من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَمَتى أهلك فَلَا أحفلهبجلي الْآن من الْعَيْش بجل
على أَن بجل كَانَ فِي الأَصْل مصدرا بِمَعْنى الِاكْتِفَاء ثمَّ صَار اسْم فعل بِمَعْنى الْأَمر فَإِن اتَّصل بِهِ الْكَاف كَانَ مَعْنَاهُ اكتف أَمر مُخَاطب حَاضر. وَإِن اتَّصل بِهِ الْيَاء كَانَ مَعْنَاهُ لأكتف أَمر مُتَكَلم نَفسه كَمَا أَن قد وقطّ كَذَلِك. فَفِيهِ ضمير مستتر وجوبا تَقْدِيره فِي الأول: أَنْت وَفِي الثَّانِي أَنا. وَمثله فِي الْمفصل للزمخشري: أَن قدك وقطك بِمَعْنى اكتف وانته. وَلم يذكر مَعَهُمَا بجل وَكَونهَا مَوْضُوعَة لهَذَا الْمَعْنى هُوَ الْمُتَبَادر الظَّاهِر من موارد اسْتِعْمَالهَا والمطرد فِي كل مَوضِع أَتَت فِيهِ.
وَذهب ابْن مَالك فِي التسهيل إِلَى أَن الثَّلَاثَة موضوعةٌ لأكتفي فعلا مضارعاً للمتكلم. وَهُوَ قريبٌ مِمَّا قَالَاه. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَأما بجل فقد ذكرُوا أَنَّهَا اسْم فعل وَالْيَاء فِي مَوضِع نصب بِمَعْنى كفاني أَو يَكْفِينِي. وَإِذا لم تلْحق فَهِيَ بِمَعْنى حسب. وَاقْتصر الْمرَادِي فِي الجنى الداني وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَغَيرهمَا على أَنَّهَا مَوْضُوع ليكفي فعلا مضارعاَ غَائِبا. وَهَذَا يحْتَاج إِلَى فَاعل ظَاهر. وَلَا يَتَيَسَّر فِيهِ بجلي الْآن وَلَا فِي قَول طرفَة بن العَبْد. وَقد أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: أَلا بجلي من الشَّرَاب أَلا بجل لعدم وجوده. وَلما رَأَوْا أَن لَا فَاعل اضطروا إِلَى جعل بجل فِي الْبَيْتَيْنِ بِمَعْنى حسب وأثبتوا معنى ثَانِيًا لَهَا. وَلَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَيْهِ وَلِهَذَا لم يذكر الشَّارِح الْمُحَقق معنى حسب أصلا حسماً للانتشار من غير فَائِدَة. فَإِن قلت: إِن عُلَمَاء اللُّغَة الْمُتَقَدِّمين كالأزهري وَابْن دُرَيْد والجوهري وَغَيرهم إِنَّمَا قَالُوا: بجل بِمَعْنى حسب وَلم يتَعَرَّضُوا لمجيئها اسْم فعل فَمَا وَجهه قلت: هُوَ راجعٌ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا عبروا بِحَسب لقرب الْمَعْنى تيسيراً للفهم. وهم يتساهلون فِي تَفْسِير بعض الْأَلْفَاظ.
وَلما كَانَ غَرَض النَّحْوِيين مُتَعَلقا بِأَحْكَام الْأَلْفَاظ دققوا النّظر فبينوا حَقِيقَتهَا وفسروها بِالْفِعْلِ وسموها اسْم فعل. وَلَا يَصح أَن تكون مَوْضُوعَة بِمَعْنى حسب لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا لَا يسْتَعْمل اسْتِعْمَال الآخر.
أما حسب فَإِنَّهَا اسمٌ مُعرب متصرف يَقع مُبْتَدأ وخبراً وَحَالا ومجروراً وَيدخل عَلَيْهَا العوامل اللفظية. وبجل إِلَى خلاف هَذَا وَإِثْبَات هَذِه الْأُمُور لَهَا دونه خرط القتاد. وَأما بجل فَإِن نون الْوِقَايَة تلحقها وَحسب لَا تلحقها وَلَا فِي الندرة. وَقد أَخذ ابْن مَالك بِظَاهِر كَلَام أهل اللُّغَة فَأثْبت مَجِيء بجل بِمَعْنى حسب. وَحسب لَيست اسْم فعل)
لدُخُول العوامل عَلَيْهَا وَلم يصب من عدهَا من أَسمَاء الْأَفْعَال كالقواس فِي شرح ألفية ابْن معطي وَلَا يجب لحاق نون الْوِقَايَة لبجل مَعَ الْيَاء بل يجوز بمرجوحية. قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق هُنَا: وَتجب نون الْوِقَايَة فِي قد وقطّ دون بجل فِي الْأَعْرَاف لِكَوْنِهِمَا على حرفين دونه. وَقَالَ فِي بَاب الْمُضمر: وَكَذَا الْحَذف فِي بجل أولى من الْإِثْبَات وَإِن كَانَ سَاكن الآخر مثل قد وقطّ لكَرَاهَة لَام سَاكِنة قبل النُّون وتعسر النُّطْق بهَا. وَمثله لِابْنِ هِشَام فِي الْمُغنِي: أَن لحاق النُّون لبجل إِذا كَانَ اسْم فعل نَادِر. وَكَذَا حَال جَمِيع أَسمَاء الْأَفْعَال يجوز إِلْحَاق نون الْوِقَايَة وَتركهَا. قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب الْمُضمر: يجوز إِلْحَاق نون الْوِقَايَة فِي أَسمَاء الْأَفْعَال لأدائها معنى الْفِعْل وَيجوز تَركهَا أَيْضا لِأَنَّهَا لَيست أفعالاً فِي الأَصْل. حكى يُونُس: عليكني وَحكى الْفراء: مكانكني. انْتهى.
وَكَذَا قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية: حكى سِيبَوَيْهٍ فِي أَسمَاء الْأَفْعَال عليكني وعليكي. بل يَنْبَغِي أَن يكون إِلْحَاق النُّون لاسم الْفِعْل كالفعل من كل وَجه فَكَمَا تَقول تراكها: تَقول تراكني وَفِي رويد: رويدني وَفِي هَلُمَّ الحجازية: هلمني. وَكَذَلِكَ سَائِر أَسمَاء الْأَفْعَال المتعدية. وَقد نَص ابْن مَالك فِي شرح التسهيل على جَوَاز إِلْحَاق النُّون فِي اسْم الْفِعْل مُطلقًا. انْتهى.
وَزعم ابْن هِشَام فِي شرح الألفية وَفِي الْجَامِع الصَّغِير وَغَيرهمَا أَن لحاقها لاسم الْفِعْل وَاجِب. وحينئذٍ يرد عَلَيْهِ مَا استشكله الدماميني فِي شرح الْمُغنِي قَالَ: هَذَا مُشكل لِأَنَّهَا حَيْثُ تكون اسْم فعل بِمَعْنى يَكْفِي فالنون وَاجِبَة لَا نادرة. نعم إِذا كَانَت بِمَعْنى حسب جَازَ الْأَمْرَانِ إِلَّا أَن ترك النُّون أعرف من إِثْبَاتهَا فندور: بجلني بالنُّون إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَت بِمَعْنى حسب لَا بِمَعْنى يَكْفِي. هَذَا كَلَامه.
وَتَابعه عَلَيْهِ الشمني وناقشه بِشَيْء لَا طائل تَحْتَهُ. وَقد لفق بَين كلاميهما ابْن الملا على عَادَته وَلم يَأْتِ بِشَيْء. وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: إِلَّا أَن الضَّمِير قد يحذف من بجل بِخِلَاف قد وقطّ يَعْنِي قد تسْتَعْمل مُجَرّدَة من إِلْحَاق ضمير الْمُتَكَلّم أَو الْمُخَاطب كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن بجل الثَّانِيَة تَأْكِيد للأولى أَلا بجلي من الشَّرَاب أَلا بجل وَكَذَلِكَ قَول بعض أهل الْبَصْرَة فِي يَوْم الْجمل: ردوا علينا شَيخنَا ثمَّ بجل يُرِيد: ثمَّ بجلكم أَي: كفوا وانتهوا. وَزعم الْعَيْنِيّ أَن بجل الثَّانِيَة حرفُ بِمَعْنى نعم وَمَعَ هَذَا فَهِيَ تَأْكِيد لبجل الأولى. وَفِيه أَن الْحَرْف لَا يُؤَكد الِاسْم لتغايرهما بالنوعية. وَقَول الشَّاعِر: وَمَتى أهلك إِلَخ مَتى: جازمة. وَأهْلك شَرط وَلِهَذَا جزم. وَجُمْلَة: لَا أحفله فِي مَحل جزم جَوَاب)
الشَّرْط. وَهلك الشَّيْء من بَاب ضرب وَكَذَلِكَ حفل من بَاب ضرب.
قَالَ صَاحب الْعباب: وحفلت كَذَا أَي: باليت بِهِ. وَيَتَعَدَّى بِالْبَاء أَيْضا وَهُوَ الْكثير. يُقَال: حفلت بفلان إِذا قُمْت بأَمْره وَلَا تحفل بأَمْره أَي: لَا تبال بِهِ وَلَا تهتم بِهِ. واحتفلت بِهِ: اهتممت بِهِ. وَضمير أحفله راجعٌ إِلَى الْهَلَاك الْمَفْهُوم من أهلك. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ ذكر فِيهَا أَيَّامه ومشاهده وَمَا جرى لَهُ عِنْد النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة والتأسف على مَوته. إِلَى أَن قَالَ: فَمَتَى أهلك فَلَا أحفله الْبَيْت وَبعده:
ثمَّ رثى أَخَاهُ لأمه أَرْبَد لمَوْته بصاعقةٍ نزلت بِهِ بِدُعَاء النَّبِي ﷺ َ لِأَنَّهُ كَانَ جَاءَ مَعَ عَامر بن الطُّفَيْل قاتلهما الله للغدر بِالنَّبِيِّ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم. وَهَذِه القصيدة قَالَهَا قبل إِسْلَامه. وَتقدم شرح أبياتٍ مِنْهَا فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ. وترجمته تقدّمت أَيْضا فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة. وَقَوله: من حَيَاة بدل من قَوْله: من الْعَيْش فِي الْبَيْت السَّابِق.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع