من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال رجل من بني الحارث
منىً إن تكن حقاً تكن أحسن المنىوإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا
أماني من سعدى حساناً كأنماسقتك بها سعدى على ظمإ بردا
المنى: جمع منية، وموضعها من الإعراب رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هي منىً. فيقول: هذه الخصال التي نعد بها أنفسنا في هذه المرأة وتعدنا بها، لاتخلو من أن تكون صادقةً أو كاذبةً؛ فإما نعيش بذكرها منتظرين لها زمناً ممتداً، وعيشاً واسعاً رافها.
وقوله " أماني من سعدى " نصب بإضمار فعل، كأنه قال: أذكر أماني من سعدى. وكرر لفظ سعدى تلذذاً لاسمها، وقد تقدم القول في أن الأعلام وأسماء الأجناس يفعل بها ذلك. والمعنى أذكر أماني من هذه المرأة جميلةً تزجى أوقاتنا، وكأن موقعها من قلوبنا موقع الماء البارد من ذي الغلة الصادي. وقوله " زمناً رغداً " الرغد: السعة في العيش. ويقال: عيش راغد ورغيد. وانتصاب رغداً على أنه صفة لمصدر محذوف، كأنه قال: عشنا عيشاً رغداً بها زمناً. ولا يمتنع أن يكون صفةً لقوله زمناً، كأنه قال عيشاً واسعاً. وقوله " على ظمإ بردا " يريد ماءً ذا برد.
آخر:
وخبرت سوداء القلوب مريضةًفأقبلت من أهلي بمصر أعودها
فوالله ما أدري إذا أنا جئتهاأأبرئها من دائها أم أزيدها
قوله " خبرت " تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، ومريضةً المفعول الثالث. وقوله " أعودها " في موضع الحال من أقبلت. ويجوز أن يريد بقوله " سوداء القلوب " أنها تحل من القلوب محل السويداء منه، كأن القلوب على اختلافها تميل إليها وتنطوي على حبها. ويجوز أن يكون كان اسمها سوداء وأضافها إلى القلوب، كما قال ابن الدمينة:
قفي يا أميم القلب نقض تحيةًونشكو الهوى ثم افعلي ما بدالك
ويجوز أن يكون أراد أنها قاسية القلب سوداؤه، فجمع القلب بما حوله فقال القلوب، أو لأنها كأن لها مع كل متيم بها قلباً، فقال القلوب على ذلك. فيقول: نبيت أنها تألمت لعارض علة، فأقبلت من أهلي بمصر عائداً لها، ووالله أحلف ما أدري إذا حصلت عندها أأصبر شفاءً مما بها، أو أزيد في شكواها لتبرمها بي؛ كأنه ظن بها تنكراً وحؤولاً عن العهد. وقوله " أم أزيدها " يريد: أم أزيدها داءً، فحذف لأن المراد مفهوم.
وقال آخر:
إني وإياك كالصادي رأى نهلاًودونه هوة يخشى بها التلفا
رأى بعينيه ماءً عز موردهوليس يملك دون الماء منصرفاً
يقول: مثلي ومثلك في مساس حاجتي إليك، وتناهى رغبتي في وصلك والنيل منك، وفي احتجازك عني وامتناعك منى، مثل رجل عطشان شاهد ماءً، وقد حال بينه وبين وروده وهدة عميقة يخشى من اقتحامها الهلاك، فالماء بمرأى منه، وقد غلبه المانع عنه، ليس يقدر على انصرافه من دونه، لغلبة العطش عليه، وشدة الفاقة إليه، فكذلك أنا وأنت. وقوله " رأى نهلاً " في موضع الحال، وقد مقدرة في الكلام، لأن رأى بناء للماضي. والنهل والمنهل: الماء، وموضع الماء. وقوله " ودونه هوة " في موضع الصفة للنهل، كما أن عز مورده في موضع الصفة للماء. وإنما قال " رأى بعينيه " فذكرالعين تأكيداً للرؤية. ومثله قوله تعالى: " ولاطائر يطير بجناحيه " وما أشبهه.
وقال آخر:
ألا بأبينا جعفر وبأمنانقول إذا الهيجاء سار لواؤها
ولا عيب فيه غير ماخوف قومهعلى نفسه ألا يطول بقاؤها
قوله ألا بأبينا، الجملة في موضع المفعول لقوله نقول. والباء من بأبينا تعلق بفعل مضمر، والمراد: نفدى بأبينا وأمهاتنا جعفراً إذا سار الخميس وحمل لواء الجيش قاصداً إلى الهيجاء. وأضاف اللواء إلى ضمير لحاجتها إليه.
وقوله ولا عيب فيه يريد أن جعفراً بريء من العيوب إلا من مخافة قومه على نفسه ألا تطول مدتها، ولا يتنفس مهلها. وليس ذلك بعيب، وإنما يشفقون مما ذكر تنافساً في حياته، ورغبة في الانتفاع به وبمكانه، لكنه أراد أن من ذلك معيبه، فكيف يكون مرضيه. فإن قيل: لم أدخل هذا في جملة النسيب وليس هو منه؟ قلت: لطافة لفظه وحلاوة معناه، ومناسبته بذلك للنسيب، أدخلته في هذا الباب. وقد فعل لمل هذه العلة مثل هذا فيما تقدم، ونبهنا عليه.
وقال آخر:
وإني على هجران بيتك كالذيرأى نهلاً ريا وليس مناهل
يرى برد ماء ذيد عنه وروضةبرود الضحى فينانة بالأصائل
يقول: إني على ما أجرى عليه من تعزلي لبيتك، ومهاجرتي لفنائك، ولما أتقى به من مكاشفة الرقباء على ترصدهم بالمكروه لي ولك، واختلافهم في التقاط حديثي وحديثك، لكالعطشان وقد رأى ماء مروياً كثيراً، بارداً شهياً، فمنع منه، وشافه روضة باردة الظل عند الضحاء، كثيرة الأفنان والغصون، إذا هبت رياح العشاء فحيل بينه وبينها. والنهل: الماء. والناهل: الريان هاهنا، ويكون العطشان أيضاً في غير هذا. وذيد عنه، أي منسع منه. والفينانة: الكثيرة الأفنان؛ وهو فيعال. والفنن: الغصن. والأصائل: العشيات.
وقوله يرى برد ماء، فيقول: يرى ماء بارداً، لأن البرد لا يدرك بالعين. وإن شئت قلت: جعله للمبالغة في الوصف كالمحسوس.
وقال آخر:
فمرا على أهل الغضي إن بالغضىرقارق لا زرق العيون ولا رمدا
أكاد غداة الجزع أبدى صبابةوقد كنت غلاب الهوى ماضياً جلدا
يخاطب صاحبين له يسألهما أن يجوزا بأهل الغضى، لأن فيها نساء يترقرق ماء الشباب فيهن، لا زرق في عيونهن ولا رمد. ويقال: فتى رقراق، وفتاة رقراقة،
والمراد به ابتداء الشباب. وذكر بعضهم أن المراد بالرقارق مياه رقيقة، وأن الزرق الصافية، والرمد المتغيرة الألوان، والأول أقرب، لأن الرمد لا يستعمل إلا في الحاسة، ولأن الفائدة في كون مياه بالغضي على هذه الصفة قليلة. وقصد الشاعر فيما كلف صاحبيه أن يجددا عهد بأهل الغضى، ويتعرفا من أخبار محبوبته، ما تسكن نفسه إليه. وفي قوله إن بالغضي رقارق، إذا جعلت الرقارق نساء، نسيب بها وبصواحبها: وقوله لا زرق العيون، ثبت لهن كحل العيون وسلامتها من الآفات، بنفي الأضداد عنها، وهذا كتحديد الشيء بالسلب.
وقوله أكاد غداة الجزع يصف ما ناله يوم البين، وأنه مع ثباته في الشدائد، وصبره على النوائب، وحسن تمسكه عن جوالب الهوى، يفتضح ويظهر عليه من الاكتئاب والوجد ما يستدل به على مستكنات صبابته، وخفيات أحواله.
فلله درى أي نظرة ذي هوىنظرت وأيدى العيس قد نكبت رقدا
يقربن ما قدامنا من تنوفةويزددن ممن خلفهن بنا بعدا
قوله لله درى يجري مجرى: لله خيري. ومن عادتهم أن ينسبوا ما يعجبهم إلى الله تعالى ذكره، وإن كانت الأشياء كلها في الحقيقة له. وقد فارق درى بالاستعمال على هذا الوجه المصادر، فلا يتعلق به شيء من متعلقاتها. وقوله أي نظرة ذي هوى تعجب، وانتصب أي بنظرت. وكأنه لما صبر عندما رأى من أيات الفراق ولواذع البين، وصار بمرأى منه وبمسمع، من التهيؤ للارتحال، ومن تدبير عوارض السفر، عد ذلك من نظره وجلده شيئاً عجيباً. ومعنى نكبت رقدا وهو موضع كان يجمعهم. ويجوز أن يريد بذلك نظره في إثر الظعائن تحسراً وصاحبته معهن، كما قال الآخر:
بعيني ظعن الحي لما تحملوالدى جانب الأفلاج من جنب تيمرا
وقوله:
ولما بدا حوران في الآل دونهانظرت فلم تنظر بعينيك منظرا
ويكون على هذا قوله نكبت رقدا معناه انحرفن عنه وتركنه، لكونه مفرق الطرق.
وقوله يقربن ما قدامنا من تنوفة وصف العيس بالسرعة. والتنوفة: المفازة. والمراد أن ما يقطعه غيرها في يومين تقطعها هذه في يوم. والكلام تحسر وتوجع، لتباعده عمن هواه معهم. ومثله قول الاخر:
إذا نحن قلنا وردهن ضحى غدتمطين حتى وردهن طروق
وتعلق الباء من قوله بنا بقوله يزددن. وبعدا، انتصب على التمييز.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع