من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أَلا حييا ليلى وقولا لَهَا هلافقد ركبت أمرا أغر محجلا
على أَن هلا فِيهِ اسْم فعل بِمَعْنى أسرعي.
الْمَعْرُوف أَنَّهَا زجرٌ للدابة لتذهب فَتكون من أَسمَاء الصَّوْت كَمَا فسره هُوَ بِهَذَا فِي بَاب الصَّوْت. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: هلا: زجرٌ للخيل أَي: توسعي وتنحي. قَالَ: وَأي جوادٍ لَا يُقَال لَهُ هلا وللناقة أَيْضا وَقَالَ: حَتَّى حدوناها بهيدٍ وهلا وهما زجران للناقة وَقد تسكن بهَا الْإِنَاث عِنْد دنو الْفَحْل مِنْهَا. قَالَ: أَلا حييا ليلى وقولا لَهَا هلا انْتهى. فقد عكس الشَّارِح كَمَا ترى فَفَسَّرَهَا بأسرعي دون اسكني. وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة فِي شرح حيهلا من حَدِيث ابْن مَسْعُود: إِذا ذكر الصالحون فَحَيَّهَلا بعمر قَالَ: أَي: أقبل بِهِ وأسرع وَهِي كلمتان جعلتا كلمة وَاحِدَة فحي بِمَعْنى أقبل وهلا: بِمَعْنى اسكن عِنْد ذكره حَتَّى تنقصي فضائله. انْتهى.
فَهَلا من حيهلا إِمَّا بِمَعْنى أسْرع وَإِمَّا بِمَعْنى اسكن لِأَنَّهَا تَأتي للمعنيين كَمَا قَالَ الشَّارِح. وَكَأَنَّهُ ﵀ أَخذ كَلَامه من هُنَا لكنه لم ينعم النّظر. وَأوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي مفصله قَالَ: وَيسْتَعْمل حَيّ وَحده بِمَعْنى أقبل وهلا وَحده. وَأنْشد الْبَيْت.
وَالْبَيْت أول أبياتٍ للنابغة الْجَعْدِي الصَّحَابِيّ هجا بهَا ليلى الأخيلية. وَبعده:
بريذينةٌ بل البراذين ثفرهاوَقد شربت فِي أول الصَّيف أيلا
وَقد أكلت بقلاً وخيماً نَبَاتهوَقد نكحت شَرّ الأخايل أخيلا
وَكَيف أهاجي شَاعِرًا رمحه استهخضيب البنان لَا يزَال مكحلا
وَقَوله: أَلا حييا أَي: ابلغاها تحيتي على طَرِيق الهزء والسخرية. وَرُوِيَ: أَلا أبلغا أَمر مخاطبين بالتبليغ أَو وَاحِدًا إِمَّا بِتَقْدِير الْألف مبدلة من نون التوكيد الْخَفِيفَة. وَإِمَّا من قبيل خطاب الرجل صَاحبه بخطاب الِاثْنَيْنِ على عَادَتهم. وهلا هُوَ المحكي بالْقَوْل. وَقَوله: فقد ركبت إِلَخ أَرَادَ أَنَّهَا ركبت بِسَبَب التَّعَرُّض لي أمرا وَاضحا ظَاهرا لَا يخفى. وَهَذَا يُقَال فِي كل شَيْء ظاهرٍ عرف كَمَا يعرف الْفرس الْأَغَر المحجل. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:)
وأيامنا معروفةٌ فِي عدونالَهَا غررٌ معروفةٌ وحجول
وَرُوِيَ: لقد ركبت أيراً بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة بدل الْمِيم وَهُوَ تَحْرِيف من الْكتاب. وَقَوله: ذري عَنْك إِلَخ ذري: اتركي. وتهجاء بِالْفَتْح: مصدر لمبالغة الهجاء. وأذلقي أَي: أير أذلقي. والأذلق: السنان الْمسنون المحدد. قَالَ صَاحب الْعباب: ذلق السنان بِالْكَسْرِ يذلق ذلقاً أَي: صَار حديداً فَهُوَ ذلق وأسنةٌ ذلق. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: أذلقي أَي: رجلٌ فصيح متقن. وَهَذَا لَا مُنَاسبَة لَهُ هُنَا. وَمثله لبَعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل وَتَبعهُ الْكرْمَانِي فِي شرح أَبْيَات الموشح قَالَا: أذلقيٌّ أَي: فصيح يُقَال: فلانٌ ذلق اللِّسَان أَي: طليقه. والأذلقي مُبَالغَة. انْتهى.
وَرُوِيَ: أذلغي بدل أذلقي بذال وغين معجمتين بَينهمَا لَام. قَالَ صَاحب الْعباب: وَقَالَ للذّكر أذلغ وأذلغيٌّ ومذلغ بِكَسْر الْمِيم. والأذلغي: مَنْسُوب إِلَى بني أذلغ: قومٌ من بني عَامر يوصفون بِالنِّكَاحِ. قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: الأذلغ هُوَ عَوْف بن ربيعَة بن عبَادَة وَأمه من ثمالة. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الذّكر يُسمى أذلغ إِذا اتمهل فَصَارَت تومته مثل الشّفة المنقلبة. وَيُقَال: رجل أذلغ إِذا كَانَ غليظ الشفتين. وذلغ جَارِيَته إِذا جَامعهَا. انْتهى. والفيشل بِفَتْح الْفَاء: رَأس الذّكر وَمثله الفيشلة.
كَذَا فِي الْعباب. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الفيشل: الذّكر الْعَظِيم الكمرة. وَلم أره بِهَذَا الْمَعْنى. وَقَوله: برذينة حك البراذين إِلَخ مصغر البروذنة. قَالَ المطرزي: البرذون: التركي من الْخَيل وَهُوَ خلاف العراب. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: البرذون يَقع على
الذّكر وَالْأُنْثَى وَرُبمَا قَالُوا فِي الْأُنْثَى بروذنة كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والثفر بِفَتْح الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْفَاء. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: الثفر مثل فلسٍ للسباع وكل ذِي مخلب منزلَة الْفرج والحيا للناقة. وَرُبمَا استعير لغَيْرهَا. وَقَوله: وَقد شربت من آخر إِلَخ الأيل بِضَم الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء الْمَفْتُوحَة: جمع آيل كقارح وقرح والآيل: اللَّبن الخاثر. وَقيل اسْم جمع لَهُ يُقَال: آل اللَّبن يؤول أَولا إِذا خثر. وَأَرَادَ ألبانا أيلاً فَحذف الْمَوْصُوف. وَقيل: هُوَ أيل بِفَتْح الْهمزَة كسرهَا وَتَشْديد الْيَاء الْمَكْسُورَة وَهُوَ الذّكر من الأوعال. وَالْأُنْثَى أَيْلَة وأروية.
والأيل هُوَ ذُو الْقرن الأشعب مثل الثور الأهلي وَإِنَّمَا سمي أيلاً لِأَنَّهُ يؤول إِلَى الْجبَال يتحصن فِيهَا.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: أَرَادَ لبن أيل فَحذف الْمُضَاف وَخَصه دون غَيره لِأَنَّهُ يهيج الغلمة. وَقَالَ صَاحب الْعباب: قَالَ شمر: هُوَ لبن الأيايل. قَالَ أَبُو الْهَيْثَم: هَذَا محالٌ وَمن أَيْن يُوجد ألبان الأيايل. وَقَالَ أَبُو نصر: هُوَ الْبَوْل الخاثر من أَبْوَال الأروى إِذا شربته الْمَرْأَة اغتلمت. وَهُوَ يغلم أَي: يُقَوي على النِّكَاح. وَقَوله: إِذا أكلت بقلاً وخيماً إِلَخ الوخيم: الثقيل.)
ونكحت: تزوجت من بَاب ضرب. والأخايل: جمع أخيل قَالَ صَاحب الْعباب: بَنو الأخيل: حيٌّ من بني عقيل رَهْط ليلى الأخيلية. وَقَوْلها:
نَحن الأخايل مَا يزَال غلامناحَتَّى يدب على الْعَصَا مَذْكُورا
وَإِنَّمَا جمعت الْقَبِيلَة باسم الأخيل بن مُعَاوِيَة الْعقيلِيّ. انْتهى
أَرَادَ أَنَّهَا تزوجت بأشر بني أخيل. وأخيل: صفة لشر لتأويله بمشؤوم فَإِن الأخيل هُوَ الشقراق وَالْعرب تتشاءم بِهِ. وَقَوله: وَكَيف أهاجي شَاعِرًا إِلَخ أَي: كَيفَ أهاجي امْرَأَة بِهَذِهِ الصِّفَات. والاستفهام إنكاريٌَ. أَي: لَا أهجو استنكافاً مِمَّن بِهَذِهِ الصّفة.
وَسبب هجو النَّابِغَة لليلى أَنه كَانَ يهاجي زَوجهَا سوار بن أوفى الْقشيرِي فاعترضت ليلى بَينهمَا فهجت النَّابِغَة بِشعر فهجاها بِهَذَا الشّعْر فهجته بقصيدةٍ مِنْهَا هَذِه الأبيات:
أنابغ إِن تنبغ بلؤمك لَا تَجِدللؤمك إِلَّا وسط جعدة مجعلا
أعيرتني دَاء بأمك مثلهوَأي حصان لَا يُقَال لَهَا: هلا
تساور سواراً إِلَى الْمجد والعلاوَفِي ذِمَّتِي لَئِن فعلت ليفعلا
فغلبته وَلِهَذَا صَار النَّابِغَة معدوداً من المغلبين. هَذِه هُوَ الصَّحِيح فِي الرِّوَايَة كَمَا فِي الأغاني وَفِي شرح شَوَاهِد إصْلَاح الْمنطق لَا الْعَكْس كَمَا قَالَه ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد وَتَبعهُ الْعَيْنِيّ وَغَيره. ثمَّ إِنَّهَا وفدت إِلَى الْحجَّاج بن يُوسُف فَأَعْطَاهَا مَا سَأَلت ثمَّ قَالَ لَهَا: أَلَك حَاجَة بعد هَذَا قَالَت: نعم تدفع إِلَيّ النَّابِغَة الْجَعْدِي. قَالَ: قد فعلت. فَلَمَّا بلغ النَّابِغَة فعل الْحجَّاج بِهِ خرج هَارِبا إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان عائذاً بِهِ فاتبعته إِلَى الشَّام فهرب إِلَى قُتَيْبَة بن مُسلم بخراسان فاتبعته بِكِتَاب الْحجَّاج إِلَيْهِ فَمَاتَتْ
بقومس. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: بساوة وقبرت هُنَاكَ.
وَقَوْلها: أنابغ إِلَخ الْهمزَة للنداء. ونابغ: مرخم نَابِغَة وَهُوَ لقبٌ وَالْهَاء للْمُبَالَغَة. يُقَال: نبغ الرجل إِذا لم يكن فِي إِرْث الشّعْر ثمَّ قَالَ وأجاد وَمِنْه سمي الشُّعَرَاء من النوابغ وهم ثَمَانِيَة. وَاسم الْجَعْدِي قيس بن عبد الله. وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّادِس والثمانين بعد الْمِائَة. ونبغ يَنْبغ بِفَتْح الْبَاء فِي الْمَاضِي وبتثليثها فِي الْمُضَارع إِذا ظهر وَعلا. وَقَوْلها: وَلم تَكُ أَولا أَي: لم تكن أول من قَالَ شعرًا وَلَيْسَ لَك قدمٌ فِيهِ. والصني: مصغر صنو بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَهُوَ حسيٌ صَغِير لَا يردهُ أحد وَلَا يؤبه لَهُ يُقَال: هُوَ شقٌ فِي الْجَبَل. كَذَا فِي الصِّحَاح.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكتاب: الصني: شعب ضيق بَين الْجبَال وَقيل: هُوَ الرماد)
وَقيل: هُوَ الشَّيْء الحقير الَّذِي لَا يلْتَفت إِلَيْهِ. والحسي بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ المَاء المتواري فِي الرمل. قَالَ ابْن السيرافي فِي شرح أَبْيَات إصْلَاح الْمنطق: لم تنبغ: لم تعل وَلم تذكر. والصني: الْحسي الصَّغِير تُرِيدُ أَنه بِمَنْزِلَة الْحسي كَهَذا المَاء الَّذِي بَين جبلين لَا يُريدهُ أحد. وجهلاً نعت لصني. والصد بِضَم الصَّاد وَفتحهَا وَيُقَال: سد بِالسِّين كَذَلِك هُوَ الْجَبَل.
والمجعل: مصدرٌ ميمي. بِمَعْنى الْجعل أَي: لم تَجِد من يجعلك شريفاً إِلَّا قَوْمك. وَقَوْلها: أعيرتني دَاء أَي: أنسبتني إِلَى الْعَار وَهُوَ كل شَيْء يلْزم مِنْهُ عيبٌ أَو سبة يتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي بِنَفسِهِ كَمَا هُنَا. وبالباء أَيْضا. قَالَ المرزوقي فِي شرح الحماسة: الْمُخْتَار أَن يتَعَدَّى بِنَفسِهِ.
والحصان بِالْفَتْح: الْمَرْأَة العفيفة. وَرُوِيَ بدله: وَأي جواد وَهُوَ الْفرس الجيدة. وَقَوْلها: تساور سواراً إِلَخ تساور: توَاثب وتغالب.
وسوار قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: هُوَ سوار بن أوفى الْقشيرِي. وَكَانَ زَوجهَا. وصحفه بَعضهم وَرَوَاهُ: تسور سوار وَالصَّوَاب مَا روينَاهُ.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه على الْألف فِي ليفعلا أَصْلهَا نون التوكيد الْخَفِيفَة قلبت ألفا.
وَاللَّام فِي لَئِن موطئة الْقسم وَاللَّام الثَّانِيَة فِي جَوَاب الْقسم الْمُقدر وَجُمْلَة: يفعلا جَوَاب الْقسم وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف وجوبا وَفِي ذِمَّتِي خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: فِي ذِمَّتِي الْقيام بِمَا أدعيه لسوار من أَن يَغْلِبك وَالله لَئِن فعلت ليفعلن أَي: لَئِن واثبته ليواثبنك ويغلبنك. وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر قَوْله: وَفِي ذِمَّتِي قسم وَجَوَابه ليفعلن. فَإِن قلت: إِن فِي قَوْله: وَفِي ذِمَّتِي لَيْسَ بِكَلَام مُسْتَقل وَالْقسم إِنَّمَا هُوَ جملَة. قلت: أَنه أضمر فِي الظّرْف الْيَمين أَو الْقسم لدلَالَة الْحَال عَلَيْهِ كَمَا أضمر قي قَوْله سُبْحَانَهُ: ثمَّ بدا لَهُم الْفَاعِل وَصَارَ ليسجننه كالجواب لِأَن بدا بِمَنْزِلَة علم وَذَاكَ أَنه علمٌ. وَمن لم يرفع بالظرف فَيَنْبَغِي أَن يكون الْمُبْتَدَأ عِنْده محذوفاً. وَيبين ذَلِك قَوْلهم: عَليّ عهد الله لَأَفْعَلَنَّ. انْتهى. الْمُبْتَدَأ وجوبا إِذا كَانَ خَبره صَرِيحًا فِي الْقسم كَقَوْلِهِم: فِي ذِمَّتِي لَأَفْعَلَنَّ أَي: فِي ذِمَّتِي يَمِين.
وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَإِنَّمَا عده صَرِيحًا لِأَنَّهُ اشْتهر اسْتِعْمَاله فِي الْقسم وَبِه يسْقط قَول من قَالَ كَمَا نَقله الْعَيْنِيّ: يحْتَمل أَن يكون: فِي ذِمَّتِي دينٌ أَو عهدٌ فَلَا يفهم الْقسم إِلَّا بِذكر الْمقسم بِهِ
وَأنْشد بعده: قدني من نصر الخبيبين قدي وَقد تقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد الثَّالِث بعد الأربعمائة. وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع