من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أنْشد فِيهِ الشَّاهِد الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
أَتَوا نَارِي فَقلت: منون أَنْتُمفَقَالُوا الْجِنّ قلت: عموا ظلاما
على أَن يُونُس يجوز الْحِكَايَة ب من وصلا كَمَا فِي الْبَيْت. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما يُونُس فَإِنَّهُ يقيس مِنْهُ على أيةٍ فَيَقُول: منةٌ ومنةً ومنةٍ إِذْ قَالَ يَا فَتى. وَهَذَا بعيد وَإِنَّمَا يجوز على قَول شَاعِر قَالَه مرّة فِي شعر ثمَّ لَا يسمع بعد: أَتَوا نَارِي فَقلت: منون أَنْتُم............. الْبَيْت وَزعم يُونُس أَنه سمع عَرَبيا يَقُول ضرب منٌ منا. وَهَذَا بعيد لَا تَتَكَلَّم بِهِ الْعَرَب وَلَا تستعمله نَاس كثير وَكَانَ يُونُس يَقُول: لَا يقبل هَذَا كل أحد فَإِنَّمَا يجوز منون يَا فَتى على هَذَا. انْتهى.
قَالَ النّحاس: وَهَذَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ رَدِيء لِأَن هَذِه الْعَلامَة إِنَّمَا تقع فِي الْوَقْف وَلَا تقع فِي الْوَصْل فَلَمَّا اضْطر أجراه فِي الْوَصْل على حَاله فِي الْوَقْف. وَأنْشد أَبُو الْحسن بن كيسَان: وَقَالَ: إِنَّمَا حكى كَيفَ كَانَ كَلَامه وَجَوَابه. انْتهى. وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ رِوَايَة أبي زيد فِي نوادره كَمَا يَأْتِي. فَفِي الرِّوَايَة الأولى شذوذان كَمَا فِي الْمفصل: إِلْحَاق الْعَلامَة فِي الدرج وتحريك النُّون.
وَفِيه أَيْضا كَمَا قَالَ ابْن النَّاظِم فِي شرح الألفية أَنه حكى مِقْدَارًا غير مَذْكُور. وَفِي الثَّانِيَة شذوذٌ وَاحِد وَهُوَ تَحْرِيك النُّون. قَالَ ابْن جني فِي الخصائص: من رَوَاهُ: منون قَالُوا فَإِنَّهُ أجْرى الْوَصْل مجْرى الْوَقْف. فَإِن قلت: فَإِنَّهُ فِي الْوَقْف إِنَّمَا يكون منون سَاكن النُّون وَأَنت فِي الْبَيْت قد حركته. فَهَذَا إِذن لَيْسَ على نِيَّة الْوَقْف وَلَا على نِيَّة الْوَصْل. فَالْجَوَاب: أَنه إِنَّمَا أجراه فِي الْوَصْل على حَده فِي الْوَقْف فَلَمَّا أثبت الْوَاو وَالنُّون التقيا ساكنين فاضطر حينئذٍ إِلَى أَن حرك النُّون لإِقَامَة الْوَزْن. فَهَذِهِ الْحَرَكَة إِذن إِنَّمَا هِيَ حركةٌ مستحدثة لم تكن فِي الْوَقْف وَإِنَّمَا اضْطر إِلَيْهَا فِي الْوَصْل. وَأما من رَوَاهُ منون أَنْتُم فَأمره مُشكل. وَذَلِكَ أَنه شبه من ب أَي فَقَالَ: منون أَنْتُم على قَوْله: أيون أَنْتُم. فَكَمَا حمل هَا هُنَا أَحدهمَا على الآخر كَذَلِك جمع بَينهمَا فِي أَن جرد من الِاسْتِفْهَام كل مِنْهُمَا. أَلا ترى إِلَى حِكَايَة يُونُس عَنْهُم: ضرب منٌ منا كَقَوْلِك: ضربٌ رجلٌ رجلا. انْتهى.
وَقَوله: أَتَوا نَارِي فَقلت إِلَى آخِره الْفَاء عطفت جملَة قلت على أَتَوا. وَهِي)
للتَّرْتِيب الذكري وَهُوَ عطف مفصل على مُجمل نَحْو: فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ. وَجُمْلَة منون أَنْتُم من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر محكية
بالْقَوْل. ومنون إِمَّا مُبْتَدأ وَأَنْتُم خَبره أَو بِالْعَكْسِ. وَالْفَاء من فَقَالُوا عطفت مدخولها على قلت. وَالْجِنّ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: نَحن الْجِنّ. وَالْجُمْلَة محكية بقالوا. وَكَذَلِكَ على الرِّوَايَة الثَّانِيَة: فَقلت منون قَالُوا سراة الْجِنّ أَي: نَحن أَشْرَافهَا. وَهُوَ بِفَتْح السِّين جمع سري على مَا قيل بِمَعْنى الشريف. وَكَذَلِكَ منون على تَقْدِير منون أَنْتُم. قَالَ الْجَوْهَرِي: عموا صباحاً: كلمة تَحِيَّة. قَالَ ابْن السيرافي: وَإِنَّمَا قَالَ لَهُم: عموا ظلاماً لأَنهم جنٌّ وانتشارهم بِاللَّيْلِ فَنَاسَبَ أَن يذكر الظلام كَمَا يُقَال لبني آدم إِذا أَصْبحُوا: عموا صباحاً. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَمعنى عموا انعموا يُقَال: عَم صباحاً بِكَسْر الْعين وَفتحهَا. وَيُقَال: وَعم يعم من بَاب وعد وومق. وَذهب قومٌ إِلَى أَن يعم محذوفة ينعم. وَقَالُوا: إِذا قيل عَم بِفَتْح الْعين فَهُوَ مَحْذُوف من انْعمْ المفتوح وَإِذا قيل عَم بِكَسْر الْعين فَهُوَ مَحْذُوف من ينعم المكسور الْعين. وَحكى يُونُس أَن أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء سَأَلَ عَن قَول عنترة: وَعمي صباحاً دَار عبلة واسلمي فَقَالَ هُوَ من نعم الْمَطَر إِذا كثر وَنعم الْبَحْر إِذا كثر زبده كَأَنَّهُ يَدْعُو لَهَا بالسقية وَكَثْرَة الْخَيْر.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَالْفراء فِي قَوْلهم: عَم صباحاً: إِنَّمَا هُوَ دعاءٌ بالنعيم والأهل وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف وَمَا حَكَاهُ يُونُس نَادِر غَرِيب. وظلاماً: ظرف
أَي: انعموا فِي ظلامكم أَو تَمْيِيز وَالْأَصْل لينعم ظلامكم فحول إِلَى التَّمْيِيز. انْتهى. وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ: ظلاماً تَمْيِيز أَي: نعم ظلامكم كَمَا تَقول: أحسن الله صباحك. وَلَا يحسن أَن يكون ظرفا إِذْ لَيْسَ المُرَاد أَنهم نعموا فِي ظلام وَلَا فِي صباح وَإِنَّمَا المُرَاد أَنه نعم صباحهم وَإِذا حسن صباحهم كَانَ فِي الْمَعْنى حسنهم. وَالْبَيْت من أَبْيَات أربعةٍ رَوَاهُ أَبُو زيد فِي نوادره ونسبها لشمير بن الْحَارِث الضَّبِّيّ مصغر شمر بِكَسْر الْمُعْجَمَة. قَالَ أَبُو الْحسن فِيمَا كتبه على نَوَادِر أبي زيد: سمير الْمَذْكُور بِالسِّين الْمُهْملَة. وَهِي هَذِه:
ونارٍ قد حضأت لَهَا بليلٍبدارٍ لَا أُرِيد بهَا مقَاما
سوى تَحْلِيل راحلةٍ وعينٍأكالئها مَخَافَة أَن تناما
أَتَوا نَارِي فَقلت: منون قَالُواسراة الْجِنّ قلت: عموا ظلاما
فَقلت: إِلَى الطَّعَام فَقَالَ مِنْهُمزعيمٌ: نحسد الْإِنْس الطعاما
)
وَزَاد بعده غَيره بَيْتا آخر وَهُوَ:
لقد فضلْتُمْ بِالْأَكْلِ فِينَاوَلَكِن ذَاك يعقبكم سقاما
وَزَاد بَعضهم بعده:
أمط عَنَّا الطَّعَام فَإِن فِيهِلآكله النقاصة والسقامة
قَالَ السكرِي فِيمَا كتبه هُنَا: حضأت أَي: أشعلت وَأوقدت يُقَال فِي تصريفها حضأت النَّار أحضؤها حضاً وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة والهمزة. وَاللَّام فِي لَهَا زائدةٌ لِأَن حضأت مُتَعَدٍّ. وروى ابْن السَّيِّد وَغَيره: ونارٍ قد حضأت بعيد وهنٍ وَقَالَ: الوهن والموهن: نحوٌ من نصف اللَّيْل. وَالَّذِي ذكره الْأَصْمَعِي أَن الْوَهم هُوَ حِين يدبر اللَّيْل. وَهَذَا يدل لَهُ الِاشْتِقَاق. فالمجرور بواو رب فِي مَحل نصب على الْمَفْعُول بحضأت. وَقَوله: سوى تَحْلِيل رَاحِلَة قَالَ السكرِي: أَرَادَ: سوى راحلةٍ أَقمت فِيهَا بِقدر تَحِلَّة الْيَمين. وروى غَيره: سوى ترحيل رَاحِلَة قَالَ ابْن السَّيِّد: ترحيل الرَّاحِلَة: إِزَالَة الرحل عَن ظهرهَا. والرحل لِلْإِبِلِ كالسرج للخيل. وَالرَّاحِلَة: النَّاقة الَّتِي تتَّخذ للرُّكُوب وَالسّفر سميت بذلك لِأَنَّهَا ترحل براكبها.
وأكالئها: أحرسها وأحفظها لِئَلَّا تنام. قَالَ ابْن السَّيِّد: وَكَانَ الْمفضل يروي: معير أكالئها بالراء بدل النُّون وَقَالَ: العير: إِنْسَان الْعين. قَالَ ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ بعد هَذَا: وَهَذِه هِيَ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة. وعير تؤنث على الْمَعْنى لِأَنَّهَا عين وتذكر. ومخافة مفعول لأَجله. وَقَوله: فَقلت إِلَى الطَّعَام إِلَى مُتَعَلقَة بِفعل مَحْذُوف أَي: هلموا إِلَيْهِ وَأوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أول الْكَشَّاف على أَنه حذف مُتَعَلق الْجَار من بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم كَمَا حذف مُتَعَلق إِلَى الطَّعَام وَهَذَا الْمَحْذُوف فِي حكم الْمَوْجُود
وَالْمَجْمُوع محكي بالْقَوْل. وَقَول ابْن السَّيِّد: هَذَا الْفِعْل الْمَحْذُوف فِي حكم الظَّاهِر فَلذَلِك لم يكن لَهُ مَوضِع من الْإِعْرَاب لَا يظْهر لتعليله وجهٌ. وَقَالَ ابْن خروف: يجوز أَن تكون إِلَى اسْم فعل. وَجزم اللَّخْمِيّ بِأَن إِلَى هُنَا إغراء. وفسروا الزعيم بالرئيس وَالسَّيِّد. وَقَالَ بَعضهم: الزعيم بِمَعْنى الْقَائِل كَمَا تَقول: زعم زاعمٌ أَي: قَالَ قَائِل وَلَا معنى للسَّيِّد هُنَا.
وزعيمٌ فَاعل. قَالَ: وروى بدل زعيم: فريق. وَمِنْهُم كَانَ فِي الأَصْل وَصفه فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ صَار حَالا مِنْهُ. وَقَوله: نحسد إِلَخ يرْوى بالنُّون فالجملة مقول القَوْل. ويروى بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة فالجملة صفةٌ لزعيم فَيكون الْبَيْت الَّذِي بعده مقول القَوْل. والْأنس يرْوى بِفتْحَتَيْنِ وبكسرة فَسُكُون)
ومعناهما الْبشر. قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ: الطَّعَام: مفعول ثَان إِمَّا على تَقْدِير حرف خفض أَي: نحسد الْإِنْس على الطَّعَام. وَإِمَّا على أَنه متعدٍّ بِنَفسِهِ من أَصله. كَقَوْلِه: استغفرت الله الذَّنب وَمن الذَّنب. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: الطَّعَام مفعول ثَان على إِسْقَاط حرف الْجَرّ أَي: نحسد الْإِنْس فِي الطَّعَام. وَقَالَ الأندلسي: الأولى تَقْدِيره بعلى: لِأَنَّهُ يُقَال: حَسَدْته على كَذَا. وَقد قَوْله ﷺ َ: لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ يجوز أَن يكون أَقَامَ بعض حُرُوف الصِّفَات مقَام الآخر. وَيُؤَيِّدهُ قَول الْجَوْهَرِي: حسدتك على الشَّيْء وحسدتك الشَّيْء بِمَعْنى.
وَقَوله: لقد فضلْتُمْ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وفِينَا بِمَعْنى علينا.
وَقَوله: أمط عَنَّا إِلَخ أَي: أزله عَنَّا. والنقاصة بِالْفَتْح هُوَ مصدر كالنقص بالنُّون وَالْقَاف وَالصَّاد الْمُهْملَة. ذكر فِي أبياته أَن الْجِنّ طرقته وَقد أوقد نَارا لطعامه فَدَعَاهُمْ إِلَى الْأكل مِنْهُ فَلم يُجِيبُوهُ وَزَعَمُوا أَنهم يحسدون الْإِنْس فِي الْأكل وَأَنَّهُمْ فضلوا عَلَيْهِم بِأَكْل الطَّعَام وَلَكِن ذَلِك يعقبهم السقام. وَقَوله: لقد فضلْتُمْ بِالْأَكْلِ فِينَا ظَاهره أَن الْجِنّ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون. وَقَالَ ابْن السيرافي: قَالَ زعيمهم: نحسد الْإِنْس على أكل الطَّعَام والالتذاذ وَلَيْسَ من شَأْننَا أَن نَأْكُل مَا يَأْكُلهُ الْإِنْس. وَقَالَ ابْن المستوفي: لم يرد أَن الْجِنّ لَا تَأْكُل وَلَا تشرب وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن طَعَام الْإِنْس أفضل من طَعَام الْجِنّ. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ خلاف الظَّاهِر. وَيُؤَيّد مَا قُلْنَا قَول ابْن خروف فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: قَوْله: لقد فضلْتُمْ بِالْأَكْلِ فِينَا مخالفٌ للشَّرْع لِأَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: إِن الْجِنّ تَأْكُل وتشرب. وَفِي آكام المرجان فِي أَحْكَام الجان لبدر الدَّين مُحَمَّد بن عبد الله الشبلي الْحَنَفِيّ الشَّامي وَقد صنفه كَمَا قَالَ الصَّفَدِي فِي سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة: وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن جَمِيع الْجِنّ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون. وَهَذَا قَول سَاقِط. ثَانِيهَا: أَن صنفا مِنْهُم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَصِنْفًا لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون.
ثَالِثهَا: أَن جَمِيع الْجِنّ يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ. فَقَالَ بَعضهم: أكلهم وشربهم تشممٌ واسترواح لَا مضغ وبلع. وَهَذَا لَا دَلِيل لَهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: أكلهم وشربهم مضغ وبلع. وَيدل لهَذَا حَدِيث أُميَّة بن مخشي من رِوَايَة أبي دَاوُد: مَا زَالَ الشَّيْطَان يَأْكُل مَعَه فَلَمَّا ذكر الله تَعَالَى استقاء مَا فِي بَطْنه. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن الْجِنّ سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ َ الزَّاد فَقَالَ: كل عظمٍ ذكر اسْم الله عَلَيْهِ يَقع فِي يَد أحدهم أوفر مَا يكون لَحْمًا وكل بعر علفٌ لدوابهم. وَفِي حَدِيث يزِيد بن جَابر قَالَ: مَا من أهل بَيت من الْمُسلمين إِلَّا وَفِي سقف بَيتهمْ من الْجِنّ من الْمُسلمين إِذا وضع غداؤهم نزلُوا فتغدوا مَعَهم وَإِذا وضع عشاؤهم نزلُوا)
فَتَعَشَّوْا مَعَهم يدْفع الله بهم عَنْهُم.
وَالْجِنّ على مَرَاتِب قَالَ ابْن عبد الْبر: إِذا ذكرُوا الْجِنّ خَالِصا قَالُوا: جني. فَإِن أَرَادوا أَنه مِمَّن يسكن مَعَ النَّاس قَالُوا: عَامر وَالْجمع عمار. فَإِن كَانَ مِمَّا يعرض للصبيان قَالُوا: أَرْوَاح. فَإِن خبث ولؤم قَالُوا: شَيْطَان. فَإِن زَاد على ذَلِك فَهُوَ مارد.
فَإِن زَاد على ذَلِك وَقَوي أمره قَالُوا: عفريت. وَقَالَ ابْن عقيل: الشَّيَاطِين: العصاة من الْجِنّ وهم ولد إِبْلِيس والمردة أعتاهم وأغواهم وهم أعوان إِبْلِيس. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: كل عاتٍ متمرد من الْجِنّ وَالْإِنْس وَالدَّوَاب شَيْطَان. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الْجِنّ: خلاف الْإِنْس. وَيُقَال: جنه اللَّيْل وأجنه وأجن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد إِذا ستره. وكل شَيْء استتر عَنْك فقد جن عَنْك. وَبِه سميت الْجِنّ. وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يسمون الْمَلَائِكَة جناً لاستتارهم عَن الْعُيُون. قَالُوا: والحن بِالْحَاء الْمُهْملَة زَعَمُوا أَنه ضربٌ من الْجِنّ
وَقَالَ أَبُو عمر الزَّاهِد: الْجِنّ: كلاب الْجِنّ وسفلتهم.
والجان: أَبُو الْجِنّ. قَالَ السُّهيْلي فِي كتاب النتائج: وَمِمَّا قدم للفضل والشرف تَقْدِيم الْجِنّ على الْإِنْس فِي أَكثر الْمَوَاضِع لِأَن تشْتَمل على الْمَلَائِكَة وَغَيرهم مِمَّا اجتن عَن الْأَبْصَار. قَالَ تعال:
وسخر من جن الملائك سَبْعَةقيَاما لَدَيْهِ يعْملُونَ بِلَا أجر
فَأَما قَوْله تَعَالَى: لم يطمثهن إنسٌ قبلهم وَلَا جانٌّ وَقَوله تَعَالَى: لَا يسْأَل عَن ذَنبه إنسٌ وَلَا جانٌّ وَقَوله تَعَالَى: وَأَنا ظننا أَن لن تَقول الْإِنْس وَالْجِنّ على الله كذبا فَإِن لفظ الْجِنّ هَا هُنَا لَا يتَنَاوَل الْمَلَائِكَة لنزاهتهم عَن الْعُيُوب فَلَمَّا لم يتناولهم عُمُوم اللَّفْظ لهَذِهِ الْقَرِينَة بَدَأَ بِلَفْظ الْإِنْس لفضلهم وكمالهم. وشمير بن الْحَارِث الضَّبِّيّ ناظم هَذِه الأبيات تقدم ذكره فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسِّتِّينَ بعد الثلثمائة. قد رُوِيَ الْبَيْت الشَّاهِد من قصيدة قافيتها حائية. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل للزجاجي: ذكر أَبُو الْقَاسِم مؤلف الْجمل أَن النَّاس يغلطون فِي هَذَا الشّعْر فيروونه: عموا صباحاً وَجعل دَلِيله الأبيات الميمية المنقولة عَن أبي زيد. وَلَقَد صدق فِيمَا حَكَاهُ وَلكنه أَخطَأ فِي تخطئة رِوَايَة من روى: عموا صباحاً لِأَن هَذَا الشّعْر الَّذِي أنكرهُ وَقع فِي كتاب خبر سد مأرب وَنسبه إِلَى
جذع بن سِنَان الغساني فِي حكايةٍ طويلةٍ زعم أَنَّهَا جرت لَهُ مَعَ الْجِنّ. وكلا الشعرين أكذوبة من أكاذيب الْعَرَب لم تقع قطّ.
وَالشعر الَّذِي على قافية الْمِيم ينْسب إِلَى شمير بن الْحَارِث وينسب إِلَى تأبط شرا. وَأما الشّعْر الَّذِي على قافية الْحَاء فَلَا أعلم خلافًا فِي أَنه لجذع بن سِنَان وَهُوَ:
أَتَوا نَارِي فَقلت: منون أَنْتُمفَقَالُوا: الْجِنّ قلت: عموا صباحا
)
أتيتهم وللأقدار حتمٌتلاقي الْمَرْء صبحاً أَو رواحا
أتيتهم غَرِيبا مستضيفاًرَأَوْا قَتْلِي إِذا فعلوا جنَاحا
أَتَوْنِي سافرين فَقلت: أَهلارَأَيْت وُجُوههم وسماً صباحا
نحرت لَهُم وَقلت: أَلا هلمواكلوا مِمَّا طهيت لكم سماحا
أَتَانِي قاشرٌ وَبَنُو أَبِيهوَقد جن الدجى وَاللَّيْل لاحا
فنازعني الزجاجة بعد وَهنمزجت لَهُم بهَا عسلاً وراحا
وَحَذَّرَنِي أموراً سَوف تَأتيأهز لَهَا الصوارم والرماحا
سأمضي للَّذي قَالُوا بعزمٍوَلَا أبغي لذلكم قداحا
أَسَأْت الظَّن فِيهِ وَمن أساهبِكُل النَّاس قد لَاقَى نجاحا
وَقد تَأتي إِلَى الْمَرْء المنايابِأَبْوَاب الْأمان سدًى صراحا
سيبقي حكم هَذَا الدَّهْر قوماوَيهْلك آخَرُونَ بِهِ ذباحا
أثعلبة بن عمرٍ ولَيْسَ هَذَاأَوَان السّير فاعتد السلاحا
ألم تعلم بِأَن الذل موتٌيتيح لمن ألم بِهِ اجتياحا
وَلَا يبْقى نعيم الدَّهْر إِلَّالقرمٍ ماجدٍ صدق الكفاحا
قَالَ ابْن السَّيِّد: إِن قيل كَيفَ جَازَ أَن يَقُول لَهُم: عموا صباحا وهم فِي اللَّيْل. وَإِنَّمَا يَلِيق هَذَا الدُّعَاء بِمن يلقى فِي الصَّباح. فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الرجل إِذا قيل لَهُ: عَم صباحاً فَلَيْسَ المُرَاد أَن ينعم فِي الصَّباح دون الْمسَاء كَمَا أَنه إِذا قيل أرْغم الله أَنفه وَحيا الله وَجهه فَلَيْسَ المُرَاد الْأنف وَالْوَجْه دون سَائِر الْجِسْم. وَكَذَلِكَ إِذا قيل لَهُ: أَعلَى الله كعبك. وَإِنَّمَا هِيَ ألفاظٌ ظَاهرهَا الْخُصُوص وَمَعْنَاهَا الْعُمُوم. وَمثله قَول الْأَعْشَى:
الواطئين على صُدُور نعَالهمْ وَالْوَطْء لَا يكون على صُدُور النِّعَال دون سائرها. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون معنى أنعم الله صباحك: أطلع الله عَلَيْك كل صباح بالنعيم لِأَن الصَّباح والظلام نَوْعَانِ وَالنَّوْع يُسمى بِهِ كل جُزْء مِنْهُ بِمَا يُسمى بِهِ جملَته. والشعب بِالْكَسْرِ: الطَّرِيق إِلَى الْجَبَل. ووسماً بِالضَّمِّ: جمع وسيم وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ سمة الْجمال. وَكَذَلِكَ الصَّباح بِالْكَسْرِ: جمع صبيحٍ. شبه بالصبح فِي إشراقه. وطهيت: طبخت يُقَال: طهيت اللَّحْم وطهوته فَأَنا طاهٍ.
وَقَوله: لَا أبغي لذلكم)
قداحاً أَي: لَا أطلب ضرب القداح لأَنهم كَانُوا إِذا أَرَادوا فعل أمرٍ ضربوا بِالْقداحِ فَإِن خرج الْقدح الْمَكْتُوب عَلَيْهِ: افْعَل فعل الْأَمر. وَإِن خرج الْقدح الْمَكْتُوب عَلَيْهِ: لَا تفعل لم يفعل الْأَمر.
وَقَوله: أَسَأْت الظَّن فِيهِ يَقُول: أَسَأْت الظَّن بِضَرْب القداح والتعويل على مَا تَأمر بِهِ وتنهى عَنهُ وَعلمت أَن مَا أَمرتنِي بِهِ الْجِنّ أَحْرَى أَن يعول عَلَيْهِ. وَقَوله: سدًى صراحاً السدى: الْإِبِل الْمُهْملَة الَّتِي لَا يردهَا أحد. والصراح: الظَّاهِرَة. والذباح بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة بعْدهَا مُوَحدَة: نباتٌ يقتل من أكله وَمن رَوَاهُ بِكَسْر الذَّال جعله جمع ذبيح.
وَقَوله: يتيح أَي: يقدر ويجلب يُقَال: أتاح الله كَذَا أَي: قدره. وألم: نزل. والاجتياح بجيم بعْدهَا مثناة فوقية: الاستئصال. وَالْقَرْمُ بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: السَّيِّد وَأَصله الْفَحْل من الْإِبِل. والكفاح بِالْكَسْرِ: ملاقاة الْأَعْدَاء.
انْتهى. وجذع بن سِنَان الغساني بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة شاعرٌ جاهلي قديم.
وغسان: قَبيلَة من الأزد من قحطان. وجذعٌ خرج مَعَ من خرج الأزد قبل سيل العرم وجاؤوا إِلَى الشَّام وَكَانَ ملكهَا إِذْ ذَاك سليح وهم من غَسَّان أَيْضا وَقيل من قضاعة. وَكَانُوا يؤدون لسليح عَن كل رجل دينارين فجَاء عَامل الْملك إِلَى جذع بن سنانٍ يطْلب الْخراج الَّذِي وَجب عَلَيْهِ فَدفع إِلَيْهِ سَيْفه رهنا فَقَالَ: أدخلهُ فِي حر أمك فَغَضب جذعٌ وقنعه بِهِ فَقيل: خُذ من جذعٍ مَا أَعْطَاك وسارت مثلا. تضرب فِي اغتنام مَا يجود بِهِ الْبَخِيل. وَقيل فِي سَبَب الْمثل غير هَذَا.
وامتنعت غَسَّان من هَذَا الْخراج بعد ذَلِك وولوا الشَّام كَمَا تقدم شَرحه فِي مُلُوك بني جَفْنَة. وَفِي الْعباب للصاغاني أَن جذعاً هُوَ جذع بن عَمْرو وَهُوَ غلظ أنْشد فِيهِ وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع