من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال بعض بني أسد (٦)
تبعت الهوى يا طيب حتى كأننيمن أجلك مضروس الجرير قؤود
تعجرف دهراً ثم طاوع أهلهفصرفه الرواض حيث تريد
وإن ذياد الحب عنك وقد بدتلعيني آيات الهوى لشديد
يقول: أعطيت الهوى مقادتي فيك، فتبعته حيث جرني، لاأتمنع عليه، ولا أطلب معدولاً إليه، حتى صرت كأنني بعير قد عضه الجرير فلان وانقاد.
والجرير: جبل مضفور من أدم. والضرس: العض. والقؤود: فعول في معنى مفعول، فهو كالقتوب والركوب، والهمزة فيه بدل من العين.
وقوله " تعجرف "، أي أخذ غير القصد زماناً، لأنه كان صعباً ثم تذلل ودخل في طاعة مداوره، وهذا مثل ضربه للنفس في ابتداء هواه، وأنه تأبى عليه مدة، فتردد بين جده وهزله، واقتساره وليانه، حتى ركب منه كل مركب، واستوطأ ظهره كل كل استيطاء. فهذا معنى " وصرفه الرواض حيث تريد ".
وقوله " وإن ذياد الحب عنك "، يريد أن دفاع حبه عنها وصرفه عسر صعب وقد بدت آيات الهوى. والمعنى أن للهوى علامات حيث مالت بالإنسان ذهب معها، فيعد الغي رشداً، ويرى التهالك فيه حياةً، ولورام دفع حبه عنه، ولي نفسه دونه، لتعذر وامتنع.
وما كل ما في النفس للناس مظهرولاكل مالا تستطيع تذود
وإني لأرجو الوصل منك كما رجاصدى الجوف مرتاداً كداه صلود
يقول: ليس جميع ما يشتمل عليه صدري، ويشقى في الهوى بتحمله جوانحي، ممكناً إظهاره؛ ولا كل ما تطيقه النفس، أو لاتنهض به، يسهل دفعه؛ فأنا أسير الهوى وتبيعه، متردد في بلواه، لاأجد منه مخلصاً، ولا استطيع عنه ملجأً ومناصاً.
وقوله " وإني لأرجو الوصل منك " يقول: وعلى ما أصفه من حالي فيك أرجو وصالك رجاء إنسان شديد العطش، يطلب الماء من موضع حفره فأكدى، أي بلغ كديته، وهي حجر يعرض في البئر عند الاحتفار فيمتنع قطعه بالمعاول، وجمعها كدي. وهذا مثل، والمعنى أن رجائي في خيرك مع حاجتي رجاء رجل عطشان يطلب الماء ويرجوه من بئر هكذا. والصلود: اليابس، ويقال للبخيل: أصلد وصلد وصلود، تشبيهاً به، وكذلك زند صلود إذا لم يور. والمرتاد: الطالب، ومفعوله محذوف، ويجوز أن يعنى بالمرتاد المطلوب، ويراد به الماء، وقد أقام الصفة مقام الموصوف، وعلى الوجه الأول ينتصب على الحال.
وكيف طلابي وصل من لو سألتهقذى العين لم يطلب وذاك زهيد
ومن لو رأى نفسي تسيل لقال ليأراك صحيحاً والفؤاد جليد
يصف بخلها وتمنعهافيقول: كيف أستجيز طلب وصال إنسان لو سألته إزالة قذى العين لم يجبني إليه، وذاك قليل فيما يسأل ويلتمس. فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، كما قال الآخر:
يا صخر وراد ماء قد تناذرهأهل الموارد ما في ورده عار
يريد: ما في ترك وروده عار، فحذف المضاف. ويجوز أن يريد لو سألته ألا يقذى عيني، كما تقول: سألت فلاناً ضرب فلان، أي استوهبته صربه لم يطلبني. ويجوز أن يريد من لو سألته تافهاً لا خطر له ولا اعتداد به، فضرب المثل بالقذى، والمعنى: لو سألته ما يقذي العين.
وقوله " من لو رأى نفسي " عطفه على من لو سألته، يريد: ولو رأى دمي يسيل لقال لقسوة قلبه علي: أراك صحيحاً لاداء بك ولا آفة، وقلبه جليد، أي يرق لي ولا يرحمني، والمراد على هذا بالقلب قلب المرأة، ويكون الواو في " والفؤاد " واو الحال، ويجوز أن يكون من تمام الحكاية ومن كلام المرأة، والمعنى أنها تقول مع ما ترى من سيلان دمي: أرى نفسك صحيحة، وقلبك ثابتاً ماضياً، لا آفة بك ولا غائلة.
فيأيها الريم المحلى لبانهبكرمين كرمي فضة وفريد
أجدي لاأمسي برمان خالياًوغضور إلا قيل أين تريد
كأنه استعطفها وذكرها اشتهاره بها، وتوجه التهم إليه بسببها، حتى ضاق بهذين الموضعين مجاله، وتعسر عليه وإن تفرد فيها إمساؤه.
والرئم: الظبي الخالص البياض. والمحلى لبانه، أي ترائبه. بكرمين، أي بقلادتين. والفريد: الدر. واللبان: الصدر. وقوله " وفريد " إن جعلته معطوفاً على فضة يكون إقواءً، ولك أن ترفعه بالابتداء والخبر محذوف، كأنه قال: وفريد فيهما. ويروى: " كرما فضة وفري "، فينعطف الفريد على " كرما " ويكون الكلام على الاستئناف لا الإبدال، كأنه قال: هما كرما فضة وفريد. وهذا أصح وأجود.
وقوله " أجدى " يريد: أعلى جد منى هذا الأمر، وهو أني لا أمسي منفرداً بنفسي برمان وغضور إلا قيل: أين مرادك. و " أجدى " في موضع المصدر، والفعل العامل فيه محذوف، وذكر الإمساء والمراد الإمساء والإصباح جميعاً، لكنه اكتفى بذكر أحدهما لعلم الناس بأن حاله فيما ذكره يستوي فيه الليل والنهار.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع