذْهَا إِلَيْك اشغل بهَا يمينكا وَقَوله: جَارِيَة من الْأَنْصَار يُوَافقهُ قَوْله: جَارِيَة يَمَانِية فَإِن أصل الْأَنْصَار من الْيمن. وَكَذَا روى الشَّامي فِي السِّيرَة.
وَزعم ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ أَن الْبَيْتَيْنِ لرؤبة وَأَنه لم يستسق مَاء فِي الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا طلب عَطاء. وَكِلَاهُمَا لَا أصل لَهُ كَمَا عرفت. وَالْبَيْت الَّذِي لرؤبة إِنَّمَا هُوَ هَذَا: أَي: كَأَن النَّاقة فِي السرعة دلوٌ ملأى وصلت إِلَى فَم الْبِئْر ثمَّ انْقَطع حبلها فهوت فِيهَا. والماتح هُنَا بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة هُوَ الَّذِي يَسْتَقِي على رَأس الْبِئْر. وَالْكرب بِفتْحَتَيْنِ: الْحَبل الَّذِي يشد على عرقوة الدَّلْو. وروى الزجاجي فِي أَمَالِيهِ قَالَ: حَدثنَا ابْن دُرَيْد قَالَ: أخبرنَا أَبُو حَاتِم قَالَ: أخبرنَا أَبُو عُبَيْدَة قَالَ: كتبت امرأةٌ من الْعَرَب إِلَى طَلْحَة الطلحات:)
يَا أَيهَا الماتح دلوي دونكاإِنِّي رَأَيْت النَّاس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجدونكا
فَلَمَّا قَرَأَ طَلْحَة الْكتاب أحب أَن لَا يفْطن الرَّسُول فَقَالَ: مَا أيسر مَا سَأَلت إِنَّمَا سَأَلت جنبة.
ثمَّ أَمر بجنبةٍ عَظِيمَة فقورت وملئت دَنَانِير وَكتب إِلَيْهَا:...
إِنَّا ملأناها تفيض فيضافَلَنْ تخافي مَا حييت غيضا
خذي لَك الْجنب وعودي أَيْضا وغيضاً من غاض المَاء فِي الأَرْض إِذا غَار فِيهَا وانمحق.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع