تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقالت وجيهة بنت أوس الضبية

وعاذلة تغدو على تلومنيعلى الشوق لم تمح الصبابة من قلبي
فما لي إن أحببت أرض عشيرتيوأبغضت طرفاء القصيبة من ذنب
للشاعر وجيهة بنت أوس الضبية، اقرأ القصيدة

تقول: رب لائمة همها مقصور على لومي وعتبي، فيما أهواه وأميل إليه، وأعد نفسي به فتتشوقه، فلا يؤدي عتبها إلى طائل لها، لأن تنصحها مردود، ووعظها مدفوع؛ ولا إلى طائل لي، إذ كان لاتزداد الصبابة في قلبي إلا تمكناً وثباتاً، ولا الاشتياق اللازم لي إلا ازدياداً ودواماً؛ وأنا إذا أحببت أرض عشيرتي ورهطي، ووطن أحبتي وأهلي، ومسقط رأسي، وحيث حل الشباب تميمتي، وأبغضت القصيبة منبت الطرفاء، أرضاً لم أقض مأربةً فيها، ولا أوجبت مذمة لها، فلا ذنب لي ألام فيه، ولا جريرة مكتسبة فأعتب عليها.

وقوله " من ذنب " في موضع الرفع، لأنه اسم مالي، وجواب الجزاء من قوله " إن أحببت أرض عشيرتي " في قوله " مالي من ذنب "، وجواب رب في قوله " لم تمح الصبابة ".

فلو أن ريحاً أبلغت وحي مرسلحفي، لناجيت الجنوب على النقب
للشاعر البحتري، من قصيدة «فلو أن ريحاً أبلغت وحي مرسل»
فقلت لها أدى إليهم تحيتيولاتخلطيها، طال سعدك، بالترب
فإني إذا هبت شمالاً سألتهاهل ازداد صداح النميرة من قرب
للشاعر وجيهة بنت أوس الضبية، اقرأ القصيدة

الوحي: مصدر وحيث لك بخير، أي أجبرت؛ ويستعمل أوحى ووحي في معنى البعث والإلهام. والإيحاء: الإيماء والإشارة. فيقول: لو أن ريحاً أدت خبر مرسل، أو بعث ملح منفذ لساررت ريح الجنوب على الطريق - والحفي يكون الملح، ويكون اللطيف، ومصدره الحفاية. والنقب: الطريق في الجبل - ولقلت: ياريح بلغيهم تحيتي، وصونيها عن الإذالة، وخلطها بالتراب، أطال الله سعادتك. وقوله " طال سعدك " دعاء لها، وهو من الاعتراضات المستحسنة، ومثله قول الآخر:

فما مكثنا دام الجميل عليكمابثهلان إلا أن تزم الأباعر

وقول الآخر:

إن الثمانين وبلغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «يا خير من ينبي على جوده»

وقوله: فإني إذا هبت الريح شمالاً، انتصابه على الحال. وساغ ذلك فيه لكونه صفةً لااسماً. وعلى هذا الجنوب والقبول والدبور، يجوز في جميعها أن تقع أحوالاً لكونها صفات. وكأن الجنوب كانت تهب من نحو أرضه مستقبلةً لديار أحبته، فلذلك جعلها رسوله. وكانت الشمال تهب من ناحية أرض حبيبه مستقبلةً بلاده، فلذلك زعم أنه يسائلها عما استعجم عليه من أخبارهم.

وقال ابن الأعرابي: مهب الجنوب يمان من قبل اليمن، وقلما تسري بالليل، وهي مباركة. والشمال شآمية، فهي أكثر الرياح هبوبا، وهي صاحبة الشتاء.

و" صداح النميرة " الصدح: الصوت، يقال: صدح الديك والغراب، إذا صوتا. ويعني جلبة الصوت ونداء داعيهم. والمنادى بالرحيل فيهم كأنه ينتظرهم لحضور وقت انتجاعهم ونهضاتهم، وكان يتعرف ذلك ليستبشربه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.